[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سميرة 
التاريخ:  القراءات:(192) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عيسى نهاري  
* * *

طفقا يخصفان ما يواري هروبهما، فاستقرت بقرية نائية عن الأخريات، يلمح القادم هدوءها وسمت أهلها بيد أن بين أزقتها تتشعب أدغال الحكي والغيبة، وتحوم روائح النميمة وبواعث الحقد وكأن بني آدم لم يفطروا على المودة والسلام وبينما وهي قادمة كسحابة مثقلة بالغيث.. والكلام.. تسمرت عيناها أمام البحيرة المحاذية للقرية التي ارتمت بجانبها خرق متباينة الألوان، وفِي وسطها شكّلت الفتيات دائرة كبيرة، وكزائرة جديدة تود التكيّف سريعا اندلقت بخفة مستفتحة الرقص بجسد تقاسمته الطبيعة الهائلة، الماء من الأسفل يبارك عفتها، والريح ترج جسدها البض، والشمس عموديةً تضفي الذهبية على ملامحها الدقيقة، تتمايل كنخلة استسلمت لعتي العواصف، وعلى إيقاع الطبول التي تؤجج نيران النشوة تبدأ الدائرة بالتلاشي وكل ما يمكن رؤيته كومة عصي متأرجحة تتهادى على وقع أهازيج متوارثة منذ القدم، وما إن يتراءى لها الشفق؛ ارتدت جلبابها الأنيق ساريةً على أرض رطبة معشبة، على جنباتها التفت نباتات الكادي والفل تقطفها برفق وأناة خشية العودة بكفين مجرحين واضعة ما استخلصته بين صدرها المكتنز، ومكملة الطريق إلى بيتها الجديد لتنغمس بغموضها المحتم.

لم يرها الآخرون إلا فتاة شبقة لاهثة، فمنذ قدومها وجد أهل القرية سميرة مادةً للتنقيب عن كائن جديد حل عليهم دونما استئذان، أذكر أن جارتنا العجوز "فاطمة" أصرت على أنها ابنة لأحد رجال القرية المنفيين ومضت تستطرد بأن أباها فارس شهم قاتل لأجل هذه الأرض بضراوة ولكن سرعان ما نفي بسبب فعلة كان نتاجها هذه الفتاة.. وهنا عارضها نساء القرية اللواتي قلن أنها مجرد فاسقة تريد الإيقاع بأبنائهن!

ظلت الحكايا تنهش جسدها وتتواتر القصص حول الليالي الحمراء التي يحفل بها منزلها، إذ قيل أنها تستضيف رجالا من خارج القرية ليسمروا ويرقصوا إلى أن يجن الليل ويهدأ صخب الحياة فينسلون متوارين عن الأنظار! ووسط هذه الحكايات يجدر الاعتراف بأن أحاديث النسوة تصنع الفارق لا سيما مهامساتهن لأزواجهن المحملة بأحكام قطعية وحاسمة.

...

وإن تخاذلت أقدام البشر.. وعقولهم؛ فإن أقدام الزمن تعدو، فمعظم كبار القرية استوطنوا اللحود، مورثين أبناءهم خرافاتهم وشكوكهم المعهودة، ما اختلفَ أن الوقار استحال إلى مظاهر طيش وعته أثقلت كاهل البسطاء المسالمين في القرية.

وحدها تلة رغم ما أحدثه الزمن من تجاعيد وحدبات إلا أنها ظلت مخضرة تناغي من يقف بجوارها، وتعبق بروائح البعيثران المنعشة، بقيت التلة شاهدة على بقائهم.

...

يتربصون بها وهي في عزلة عن الحديث متمنية أن ينطبق الكون عليها آخذا الله روحها؛ بيد أن في الصباح طرأ ساكن جديد على القرية فقام كبارها بالترحيب به كعادتهم وحتى لا تعيب القرى المجاورة عليهم. انقضت الولائم وانتهى الترحيب بانقضاء النهار ولكنَّ قلبا بات يرتعد وكأنه سينسل عن مكانه.

وعلى حين غرة عند الشجرة الوارفة الظلال، والقمر بضيائه الخافت يمسك زمام الموقف، فاجأها ببيتها وهي تضفر شعرها المترامي على قوام جسدها الممشوق فتجمدت ذهولا فهي لم تعتده شجاعا لهذا الحد.

-إلى متى نظل متفرقين، لعلهم قد تناسونا!

-ولكن ماذا لو انتشر خبر اختبائنا بهذه القرية؟

وككماشةِ صيدٍ فتح صدره فاستسلمت له في عناق طويل امتزج بنسائمها الملتهبة، وبشوقه المتوقد، وسارا على حشائش فنائها مزهوين وقد أضنتهما عقول أثقلتها تفاصيل الماضي البعيد.. تصليهما لوعات البعد وهما يحدقان بالنجمات اللامعات التي تتجاور بسكينة، عندها استلقيا وتخيلا جسديهما يستحيلان نجمتين.

في خضم عجاج الحكي والنمائم ومهامسات الليالي تململ الطائشون تلك الليلة وتناهت أصوات الكلاب والذئاب إلى أقاصي القرية ولاح بالسماء عاصف مقبل وبعد أن فرغ الحبيب لوعته، منصتا إلى طقطقات البيوت المجاورة ولى مسرعا إلى عشته المؤقتة جالسا القرفصاء يرتعش مذعورا من مآل الحرقة التي أطفأها.

-سميرة تقبله فجرا؟!

-ظل رجل يواري منزلها؟!

وبينما تغزوهم ملامح الهياج ويتسرب إليهم الغضب تحركوا غير عابئين بشيء إلا باسترداد حرمة قريتهم كسكارى يترنحون أمام باب بيتها، وفي مقابل استرداد حرمةٍ انتهكوا أعظم الحرمات.. كل ما أذكره أنني رأيت جثة مسحوقة أمام التلة الخضراء التي لمحت أمامها رجلا يفر كهرة مبتلة.

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007