[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الهفوف في العاشرة والنصف ليلا  
التاريخ:  القراءات:(66) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
* * *

الهفوف كائن إسمنتي يتمدد كل يوم، كائن أخطبوطي يعوّض أذرعه المفقودة، وسوق القيصرية بلون جدرانه الحليبي الفاتح قلب لهذا الكائن التاريخي، قلب لا يشيخ ولا يتوقف، يضخ للأحساء المدينة العطور القديمة، والكوفيات، والطاقيات المزركشة، والبهارات الشرقية، والحبوب.

منطقة السوق التي تبدأ من شارع البلدية المتقاطع مع شارع الحدادين، ويشقها الطريق الطويل الممتد من شارع الجامعة إلى الشارع الملكي، والذي ينصف الهفوف القديمة إلى نصفين جنوبي وغربي، ويجعل تلك المنطقة تبدو من أعلى في ليل رمضان بساطا عريضا من نور أصفر، تحلق فوقه طيور الليل المهاجرة، والحشرات الزراعية المسافرة من ليل القرى الشرقية..

الأحسائيات في ليالي رمضان يحولن هذا المكان إلى كعبة لهن، يحججن إليها، ويقتنين من حولها منافعهن للعيد، ويشاركهن الحج البدويات الساكنات في أطراف الواحة، وكثيرات من المصريات المقيمات فيها، وقليل من العاملات الآسيويات العاملات في مستشفيات الحكومة، ومستشفى شركة أرامكو، والأحسائيات ليس لهن صفة يشتركن فيها إلا صفة القصر في قاماتهن، وجر الكلمات في أصواتهن، ذلك الجر الجميل لنبرة الصوت في قرى معينة، والمعيب في قرى أخرى، وهن إما نحيفات ذاويات، أو سمينات مكتنزات!

وكان بعض كهول البدو المستوطنين في الواحة منذ أمد بعيد، ينصحون أبناءهم بالآتي: "تزوج الحساوية، فهي ألين من بنت عمك"

البرد يلحس الأبدان، وبخاصة بنانات الأصابع والآذان، والسماء توزع خطابها الضوئي الأول برقاً يتكسر على رؤوس البنايات، وتتبعه بخطاب صوتي آخر، رعدا يهز النفوس، ممهدًا للخطاب المائي الأخير، مطرا لم يره مواليد الواحة هجر في هذا العام.

أجساد الأحسائيات المخبأة في العباءات السوداء تعبر هذا الشارع الطويل من رصيفه الجنوبي إلى رصيفه الغربي وبالعكس، في حركة مستمرة لا تتوقف إلا عند بدايات الفجر، ولا يعطلها إلا تلك السيارات المجدورة التي تتجشأ من مؤخراتها، والسيارات الفارهة التي نادرا ما تستقر في الواحة، فهي دائما في حالة سفر إلى الدمام والخبر والرياض.

لبستُ ثوباً بني اللون، وغترة بيضاء، أناختْ فوقها قافلة من روائح عطور باريسية، وأحكمتُ وضع العقال على الرأس المليء بالأفكار الجديدة، كنت مترددا في اختيار نوع العطر الذي أرشه على ملابسي، فوقعت في هذه الخلطة العطرية المتباينة، التي قال عنها بائعها: "إنها عطور جنسية جذابة "

توجهت إلى المكان المحدد قبل الموعد المحدد، كان الموعد الساعة العاشرة والنصف ليلا عند محل لبيع القرطاسية والأدوات المكتبية قائم عند الرصيف الغربي للشارع الطويل.

وصلت بمناعتي الضعيفة تجاه الدعوات، وبكآبتي الكبيرة التي أحاول محوها ولا تنمحي قبل العاشرة والنصف، ووقفت أنتظر.

تواتروا في الوصول مثلي قبل الموعد بزمن كاف، الأول صائغ يملك محلاً بمدينة المبرز لبيع الذهب والمجوهرات، فحولة جسده بينة وظاهرة للعيان، عظيم في فخذيه، وطويل في كتفيه، يلبس نظارة ذهبية الحامل، جاء يحمل إسورة ذهبية أو خاتما، لست متأكدا من ذلك، ولكنها تبدو هدية موضوعة في مطبق أنيق.

الثاني صحافي يعمل بعد الظهر بجريدة محلية، وسيم الوجه، جسده مدور، قصير القامة، بعينيه زرقة أوروبية ربما كانت نتاج طفرة جينية، وتكاد تهطل من يده حقيبة جلدية نسائية فاخرة.

الثالث ضابط بجمرك المطار، كل شيء به عادي إلا نظرات عينيه الحادة القوية، وشاربه المهمل، وإسرافه في التدخين، وقد أطلت تذكرة السفر بطولها من جيبه العلوي.

الرابع موظف كبير بإدارة شركة نفط، تعرض لحادث سير، فسقط الصف الأمامي لأسنانه، شهواني الوجه، والكيس المتدلي من يده، وهو يترجل من سيارته يقول بانه يحمل عطرا نسائيا باهظ الثمن تغنى به فنان كبير. .

كنت أعرفهم جميعهم، ولا أحد منهم يعرفني، أو يعرف الآخرين، فالصائغ باعها كمية كبيرة من الذهب، ولم يقبض منها الثمن، والصحافي نشر خبرا في جريدته عن انتقالها للمسكن الجديد، أما الضابط فقد دس رقم هاتفه الشخصي في حقيبة سفرها عند تفتيشها في المطار عندما كانت عائدة من إحدى سفراتها، والموظف الكبير حاول عند إشارة مرور ضوئية أن يفتح باب سيارتها، ويركب بجانبها في المقعد الخلفي عنوة، في غفلة من سائقها الأجنبي الخاص.

كان كل واحد منهم ينظر قلقا إلى ساعة يده، وإلى الآخرين الذين يزاحمونه في المكان، لم يجرؤ أحد منهم على سؤال الآخر عن الوقت، أو الحديث معه، كان كل واحد منهم يشيح بوجهه عن الآخر، وينظر إلى الأحسائيات العابرات للشارع الطويل جيئة وذهاباً نظرات تفحص واكتشاف، وكانت الأحسائية الهجين، الجاري في عروقها دم تركي، تقف منتقبة في كامل أناقتها على الرصيف الجنوبي في الناحية الأخرى من الشارع الطويل، وترصد بعينيها الجميلتين المبتسمتين توتراتنا، وقلقنا، وارتباكاتنا، ترصد بزهو وثقة عريضة في النفس، وحين اكتشفتُها انصرفت من المكان في العاشرة والنصف ليلا .



* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007