[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
غُصّة 
التاريخ:  القراءات:(7) قراءات  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إشراق النهدي  
* * *

أنظر إليك, وأنت تحمل قلما. تكتبُ بخطٍّ أنيقٍ كعادتك. توقّع على كلّ المستندات التي أجلبها لك دون أن تقرأها. تبتسم ليّ وأنت تناولني إيّاها بعد أن تفرغ منها. أذهب دون أن ألتفت، فلستُ أجرؤ على مواجهتك. أصفّف الأوراق في ملفّاتها المخصّصة. أعيد ترتيب الأقلام في كؤوس على شكل نصف كرة، أكرّر ترتيب كل شيء مرتّب. أضطرب، فأدّعي الخيرة, وأتصنّع أنّ كل شيء عاديّ ومألوف.

أجلس بمحاذاتك في مكتبنا داخل المؤسّسة التي ننتمي إليها. حيث أُسند إلينا مكتبا صغيرا منعزلا في الطّابق الثّاني؛ نتشاركه معا منذ خمس سنوات. أحتلّ المكتب ذي الطّاولة الصّغرى المطلّة على الشّبّاك الكبير الذي يكشف في بروازه نصف المدينة: بيوتها وعماراتها وشوارعها. بينما أنت تشغل الطّاولة الكبرى التي لا تطلّ إلّا على الجدار الأبيض؛ والذي يتناغم مع بياض روحك. تأسرني, وأنت مندمجٌ مع روتينك اليوميّ. بكلّ تفانٍ وإتقان تنجز أحيانا جزءا من عملي أيضا. تدفعني أشواق ٌعارمة لأضمّك إلى قلبي، ولأقبّلك على جبينك، وأحيانا أكثر أن أقرص خدّك.

أفتح قلبي ببسالة. أتوق إلى الكلام، لكن فمي جبان، خنوع لا ينصاع للقسوة عليك. لذا سرعان ما أقفل على نفسي باب التّفوّه؛ لئلّا أؤذي عواطفك، وأركن إلى كبت ذاتيّ وقمع نفسيّ. ألمح من الشّبّاك مشهدا مألوفا يربكني. أجفل, وأنكّس رأسي، أحاول التّركيز في الكمبيوتر أمامي؛ لكن المشهد العجول يسلبني، ويصدمني مثل كلّ مرّة.

أتطلّع إليك بحنوّ غامر. أبغي الصّراخ. أهيّء حنجرتي لأفرد الصّدى المكبوت في أرجاء الكلام، ثمّ أعدل عن رأيي، عندما أرى طيف الرّضى في عينيك، قناعتك المتسامحة، سعادتك الصّغيرة, وإخلاصك الكبير. كلّ بالك مسلّطٌ على الكمبيوتر فحسب، تتوزّع على طاولتك أُطر لصور أعرف أصحابها جيّدا. لم أقابلهم مرّة في حياتي، ولكنّك حدّثتني عنهم مرارا وتكرارا. في الحقيقة إنّ كلّ أحاديثك هم محورها، تتحدّث بسرور وفخر عن ابنك وابنتك. ثمّة امرأة ناعمة سمراء في الصّورة هي زوجتك، بخصلات شعرها السّوداء المموّجة كالغجر في إطار على شكل قلب منمّق. بينما شعرك مجعّد وملفوف، وبشرتك داكنة. ليس بينكم أيّ ملامح متقاربة. الأبناء لا يشبهونك ولا يشبهونها، كل شخص متفرّد في شكله.

أسترجعك في أوّل لقاء لنا، كنتَ في السّادسة من العمر، كثمرة غضّة غير يانعة، ألقتْ بها الحياة في ميتم للأطفال، بعد أن سحقتها في غمار التّشرّد. لم أتبنّك ساعتها رغم خفقان قلبي لك؛ خفت أن أتبنّى صبيّا، فيثور على الوجود، ويرحل كما حدث لأطفالي البنين كلّهم. لذا تبنّيت فتاة لعلّها تحيا معي، لكنّها سرعان ما لحقتهم، وتوفّيت مختنقة في إحدى الليالي. قارئ الكفّ في بلاد الخرافات الذي سافرتُ إليه بغية العلاج؛ قد نبّأني أنْ لا خلف سيعيش لي أو معي. لذا فقد انطفأت رغبتي في الأمومة.

يتسلّل صوتك إلى مسمعي، يوقظني من مخاوفي. نكتة ظريفة تطلقها وتضحك، ولكنّي لا أشاطرك الضّحك! تستغرب منّي! إذ كنتُ أكثر من يرسم الضّحكات على محيّاي بسبب ودون سبب. فجأة أصبحتُ منذ شهر لا أضحك البتّة. تسألني بقلق: "ماذا بكِ؟"

أردّ عليك: "لا شيء، ربما أعراض سنّ اليأس".

تحرّر إطراءً مهذّبا، قائلا: "ما زلتِ صغيرة، وفاتنة بأربعينيّتك"

أبادلك ابتسامة مرتبكة، متصنّعة. ثمّ أتغاضى عنك وعن ملاحظاتك، أتعاطف معك, وفي الوقت ذاته أشعر بالخذلان، وأنّي أخونك, وأغلق عليك في ظلمة بمعزل عن النّور. تتقدّم نحوي، أسدل ستائر النّافذة الكبيرة برعشة وذعر. أتعذّر بالشّمس وأشعتّها التي تزيد حمرة بشرتي المتحسّسة.

تعرض عليّ ورقة لأوقّعها. أكتب اسمي منكسرة بجرّة راء طويلة جدّا، منحرفة عن مسار توقيعي المعتاد. تنصرف متضايقا إلى كرسيّك. تحاول فتح حديث مّا، فأغلقه بانشغال مفرط على الملفّات أمامي، وأنا أتمتم: "أنا أركّز، مشغولة جدّا، نتحدّث لاحقا".

تتعجّب منّي, وتسكت، ثمّ تسألني: "هل أنت غاضبة منّي أوحزينة؟... ماذا أصابك مؤخّرا؟!".

أكذب عليكَ، قائلة: "أنا بخير".

تردّ بقلق: "اذهبي إلى البيت، يمكنني إنجاز باقي عملك".

أهزّ رأسي نافية، وأبتسم بمرح لأهدّئك. تصدّقني, وتشرع في إتمام مهامّك. أتفادى النّظر ناحيتك في ما تبقّى من وقت الدّوام. أصمت لأغرق في ذكرى ثانية لي معك، صدمتي بك عندما دنوتَ منّي في أوّل يوم دوام لك، تسأل عن مقرّ مكتبك، تعرّفتُ عليك من شعرك وعينيك وشامة خدّك، بيد أنّ اسمك أكّد هويّتك قطعا. طلبتُ أن تُنقل إلى مكتب آخر. لم يُقبل مطلبي. فبقيتَ معي في حيّز قريب. خفتُ أن تختنق أقدارك. رغم سعادتي الماتعة بك لكنّها مسوّرة بالرّهبة، ورغم اطمئناني معك، بتُّ أخاف عليك.

حان وقت قبيل الانصراف، متزامنا مع الخوف، ومختلطا بالرجاء، كنتُ أدعو أن لا تكون هي. أسترق النّظر بغصّة من الشّبّاك. ألمح المشهد اليوميّ المتكرّر في الوقت نفسه.

المرأة التي تترجّل من السّيّارة البيضاء هي نفسها زوجته في الصّورة. بينما الذي يفتح لها باب السّيّارة رجل يبدو فاتح اللون، بنّيّ الشّعر، يشبه الطفلين في الصّورة، هي تنزل بعجل، وهو يختلس منها قبلة سريعة، ثمّ يبتعد ملوّحا في سيّارته. فتتجمّد الصّدمة على وجهي، وأبتلع غصّة شائكة تخنق الفؤاد، ثمّ أفتح باب المكتب لننصرف بهدوء تامّ.

* * *


إشراق النهدي- سلطنة عمان

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007