[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
دم أزرق 
التاريخ:  القراءات:(23) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن سيف الرحبي  
* * *

امتلأت الطرقات بين دوائر المبنى المهيب وأقسامه بالموظفين وطالبي الخدمة، تحاشى مدراء العموم الظهور مختلطين بغيرهم، في مكاتبهم يراقبون المشهد تنقل إيقاعات خطوه شاشات كاميرات المراقبة، المنسقات الحسناوات، أو كما يظن موظفون، يختلسن النظر عبر الباب كلما وجدن سانحة، أو بطرفات أعين حينما يدخلن مكاتب مدرائهن.

مالان، حامل صينية الشاي بين المطبخ والمكتب الفخم، لم يصدق، اعتبرها من الإشاعات المتداولة يوميا، تولد كقطعة زبدة مطلع الصبح وتذوب آخر النهار، الموافقة على الترقيات، زيادة الرواتب، راتبان زيادة بمناسبة العيد الوطني، إعتاد على تصديق كل شيء، وتوزيعه ضمن نشرة الأخبار التي يحملها، يصدقه البعض لأنه يدخل المكتب الفخم كل صباح، ومع الظهيرة، وقبل أن يهمّ الجالس في ذلك المكتب بمغادرة المكان، تاركا تقطيبة في وجه مالان، وابتسامة تشرق لها شمس مكتب المنسقة، تكاد أن تتراقص لها لوحات الورد التي يحبها المسؤول متغزلا، وتضعها منسقته بتنسيق يتلاءم مع مسمى وظيفتها.

لكن هذه الإشاعة لم يصدقها مالان نفسه، سيتبرع بالدم؟! سواء بسواء كبقية الموظفين؟!، حكّ رأسه، لكن هذه المرة ليس لمشكلة جلدية أو عادة لازمته منذ طفولته، إنما حيرة، كالتي يصاب بها المرء مع ظهور الإشاعات وتكاثرها.

آخر مرة زارهم بنك الدم تمدد عدد قليل من الموظفين على الأسرّة المتنقلة، المدراء العموم، وجميع المدراء ورؤساء الأقسام، تحججّوا بزحام المراجعين وتكدّس الأعمال التي تتطلب بقاءهم طوال وقت العمل على كراسيهم، الأربعة الأيام الأولى من الأسبوع، ويوم الخميس صعب جدا، نصف وقت "الدوام" لإنجاز ما يمكن إنجازه، العقل سبقهم إلى الطريق نحو "البلد" مسرعا للفكاك من الزحام الأسبوعي، والنصف الباقي يرصفون الحكايات في طوابير طويلة من امتداد الطرقات الخارجة من العاصمة.

متى سيجدون الوقت للتبرع بالدم أصلا؟!

قال مالان، بسخرية الواثق من مكانه ومكانته في المكتب الفخم: اليوم وجدوا الوقت!.

شاع على أسماع المنسقات ذات القول: "قبل أن يخرج من مكتبه أبلغيني، واحجزي سريرا يكون من الأفضل قريبا منه"، وما لم تعرفنه المنسقات ذلك الصوت الخفيض يتردد في صدورهم: لو تبرعت الآن سيظن أني لم أتبرع، أريده يراني متبرعا، أسكب دمي قطرة قطرة من أجل المحتاجين في هذا الوطن الغالي، نفديه بدمنا، هذا الذي يملأ الأكياس، مع أن أجسادنا بحاجة شديدة إليه.

مالان لا يكفّ عن السخرية، أطلق صاروخا في مكتب اعتاد سماع أخباره، أو إشاعاته، على نحو يصدق أكثر: "المدير خميس كيف سيتبرع؟!، سيخرج لهم من جسمه خمر" مردفا سخريته "أصلا ما يجوز أحد يتبرع بخمر".

ساله أحد الذين اتهموه لاحقا بالجنون: "والرجّال العود كيف دمه؟!"، انتبه مالان إلى الفخ، عادته يسقط في الفخاخ لكنه هذه المرة انتبه سريعا، أجاب: مستعد يتبرع حتى بخزّان كامل يكفي مستشفى خوله مدة سنة"، ضحك الجالسون، والواقفون أيضا استندوا إلى طاولات لفرط الضحك، شعر مالان بالخوف لأنهم ضحكوا، استحضر صورته، عنقه الفخم، الضاغطة على بقية جسده كأنها امتداد لفخامة تتشابه مع جسده ومكتبه وسيارته، وملابس منسقته.

لم ينتبه مالان جيدا إلى من قال "يمكن لون دمه ثلاثة ألوان، مثل لون العلم" غامزا إلى الوطنية التي يتحدث عنها المقيم في المكب الفخم ليل نهار، لو انتبه مالان لوصلت إلى المكتب الفخم فورا..

"إذا تريدني أتبرع عنك أنا تحت الأمر"، التقط مالان آخر كلمات المنسقة "المحسودة" تقولها بنعومة مريبة للجالس في المكتب الفخم، "دمك غالي، محظوظ الذي يناله"، لكنه أجابها بكلمات قلائل "الوطن يستحق منا التضحية بكل غال ورخيص"، ولأن مالان لا يثق بالمسؤولين، كرّر في سره ذات الكلمة التي سمعها من مكتب ما "والوطن ضحّى من أجلكم فأخذتم الغالي والرخيص".

وحدة التبرع بالدم جهّزت سريرا نظيفا ومرتبا باهتمام على مقربة من أربعة أسرّة أخرى، الصحيفة الرسمية أرسلت محررا ومصورا، لم تكتف كعادتها بخبر دائرة العلاقات، الحدث أكبر من كل ما سواه، للمرة الأولى يتبرع مسؤول مثله بدمه، ولم تعرف وسائل الإعلام "المقروءة والمرئية والمسموعة" ما يشبه هذا الحدث، وعندما انفتح المكتب الكبير على خروج جسد ضخم منه كانت الأسرّة يتنازع عليها مدراء العموم والمدراء ورؤساء الأقسام، ظن المسؤول أنه المشهد الدائم للرغبة في التبرع بالدم، شعر بفرح داخلي يتسرب كالدم داخل أوردته وشرايينه، الجميع يتسابقون للتبرع، ربما امتلأت "مواعين" فريق التبرع، سيصل، ويشكرونه، خجلين، ومرتبكين، لأنه "نوى" لكن لا مكان لدمه اليوم، مئات الموظفين وعشرات من المسؤولين، كبارهم وصغارهم، تبرعوا منذ الصباح، لا حاجة إذن لتبرعه.

حدثته نفسه بما لا يحصى، يريد صورة على الأقل حيث يتمدد على السرير، يكاد يقول للفتاة التي تمسك بيده تقيس النبض وتأخذ العينة أن ذلك يكفي، لقد لمعت الفلاشات كثيرا، وابتسم في وجه عدسة التلفزيون، لكنها لا تكفّ عن مضيّها في غرس الإبرة في ساعد يده، لتكون شاهدة عيان على مشهد تاريخي.

جميع الأعين تراقب المسؤول المتأنق كعادته يتمدد على السرير؛ يحافظ على هدوءه مع شكة الإبرة تنغرس في يده، وابتسم لعدسات آلات التصوير، أطال الابتسام، والموظفون يراقبون تواضع كبيرهم الذي يضحّي بدمه..

تفرّس مالان ناقلا بصره بسرعة بين عشرات الأعين التي استطاعت أن تصل، بين الزحام، إلى مبتغاها، كأنّ مالان يرى في انعكاساتها لون الدم الذي يتخيلونه خارجا من جسد لا يشبه أجسادهم، مالان يتخيلهم، أو واقع في ذات التخيل أن الدم مختلف أيضا، لونه، كثافته، وهناك محظوظ سيجري في جسده.

ومضت الساعات، الأعين تتنقل، وتتساءل، وتذهب بها الظنون مذاهب شتى، وهم ينتظرون، لم تتحرك في الأنبوب قطرة دم.

قفز مالان، قفزة لم يتوقعها أحد، الدم شفّاف، الله أكبر، أكبر أكبر، لا يستطيع أحد أن يراه.. وكان يكرر "الله أكبر"، خرج بقية الموظفين يظنوه موعد الصلاة، وأن الآذان هذه المرة قادم من حيث يرقد الرجل الفخم يتبرع بدم، لم يره أحد، لكن حاولوا تصديق مالان، دم لا لون له ولا طعم ولا رائحة.

* * *

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007