[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حكايات من قريتنا 
التاريخ:  القراءات:(13) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : يونس الطيب  
* * *

ألقاه كل صباح يزاول رياضة المشي مع بعض التمرينات الرياضية الخفيفة في الشارع الطويل المحاذي لبيتنا .عله يقيم قريبا في ناحيتنا. طويل القامة كعهدي به ، واسع العظام ، غير أن ظهره قد انحنى إلى الأمام بعض الشيء . الشيب قد غزا بقوة شعره المجعد ، ونظارات طبية سميكة استقرت هناك فوق عينيه .... أمر به فلا يعرفني ، و أذكره و أعرف أنه لا يذكرني ....ألقي عليه التحية احتراما فيجيبني بصوت جهوري طالما أنصت إليه ¬– خاشعا – وهو يبسط لنا نحن الصغار شتى أنواع المعارف و الدروس... لقد كان معلم قريتنا على عهد دراستي الابتدائية . اشتهر بتفانيه في العمل و الإقبال عليه في إخلاص ، غير أن قسوته و شدته – أو هكذا كان يخيل إلينا – كانتا مضرب الأمثال بيننا نحن معشر التلاميذ . لا أتذكر يده إلا وهي تحمل عصا أفعوانية الشكل لا يدري أحد مصدرها . يهش بها ويتوعد على قلة استعماله لها ...هل كان الواحد منا يجرؤ أن يتهامس مع جليسه في الطاولة الخشبية أو أن يتبادلا الوشوشات ؟ لا ....هل من شجاع جسور يستطيع أن يلتفت ناحية أخرى غير ناحية السبورة السوداء العتيقة أثناء الشرح و التفسير؟ طبعا لا ...هل كان بالإمكان إهمال الهندام وترك قص الأظافر أو التأخر عن ميعاد ترتيب الطابور الصباحي ؟ بالتأكيد لا... غير أني أدركت أن تلك القسوة الظاهرة كانت تخفي وراءها رفقا و لطفا ، وأن الصرامة والغلظة هما فقط ستار انزوى خلفه حلم ورأفة وشفقة ... كيف ؟ أحكي لكم حكاية حدثت لي معه ...

كان ذلك في يوم من أيام شهر دجنبر – بداية فصل الشتاء – حيث النهار الدافئ الرطب سرعان ما يرتحل فاسحا المجال لليل دامس قارس يغشى القرية الصغيرة الساكنة ويلفها بردائه الأسود البارد ...أذكر أن أمي كانت قد أرسلتني إلى بيت جدتي في الناحية الأخرى من قريتنا بمحاذاة الحقول لأحمل لها – على سبيل التهادي - طبقا من فطائر القمح المشربة عسلا ، وكانت تلك هي العادة المقدسة لديها كلما أعدت صنفا من هذا القبيل ...نفحتني جدتي – شاكرة لأمي صنيعها – حفنة من التين المجفف وأمرتني أن أجد السير أثناء الرجوع لأن الشمس أوشكت على المغيب ...وهكذا رأيتني أسير في الطريق الترابي الملتوي بين البساتين و الحقول مغتبطا مسرورا أقضم ثمرات التين الحلوة ، أتسلى بركل الحصوات الصغيرة يمنة و يسرة ، و أرقب شمسا صفراء مالت حزينة نحو المغيب ...

وصلت إلى ساحة القرية فارتأيت أن أعرج قليلا جهة متاجر القرية الثلاثة المتجاورة هناك . لا ضير في جولة سريعة تتلذذ فيها العين و يتمتع فيها البصر بما تعرضه واجهاتها من سلع و بضاعة مثيرة و جذابة – و كنت في سني ذاك أجد لذة غريبة في تأمل الأشياء و تفحصها و إمعان النظر فيها – حتى إذا أخذت نفسي كفايتها و اطمأنت أساريرها أسرعت الخطو ميمما الوجه ناحية المقهى ، محدثا النفس أن هنيهات أقفها هناك على مقربة منها أتفحص خلالها الوجوه و أسترق فيها السمع خليقة بإسعاد الروح و تلطيف الخاطر ... كانت المقهى على أيامنا تلك لا يرتادها سوى الشبان والكهول من رجال القرية ، علامة فارقة في معتقدهم على كمال رجولتهم و استيفاء فتوتهم , ملتقاهم الأثير لسمر الليالي الطويلة ، وختام شاف ليوم من الكد و العمل في الحقول أجهد النفوس و أضنى الأبدان . أما بالنسبة للصبية الصغار فكانت مقاما محرما لا يقربونه و دنيا ممنوعة لا يطؤونها ، هي عالم فتان و ساحر يثيرهم غير أن الكبار أوصدوه بإحكام دونهم ...

اتخذت مكاني بركن خافت الإضاءة مواجه لباب المقهى ، بعيدا ما أمكن عن مواقع العيون و نظرات الناظرين . شخصت ببصري هنا وهناك ، و رحت أدقق النظر مستعرضا الوجوه و منقبا في الزوايا و الأركان . تعالت الضحكات والقهقهات ، و انسابت روائح الشاي بالياسمين زكية تدغدغ الأنوف ، و انعقد دخان السجائر غلالة رقيقة غشيت المكان ، فعبق الجو بنكهة الكبار ... وحدث أن أمسك أحد الحاضرين القريبين مجلسا من الباب آلة موسيقية وانطلق يعزف ببراعة ألحانا بديعة شجية دفعت الجميع إلى الكف عما هم فيه و الإنصات ثم الاقتراب فالالتفاف حول الرجل الذي زاد حماسه و طربت نفسه ... و مازال طوق السامعين يتسع اتساعا و النغم المذهل يسترسل استرسالا حتى وجدتني – وبلا مقاومة تشد أو إرادة تصد – أندفع و أجتاز باب المقهى مبهورا مشدوه الأنفاس ، أندس في جمهور الواقفين ، أنعم باللحن الجميل و النغمة الآسرة و أتيه في دنيا من المسرات ...حتى إذا أمسك العازف عن عزفه البديع ، و انهمرت عبارات الاستحسان والمديح عليه انهمار القطر على الزهر الندي ، عاد إلي رشدي المفقود و استيقظت من غفوتي اللذيذة ، فإذا بي داخل المكان المحظور والمقام المحرم ، قد مضى الوقت متسارعا و انعقد الليل ظلامه فلم أشعر به ... وهكذا وبنفس فزعة هيابة ، تسللت مغادرا المقهى مستغلا انفضاض حلقة الطرب و ما صاحب الأمر ضجيج و صخب . إنه لمن الحكمة أن أركض و أسابق الريح كي أعود إلى بيتنا بسرعة . لا شك أن القلق قد أخذ من أمي كل مأخذ بسبب تأخري غير المعتاد ، ثم إن هنالك واجبات مدرسية ثقيلة تنتظرني ... مرقت من الباب الخشبي كخيال . ثمة شخص واقف أمام المدخل كان يعتزم الدخول . حاولت المراوغة بغية تفاديه . لكن السرعة المجنونة ، ضيق المكان و وقع المفاجأة حال دون ذلك ... ارتطمت به بعنف لأسقط أرضا و أنا أسمع له صوتا كالزمجرة. ثم إن يده امتدت طويلة قوية أمسكت بخناقي لترغمني على الوقوف مستقيما – قبالته تماما – لأجد نفسي أطالع ملامح آخر شخص وددت رؤيته حينها ...وجدت نفسي وجها لوجه مع معلم قريتنا المكفهر الوجه الشديد الطبع نادر الابتسام . و يا له من مأزق عظيم جسيم ...و يا لها من أمنية تملكتني أن تنشق الأرض فتبتلعني في قعرها...تبخرت أحاسيس النشوة و الإثارة فلم يبق في النفس سوى الهلع و الخشية مما هو آت... تأملني بوجه جامد كالصخر ثم أنشأ يحدث متهكما : كمال سيد أحمد ، تلميذ بالمستوى الخامس ابتدائي نهارا و متسكع يجوب أركان القرية الأربعة ليلا. بدل أن يعكف على مراجعة دروسه و إنجاز واجباته كأقرانه ها هو ذا يعكف على السهر والسمر في المقهى ، فما أنجبه من تلميذ وما أعقله من غلام ...حاولت أن أتكلم ، أن أقول شيئا ، أن أشرح له ما حدث ، أن أفسر ، أن أعتذر ، لكن الشجاعة خانتني و الرعشة تملكتني فتاهت الكلمات مني و ضاعت المعاني ...واصل قائلا : آه ، أهانت عليك مجالسة كتيباتك و كراساتك فتركتها و أتيت تجالس السامرين و المطربين ؟ أم تراك أتعبت نفسك المسكينة طوال النهار فقدمت المقهى ابتغاء التسلية والترويح ؟ ... ثم زمجر كريح هوجاء عاتية : أين مواعظي التي ما برحت أرددها على أسماعكم كل وقت و حين ؟ أين الجد و العمل ؟ أين حب العلم و التعلم ؟ ... أراعني وابل الكلمات المنهمرة علي كطلقات مدفعية ، و هالتني جسامة العملاق المنتصب أمامي , فخفضت رأسي فزعا ، و رحت أقضم أظافري المرتجفة كعادتي كلما أحسست بالذعر ... وتابع الصوت الرهيب هادرا : أم تراك كفيفا ضللت طريقك إلى غرفتك فوجدت نفسك ها هنا ... سالت دموعي لحظتها حارة على وجنتي ، و سمع لأنفاسي صوت المتقطعة صوت كالنحيب ... هنا أمسك عن الكلام قليلا – ربما ليشحذ همته قليلا – و أنا لازلت أنتظر كمذنب المزيد من التقريع والتوبيخ . تخايلت إلي كفه الضخمة وهي تشد عصاه الفتاكة تلك كسوط الجلاد . تعاظمت في نفسي العقوبة التي لا بد و أني ملاقيها سواء اليوم أو في الغد داخل الفصل ... وطال الصمت عدا صوت النحيب ... و ساد السكون فحسبته ذاك الذي يسبق الزلازل والزوابع و العاصفة ... وعادت رائحة الشاي المخلوط بزهر الياسمين تنساب طيبة تأخذ بالنفوس فلم أهتز . وترامت إلى السمع من جديد الضحكات و القفشات فلم أبالي . تعطل الإحساس و مات الشعور ... ثم إن العملاق الغاضب وضع – ويا للعجب – كفه الهائلة فجأة على رأسي الصغير وجعل يمررها برفق و تؤدة ، ثم بصوت تلطف لحنه ولانت نبراته قال : لا أحب لأحد أبنائي أن يعوج فيضل سبيل الخير ويحيد عن طريق الاستقامة . رأيتك وأنت تتنقل بين المحال والمقهى منذ أول الأمر ، حسبتك قد جئت في طلب حاجة ، لكن تبين أن الأمر ليس كذلك وهذا بالتأكيد خطأ ... توقف ليأخذ نفسا عميقا ثم أكمل : في مثل عمرك هذا يجب أن يعود الصبية اللطاف إلى مساكنهم قبل مجيء الظلام ، هناك أمهات قلقات سيجزعن كثيرا بشأنهم ...هناك أيضا واجبات مدرسية – وهي مسؤوليات هامة – تناديهم فلا ينبغي لهم أن يهملوها ويتقاعسوا عن القيام بها خير قيام ...أضف إلى هذا أن الليل بسواده الحالك وبرودته القاسية هو جو غير مناسب لأجسادهم الغضة مما قد يعرضهم للعلل والمرض ، أليس كذلك ؟ ...هنا رفعت رأسي قليلا نحوه وقد آنست حنو كلماته ولطف حديثه ...وقبل أن أجيب واصل وبصره يرنو إلى البعيد حيث العتمة جاثمة هناك جاعلة من الأشياء لاشيئا : أنت عصفور بريء يا ولدي ، فهل سمعت عن عصفور يعود إلى عشه عند انتصاف الليل ؟ ... أنت زهرة تتفتح ، فكن كالزهور الفواحة تتفتح تحت إشراقة الشمس وضوء النهار ... ثم انحنى على الأرض ورفع بيده كيسا من القماش البني السميك – ولم أكن قد انتبهت إليه من قبل – وجعلت أصابعه تفتش داخله لحظات قبل أن يخرجها صاحبها وهي تمسك علبة من الحلوى الطحينية ليدفعها إلي قائلا : تأخذ هذه لأني أعرف أنك لم تشتري شيئا ، وتعود إلى البيت الآن فلا مجال للتأخر أكثر مما تأخرت . سأرافقك بعض الشيء فمسكنكم ليس بالقريب .هيا بنا ننطلق ... وهكذا سرنا معا تحت نجوم الليل نحث الخطى ونجد السير . سكون ليل مدلهم يلفنا وصمت كالقبور يغشانا . وكأن الكون قد أفرغ مما فيه فما عاد فيه سوانا ...قد تخلف ورائي قليلا فلا أسمع له سوى وقع أقدامه تطأ الأرض قوية وخشخشة كيسه القماشي تعبث به ريح خفيفة بدأت تهب ... وتراءت لي المنازل من بعيد تقترب بأضوائها المنبعثة من وراء نوافذها نصف المغلقة ، فتذكرت البيت ودفئه . تذكرت أمي و حنانها . لاشك أنها تعد الآن حساء العشاء كعادتها ، ولاشك أن أختي الصغيرة تحوم حولها كالفراشة تمص قطعة حلوى أو تقضم ثمرة فاكهة ... وحمل الهواء أصواتا مبهمة وروائح غامضة فطافت بالنفس أماني عذبة حلوة ... وتساءلت في حيرة : كيف السبيل إلى شكر الرجل ؟ ... واقتربنا أكثر فأكثر... حتى إذا أشرفنا على دورنا البسيطة المتراصة في غير نظام وتعالت واضحة أحاديث قاطنيها من وراء الجدران ، كنت قد صغت في سري بضع عبارات شكر وثناء وطنت النفس على إلقائها على مسامعه بكل أدب واحترام لحظة نفترق ... وغاص الموكب العجيب في الأزقة الترابية الضيقة أخيرا ... وطالعتني واجهة بيتنا في نهاية الزقاق كوجه عزيز ينتظرني ، فاستجديت عزيمة وإرادة قويتين ، ودعوت الله عز وجل خفية أن لا أتخاذل وأجبن عن شكر الرجل ... غير أني في لحظة ما – وكالمستيقظ من غفوة لذيذة – أحسست أني أمضي وحيدا ...لا خشخشة كيس بني أسمع ولا وقع خطوات . التفت خلفي بحذر لأستوثق فلم أجد لمرافقي أثرا فعلا ...أجلت البصر هنا وهناك وحتى بداية الزقاق فلم أرى على ضوء مصابيحه الباهتة سوى جدران البيوت المتهالكة والأبواب العتيقة تمتد على كل جانب ...عجبت وتحيرت ...ثم خمنت وقلبت الأمور في ذهني فأدركت الحقيقة بعد برهة ... لقد عاد الرجل أدراجه بعد أن اطمأن أني قد وصلت إلى حدود منزلنا سالما غانما ... اختفى فجأة كما ظهر فجأة ... استندت إلى حائط بيتنا أمسك علبة الحلوى بكلتا يدي وأتفكر مليا فيما حدث ... يمر شريط اللحظات القليلة الماضية أمام عيني فلا يعيها عقلي ولا فكري ... وأتساءل في عجب ... هل الرجل فعلا كله غلظة وجفاء وقسوة كما يشاع بيننا نحن تلاميذ ؟ ... هل كان تصرفه اليوم معي تصرف إنسان لا يعرف للشفقة و اللين سبيلا ؟ ... كيف أضحى العقاب المنتظر هدية تلقيتها وكيف صار الزجر والنهر صفحا جميلا و رفقة طيبة آنستها منه ؟ ... ترى أيسر الرجل ويبطن خلاف ما يظهر ويبين ؟ ... يقال أنه بالنار الحارقة نطهو الطعام الطيب وبالآلات الحادة نقلب التربة لتخرج نباتا معاشا يحيا منه الناس والحيوان ... فهل جفاء معلمنا وغلظته هما تلك النار الحارقة وتلكم الآلات الحادة ؟ ... هل هما وسيلته التي يسعى من خلالها أن يجعل من تلاميذه طلبة مواظبين متفوقين يخطون خطوات ثابتة في طريق النجاح و الفلاح ؟ ... أسئلة كثيرة اختلطت في رأسي بلا جواب ... تشابكت الأفكار والتأويلات والفرضيات ...على كل حال شكرت للرجل صنيعه الحسن عن ظهر الغيب ... وحمدت له معروفه وحسن معاملته ... تحسست علبة الحلوى الطحينية ودعوت له الله عز وجل مخلصا بوفرة الرزق ودوام العافية ... مددت يدا متثاقلة ... وطرقت الباب ...

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007