[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أم السعد 
التاريخ:  القراءات:(21) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إشراق النهدي  
* * *

شقّتها ضيّقة بغرفة واحدة؛ لكنّها تكفي لملء غربتها ولملمة وحدتها، دون أن تفيض فاضحة عن جدرانها الأربعة. أمّ السّعد، كانت تبتسم كثيرا، فاعتقدوها سعيدة، وأُطلق عليها هذا الاسم. إذ أنّها تقطن في مدينة نائية، كانت مكتفية بدكّان صغير ومنتزه أصغر، بيد أنّها تطوّرت كثيرا خلال الفترة الأخيرة؛ إذ شُقّ طريق عام، فبدأت تعبرها حافلات وسيّارات ضخمة، وأصبحت مأهولة بالغرباء. فغدا الخوف يقتاتها كلّما خرجتْ من بيتها. تلفّ حجابا على رأسها، لا تبتغي به تغطية شعرها الأحمر الذي صبغته بالحناء لتخفي الشيب، بل لغرض آخر. وتضع نظارة سوداء كبيرة على عينيها، ليس لتقيهما من الشّمس بل لتقي نفسها شماتة الحاقدين، وعطف العابرين وشفقتهم.

كلّ يوم تمشي في السّابعة صباحا حيث الشّمس ناعمة، تتذكّر زوجها مايك؛ كان أيضا لطيفا كهذه النّسمة التي تمرّ جانب خدّها وتداعبها، لكنّه توفّي في حادث سير بعد زواج دام ست سنوات، كان عقيما لم ينجب، لكنّها أحبّته، واكتفت به. لهذا ذهبت معه إلى بريطانيا، لكنّها رجعت إلى بلدها بعد أن توفّي مباشرة.

وصلت المحطّة، وركبتْ الباص. لا تدري هل ستنال مبتغاها اليوم أم لا؟! فهي تبحث عن عملٍ ثابت الدّخل، بدلا من الحياكة المتذبذبة للثّياب في البيت، الذي لا يؤمّن لها قوت يومها. تتطلّع من نافذة الباص، فترتدّ الذّاكرة إلى ذاك اليوم المرير والحظّ الكسير، إذ كانت في الخامسة عشر من العمر. واصطحبها أهلها لحضور كرنفالٍ في المدينة. وفي الطّريق كانت يدها تعانق يد ابن عمّها. حيث كانا يزرعان، يحرثان، ويسقيان الحقل بالماء معا. ولكنّ شجرة عواطفهما نمت، وطالت أطول من باقي أشجار الحقل.

قرّرا أن يتّخذا ركنا جانبيّا، فتنصّلا من أهليهما، ليجرّبا القبلة الأولى لهما على غرار المسلسلات التّركيّة التي يشاهدانها، انفردا في عزلة معتّمة. وعندما شرعا لتنفيذ رغبتهما، ارتبكت هي, وتجمّد ابن عمّها. أحسّا بالخجل. وبينما كانا عائدين أدراجهما دون أن يقترفا شيئا مما خطّطا له، باغتتهما مجموعة تبدو مألوفة، دفعها أخوها بعد أن صفعها، بينما حاول ابن عمّها الهرب، فجرى مبتعدا، لكنّه وقع على الأرض جثّة هامدة بعد أن صدمته شاحنة مارّة لم يلمحها.

تتذكّر والدها الغاضب الذي ضربها بكلّ شيء تقع يده عليها، سحب قرط أذنها التي انشطرتْ لنصفين. هذاالألم يبدو نازفا لحدّالآن، تحسّستْ أذنها, وامتلأت عيناها تحت النّظّارة.

وهي تسترجع بقهر ذكرى هروبها ليلا من أهلها! كانت تلتمس دربا يحرّرها من العقاب، فركبت خلسة شاحنة مليئة بمعدّات ثقيلة، وما أن ترنّحت الشّاحنة في الطريق الوعر حتّى وقع سياج حديديّ عليها، وشجّ جزءا من جسدها. تتحسّس مسار الجرح الطّويل والممتدّ من الرقبة إلى أعلى الصّدر. مذ ذاك اليوم ظلّت حانقة على أسرتها. إذ أنّها كانت مراهقة، ساذجة وقرويّة، لم ترتد مدرسة تهذّبها أو تعلّمها. لولا ذاك لعاشت حياة طبيعيّة كغيرها من البشر. لكن الحزن انفرد معها واكتفى بها دون الجميع.

بعد حادثة الشّاحنة تلك، وجدت نفسها بذاكرة مفقودة. قيل لها لاحقا إنّها أُصيبت بنزيف في الدّماغ. خضعت على إثره لعلاج طويل المدى، واسترجعت ذكرياتها ببطء ثقيل. ولما خرجت من المستشفى، لم تجد مأوى لها. فآواها الطّبيب المشرف على علاجها. فعملت في بيته بتفانٍ بالغ؛ حيث اعتنت بالتّنظيف والطّبخ والغسيل مقابل أجر مادّي. وسرعان ما أحبّها الطّبيب، وحاول التّودّد إليها، لكنّه بدا مثلها قلقا، فاقدا للثّقة. التقت قصّتهما الفارقة في نقطة مشتركة، إذ تجمعهما تشوّهات جسديّة وندب غائرة في الرّوح. هو تعرّض لاضطهاد من والده السّكّير؛ الذي كان يضرب والدته. فأحرقه ذات يوم إثر مشادّة عنيفة بينهما، وساعتها كان في السّادسة عشر من عمره.

ترى انعكاسها على زجاج نافذة الباص، وفي ذات الوقت تلمح المارّة في الخارج. تفكّر، يا ترى كم منهم مثلها يملك ندبا مسخة!؟ وفجأة توقّف الباص. دخلت سيّدة تعرفها جيّدا، حاولت أن تتوارى عنها، لكنّها هرعت إليها بالذّات، وجلست بجوارها.

سلّمت عليها بابتسامة، قائلة: "عرفتيني؟ أنا فدوى. كنتُ ممرّضة في المستشفى، متى رجعتِ من بريطانيا؟ وين رايحة؟ سمعت أن الدكتور مات؟ أيش صار له؟" أسئلة متتابعة تفوّهت بها.

أكملتْ مستهزئة: " أكيد مات من الخوف، ما دام تزوجش"

لم ترد عليها، وقفتْ، وأشّرت للسّائق بأن يتوقّف. دفعت له مبلغا، وترجّلت من الباص. بدأت تلوّح لباصٍ آخر. ومرة أخرى أنقذتها النّظّارة السّوداء حين سال منها الدّمع.

* * *


إشراق النهدي- سلطنة عمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007