[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صراخ الأواني الفارغة 
التاريخ:  القراءات:(50) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
* * *

في البدء: أيها الشك، أيها الحيوان المتطور دوماً، لو تخرج لي وضعت حذاءً في فمك

كل شيء يتبعك، فهو يشبهك .

* * *

ابتدأ الليل وجه زنجي واحد، وابتدأت أنا فيه إناءً واحداً مملوءاً سواداً، مشاعري ثمرة موز صفراء آل نضجها الشديد إلى سوادها، يداي و قدماي ورأسي و بطني وظهري يطبعون الرعدة على سطوح الأشياء، رأيت رعدة قدميَّ في الندى الهابط لتوه على الإسفلت، فاسترجعت صورة رعد وبرق الجن في أعلى كتفي، ومشيت على الإسفلت، والإسفلت مائدة سوداء طويلة لي وللأواني الفارغة نكسوه بأقدامنا، كل الأواني تعرف أنني احتضنت آنية جيراننا وأنا صغير، وأن عمتي حين شاهدتني غضبت مني غضبًا شديدًا، فصفعتني عشاءً أعلى كتفي، والجن حاضرون في المطبخ يأكلون من الأواني التي لم تفتح لنا، فتعلمتُ من صغري أن الجن يسبقوننا في كل شيء، حتى في طعامنا، ثم نمت باكياً، استيقظت والنمش قد انبتته الجن مكان صفعة عمتي الخاطئة الهدف!

قالت أمي صبحاً، وهي تحمّمني من إناء الماء الساخن، ويدها تدعك أعلى كتفي: صفعة الجن لن تغادر جلد ظهرك حتى تموت!

الليل يتكاثر ويصير وجوهًا عديدة لزنوج متعاضدين يسبحون في فلكه، ووجهي نقطة رعب سائرة في فضاء أسود، أنظرُ إلى الأواني من حولي فأجدها سوداء باكية!

في أزمنة منتهية كانت الأواني تطوف بين المنازل في الأضاحي والأماسي، وحين توضع في المغاسل تبدو كبطّات تعوم في ماء أزرق، وحين تُصفّ على الأرفف تبدو كحمائمَ بيضاءٍ تهدل طويلاً، وحين تجلس فوق الموائد تبدو نظيفة لامعة براقة متباعدة عن بعضها البعض، ولكن حين أخذت الفساتين تعض أجسادها تحررتْ من قبضة الأمهات، ومن حبها الشديد لها، وخرجت فارغة صارخة معي في الليل الأسود.

الريح السوداء خرجت من آنيتها، وأنشأت تعصف بنا، وتدحرجنا وتماسسنا وتلامسنا على مائدة الإسفلت، تثلمتْ بعض الأواني، جعلتُ أشك في أن الأواني لن تواصل الصراخ معي، أخذتُ أعدُّ الأواني فلاحظتُ أنها نقصتْ، وأن كثيراً منها تخلفتْ على جانبي الإسفلت، وأن الأقدام لم تعد تكسو الإسفلت كله، وأن الريح السوداء تمر بيننا بسهولة، كنا مصممين بعناد أسود على أن نصل جميعاً، أيقنت أن الأواني الباقية لم تكن فارغة كما تصورت في البداية، إنما هي ممتلئة سواداً مثلي، وأن مشاعرها ثمرات موز صفراء آل نضجها الشديد إلى سوادها.

حينما لم تنجح في مهمتها، عادت الريح السوداء إلى آنيتها، وأحكمت غلق غطائها عليها خائفة من غضبنا وانتقامنا.

في لحظة شبق جماعي تولت الآنية الباقية نزع ثيابي، وأخذت بحجر الطريق تحك جلد أعلى كتفي حتى أتت على محو النمش كله، وأنا مستسلم خاضع لإرادة الصراخ والمحو والوصول، ثم توالت على تقبيل أعلى كتفي، وتنافست في احتضاني، لقد صرن مثل آنية جيراننا! ثم قمن يحممنني كأمي بماء ساخن من الإناء الذي تحممت منه في صغري، حتى تطهرت من صفعة الجن الجائعين، ألبستني الآنية ثيابي وواصلنا المشي والصراخ، أقامت الجن خندقاً مائياً وسط الإسفلت، رأيت صورة عمتي غارقة فيه، عبرناه عوماً وهو يكبر تدريجياً أمام أعيننا، صعدنا الإسفلت ثانية، وعادت أقدامنا تكسو بعضا منه.

وصلنا مخدعه صبحاً، شعرنا أننا فارغون، وأن مشاعرنا أضحت ثمرات موز خضراء في بداية نضجها، بحثنا عنه فلم نجده، قالت واحدة من الآنية: لعله هرب في حراسة من الجن، وافقناها القول، وصرخنا بصوت واحد: نحن الأواني نمشي ونقف، نفرغ ونمتلئ، حسب إرادتنا لا إرادتكم.

* * *



العيون 8/12/1995م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007