[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نيران صديقة! 
التاريخ:  القراءات:(235) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : د. نوال السويلم  
* * *

نوال بنت ناصر السويلم

* * *

جمعهما المكان والزمان منذ سنوات الدراسة الجامعية ، وقلّما يوجد أحدهما في مكانٍ دون الآخر، فهما معا جسدٌ واحد، أو كما يحلو لهما أن يقولا :" أنا وأنت واحد"، وكان كل شيء في منطقهما يقبل القسمة على اثنين! بدءا من أجرة السكن والإعاشة وفواتير الكهرباء والهاتف والمواصلات حتى ثمن فنجاني قهوة اسبريسو أو علبة سجائر .

لقد تقاسما الغربة أربع سنوات أدهشت زملاءهما من توافق أذواقهما في المأكل والمشرب، فنبيل يتناول جبنة مملّحة وهو لايشتهيها؛ مسايرة لصديقه شريف الذي يتناول معه أرزا أبيض لايشتهيه أيضا . يسوغان تراضيهما الغريب بمشي حالك حالك يمشي ، وأن مشوار أربع سنوات دراسية في الغربة مع ضيق ذات اليد تجبرهما على الرضا والقناعة ببعضهما. فعاشا سنواتهما الأربع بلا شجار ، فمشي حالك حسمت كثيرا من بوادر الخلاف وأغلقت نذر الفرقة وتنافر الأذواق ، فنمت بينهما ألفةٌ لطباعهما المتنافرة وتكيفٌ مع مزاجهما المتناقض.

وحين انصرم عامهما الأخير ، تقاسما تركتهما لإخلاء المكان من وجودهما ، حتى الأشياء العينية التي تبرعا بها أضمرا نية ثوابها لهما معا . وتبقى ألبوم الصور الذي يوثق تاريخهما معا لمناسباتٍ ومقاهٍ ومكتباتٍ وأسواقٍ زاراها معا ، وبرضا اعتادا عليه شطرا الألبوم نصفين، وأخذ كل منهما نصفه، وسلما المفتاح للعم علي ونقداه مبلغا من المال؛ فشكرهما وقال بدعابة :"حتى الوداع عندكو فيفتي فيفتي !!"

وفي سيارة أجرة ستقلّهما للمطار قال نبيل لشريف:

ـ هل بمقدورنا أن نفشي حياتنا في سنوات الغربة للأهل وللأصدقاء؟

ـ عن نفسي أستطيع أما أنت ... فلاأظن

ـ ولم ؟ نحن قصة واحدة تروى، لايمكن لأحد منا الحديث عن نفسه بمعزل عن الآخر ، لم تستطيع ؟

ـ أنت صانع الحدث دوما وأنا متفرج ، فحديثي محض رواية لاترهقني تفاصيلها السوداء وتبعاتها أما حديثك أنت بوضوح وبلا زعل : إدانة واعتراف ووصمة عار !

ـ ماذا تروي عني؟

ـ إنسان مراوغ وذكي، محترف في التمثيل تلفق حكايات تستدر بها رحمة الزملاء ليقرضوك ، وحكايات أكبر فيعفوك من القرض ، تحتال على النادل فتهرب من ثمن العشاء ، تبيع مشاعر كاذبة تغوي بها الفتيات ، تستغل صداقة الأثرياء لجلب مصلحة لك ، أنت مبدع موهوب في اختلاق المثير والمدهش والمضحك والمبكي والمفرح والمحزن أنت واحد من الصعاليك غفل عنهم التاريخ !

ـ لا ، أنا أبدع لمتفرج ذكي أحاول الوصول لرضاه وتلبيه ذوقه ، فتوجيهاته وملاحظاته تحسّن من مستوى أدائي وتجدّد من طرائق احتيالي وأساليب خداعي ، أفهم مايريد دون أن يصرح ، وأدرك حاجته دون أن يتحدث ، لاأصنع الحدث قبل أن أنظر إلى عينيه اللتين تقوداني إلى مايريده هو، لا ما أريده أنا ، أسرق لأسد جوعه، وأكذب لأستر عيوبه ، وأداهن وأنافق وأحتال، ليهنأ في الغربة أنا أداة نجحت في تطويعها لنزواتك ورغباتك، أنت واحدٌ من دهاة العرب غفل عنهم التاريخ!

ـ لاتسوغ قبحك وترمي قذارتك على ثوبي ، مذ عرفتك وأنت بوجهين وبلا مروءة ، يدفعك طبع دنيء جبلت عليه ، هل أتوغل أكثر في تاريخك لترى نفسك؟

ـ لا ، لا أحتاج ، أعرف نفسي جيدا ، وددت لو ترى نفسك في المرآة مادمت ذا وجه واحد وتتوغل أكثر في تاريخك !

ـ وأنا أيضا لا أحتاج أعرف نفسي جيدا .

كان هذ الحوار أقسى لغة تراشقا بها منذ جمعتهما سنوات الغربة، وسادت بينهما لحظة صمت جال كل منها في وادي أفكاره ، وقال شريف لنفسه:" عاشرته أربع سنوات كذب فيها واحتال وطعن لكنه لم يكذب علي قط ، لم يحتل علي قط ، لم يطعنّي قط ، أو ليست هذه هي الصداقة التي يحكون عنها "

وقال نبيل :" عاشرته أربع سنوات ، اغتاب فيها وفتن وظلم لكنه لم يغتبني قط، ولم يفتن علي قط، ولم يظلمني قط ، أو ليست هذه هي الصداقة التي يحكون عنها"

وقال سائق الأجرة لهما:" الحساب مع من" ؟

وبلا تلكؤ أخرج كل منهما حصته من ثمن المشوار وقسما الباقي بينهما ، وحملا أمتعتهما عدا ألبوم الصور فقد تعمدا نسيانه في السيارة للتخلص منه إذ لم يشعرا بقيمة الذكريات بعد هذه المكاشفة الجارحة ، وافترق السياميان كما يتندر عليهما الأصحاب، وكل منهما يقول لنفسه :" هل أقول له شكرا على لحظات الصدق معي؟ " بيد أنها أبت الخروج !

وقال سائق الأجرة وهو يقلب ألبوم الصور مندهشا من ثنائية التفاصيل التي تحيط بهما :" هل هما صديقان ؟"

* * *
*

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007