[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الوجــــــوه 
التاريخ:  القراءات:(40) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
* * *

في البدء: لكي نتحرر من عقدنا، ومرجعيتنا الثقافية الخاطئة القاسية، يجب أن تتنفس في دمائنا بشكل طبيعي امرأة من جهة أخرى.

الصباح وجه إمراه من الشام، ووجهي فيه وجهُ راعٍ في صحراء الدهناء، ووجهها القروي الأسمر في شمال الأحساء ينطفئ، ووجه الرفيق شافي مفجوع دائمًا، يترسبُ فيه حزن حمائم بيضاء، ويده ممسكة بالفرشاة تضعُ الخطوط الأخيرة لوجهي المرسوم في فخذ امرأة عارية منبطحة يحتل جسدها العاجي اللوحة كلها..

كانت يده تحن إلى رسم وجهي مشطوراً على نهدي المرأة، خمّنتُ ذلك من أخذه الأبعاد على منطقة النهدين، ومن إطالته النظر إلى وجهي من جديد، فكّرتُ في دمي المزروع في دمائهم، وفي حزني الداخل في أحزانهم، فانتفضتُ، وأوقفتُ مشروعه العبثي، وقلبتُ اللوحة.

كتبَ شافي باللون الأحمر على ظهر اللوحة: سيحرقون دمك لو استطاعوا، لقد أكلوا الجلود السائحة في وسط البحر حين جاعوا، وإذا تلبّس الجن نساءهم، قاموا من فورهم يضاجعوهن.

حين قرأتُ ما خطّ الرفيقُ شافي تذكرتُ كيف أطفأوا وجهها! وكيف دخلوا أسلاك الهاتف مثل موجات كهرومغناطيسية، وسجلوا أنفاسنا الحميمة، وأشواقنا الظامئة، وعرينا الشهي!

قلت لشافي بيقين إنسان ينتحر: أمّة تُدار بالحقد والحسد والدسائس والمبتزين والمنتفعين أمة ساقطة، وأعدتُ اللوحة إلى وضعها الطبيعي، ووضعتُ الفرشاة التي تنقطُ في يده، ابتدأ شافي يشطّر وجهي، نصف فمي على النهد الأيمن، والنصف الآخر منه على النهد الأيسر، نصف شاربي على النهد الأيمن، والنصف الآخر منه على النهد الأيسر، نصف أنفي على النهد الأيمن، والنصف الآخر منه على النهد الأيسر. ...

لقد كان شافي بارعًا في التشطير، وفي الرسم، تأملتُ فمي مشطورًا، فتذكرتُ فمها قبل أن ينطفئ، وكلماتها تتدفق منه، والنغم الفارسي الهادئ الحزين يظلل صوتها المنساب مع النغم في أذني، والسرير يحتفلُ بجسدينا الخاطئين في الحجرة التي حفظتْ تاريخ لذاتنا القصيرة. .

لقد قررتْ الآتي وأناملي تخيمُ على وجهها، وهي عارية ومنبطحة بجانبي: أنتَ أقوى منهم، أنتَ تطيرُ وتحلقُ، وهم حشرات تهبطُ ..

اندلقتْ علبة الصبغ على قدمي، ونالتْ ذيل ثوبي، فأخذ الصبغ ينقطُ على الأرضية، وطرحَ شافي الفرشاة جانبًا، وتحدثَ إليّ بيقين إنسان كان في الصفوف الخلفية لجيش دخلَ معركة وخرجَ مهزومًا: كان وجهك آخر الحصون، ولقد سكنوه، كانت عيناك آخر القلاع، ولقد احتلوها، كان فمك آخر السدود، ولقد فتحوه.

حين سمعتُ حديثه، فكرتُ في قلبي النابض مع قلوبهم، في عقلي الذي فكّر مع عقولهم، في يدي التي ضربتْ مع أيديهم، ونظرتُ إلى علبة الصبغ فوجدتها قد أفرغتْ على الأرضية كل مخزونها، ونظرتُ إلى الفرشاة، فوجدتها قد ساءتْ، ونظرتُ إلى وجه الرفيق شافي فوجدته يبكي، ونظرتُ إلى وجهي في فخذ المرأة، وفي نهديها، فوجدته لم يكتمل، فبكيتُ..

* * *



17/9/1995 م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007