[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
صدمة الميلاد. 
التاريخ:  القراءات:(10) قراءات  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد بن الظاهر  
* * *

مدَّت الشمس ثديها للأفق وردعت بأشعتها

الحقول والبحار و الأبنية الشامخات بكبرياء متعالي .ككل الصباحات وفي أيام ديسمبر أيام الصقيع و الجبال المضببة و قطرات الندى على أوراق الشجر و أسنان تصطك، يبزغ صباح جديد قبل أن تنطفأ أضواء شوارع العاصمة لتخطب في النائمين على أرصفة الطرقات أن هبوا لنداء اللهف، ولنائمين على سرر موضونة متأكين عليها فرحين لا يتصدعون عنها ولا ينزفون. شخصية هامشية مهمشة تغرفت من معين الويل أوعية وقد بلغت من الوجع عتياً أخدت من الآهات عنوناً لوجوده ،إنه لقيط الرباط . مروان يأبى الشحاثة مهنة يمتهنها ، في الصباح يبيع الصحف وبقايا يومه ماسح أحدية .خرج من "الخيرية " ،مأوى الكلاب الضالة كما يسميها بعض المتحدلقين وهو كاره لرئيس الدار، بعد أن عذبه و تركه دون أكل ليومين عقاباً على جرمه وعدم إستجابته و رضوخه ، بعدما راوده عن نفسه ، فقد أراد الرئيس الشاذ أن يتحرش به بعد أن أغراه الملعون بالنقود وبعض المجلات فقد كان من عشاق المجلات المصورة .مروان يستغرب دوماً عندما يرى في مُحيا الرئيس تلك النضرات التي يملائها الإعجاب و تنطوي تحت لواءها لذة مميتة لتصل به الوقاحة و الجرءة العنان فقد حاصر مروان داخل المطعم وأبى إلا أن يتركه يشبع الوحش الكاسر الذي يقبع داخله فأمسكه من خلفه و نزع سرواله وبدأ مروان يجهش بالبكاء فتنهمر كالسيل البارد تحفر جداول في وجنتيه فبدأ يركله ويضرب بيديه فأسقطه و بدأ يجر يجر سرواله للخارج وخرج من "الخيرية" ، مذ ذاك الوقت ومروان يتسكع في شوارع العاصمة. في الصباح الباكر، الوقت الذي يتسيد و يتربع البرد على عرش الشارع لا مرئ يمر هناك دون بردة يحتمي بها خوفاً من بطشه ،يأخد مروان جرائد ويعيد بيعها في المقاهي وفي الشوارع وهو أول من يطلع على الخبر قبل أن يقرأه أحد غيره يسير حاملاً في يده اليسرى حزمة من الصحف وفي يده اليمنى مساحة الأحذية ،عندما يكون شارد الدهن ويضيع بين وجوه المارَّ يسأل نفسه عن الجرم الذي أودى بنفسه لأن يعيش بالقرب من الوحوش الآدمية هته، تمنى دوماً أن لو كان إلى الآن في بطن أمه في عالم يوفر له قوة يومه و يوفر له مكان عيشه إنها تمام الراحة و الهناء وأتى لهذا العالم البأيس الملطخ بالدم أول صرخة له في وجه البسيطة أكشفته أن لا شئ يأتي بالتمني وإذا أراد شيئاً يطلبه بصراخ ،هذه الصدمة التي دقت لكل إمرئ بابه .

آه لك يا مروان تطاولت عليك الحياة إحتقرتك ،رمتك كخرقة بالية و لفضتك من عزها وأدخلتك إلى عرين الويلات .ذلك البدن النحيل الذي تصدى لقسوة البرد و الفضيض في شهر ديسمبر وقد صدقة الكاتبة عندما قالت في شهر ديسمبر تنتهي كل الأحلام ،يتلحف لنفسه لحافاً بالياً و باهةً والغيوم الملبدة تفجرة أنهاراً تسيل كالعيون مسرعة إلى بطن الأرض ،بينما وجد مروان تحت الغطاء تسيل عيونه ينابيعاً تحفر وجنتيه جداول بفأس القهر و غطائه الذي إستنجد به لدفع المطر قد تشرب المطر و الوحل و عندما مصَّ الصباح تلك الأمطار بدأ مروان يومه .

_ جرائد يا ناس ، أخبار اليوم ، ترامب يعلن القدس عاصمة إسرائيل ، جرائد يا ناس .

يركض في الشارع وعندما أراد قطع الطريق فإذا به يسمع فرملة مكابح السيارة و صوت إحتكاك عجلاتها على الطريق .إنها المفاجأة يا مروان لاتستأدن ولا تدق الباب ،تأتي على حين غرة إنها وخزة إبرة مغلفة في كيس الهدايا تهديه الحيات لك يا صاح وتدقها على قلبك الضعيف .

أش هذا._

تنزل صاحبة السيارة ووجها شاحب كسحابة لا تحمل مطراً

_

مالك أولدي ،كاتقطعو الطريق وما تتشوفو والو كي الحمير .

وتستأنف قولها:

_

إوا أش غاندير ليك دابا.

هكذا بعض البشر لا يرقون لمستوى الإنسان ما إن يجدوا مفراً حتى يهرولوا إليه هرباً من المسؤولية فهم كائنات كارهة لضغط الواجب .

تحولقوا الناس وبدأوا يوزعون نضرهم بين تلك العجوز الشمطاء و مروان الذي يئن بالوجع ،لم يصبه مكروه لكن عضامه بدأت تألمه بشدة و بعض الجروح في يديه ووجهه .و بعد برهة أتى شرطي وتصل بمركز الشرطة للنجدة تكلمت السيدة مع الضابط بلغة التمايز الطبقي وصنفت نفسها إذ ذاك في طبقتها المتعالية إنها اللغة الفرنسية ففي أيامنا لم تعد اللغة لتواصل وإنها للتمايز و الفرز و استعراض للعضلات وبعدها مدت له بعض النقود في يده . لم يفهم مروان أول الأمر شيئاً فقد نهره الضابط بقوله:

_

إنك سقطت أمام السيارة عمداً لتأخذ من السيدة الفاضلة النقود عنوةً لكن هناك مأوى لأمتالك يا سافل .

أقسم لك يا صاحب الشرطة أنك فهمت الأمور على نحوٍ خاطئ وبدأ الدمع الحارق يسيل ببطأ إنها دمعة مضلوم الذي تكالبة عليه الحياة بمآسيها وويلاتها .ركبوه في سيارة الشرطة لا الإسعاف ففي بلدي كل المفاهيم تعكس .داخل السيارة الناقلة لمروان بدأ شرطي نحيل بادٍ في محياه و سحناة وجهه المكفهر شراً لا حدود له وبدأ ويتمتم كلاماً لا يفهمه مروان .

_

يا هذا ، أعطني ما في جيبك الآن وإلا أجبرتك على نزعه.

_

لا أملك إلا هذه الصحف ، فمنذ الصباح وأنا أجري باحثاً عن قارئ .

_

أأبدوا لك حماراً بأدنين ،وبدأيبحث بيده ويضع يده في جيوب سروال مروان ويتلمس جيوبه الخلفية . لم يجد شيئاً مازاد محياه سوداوية عارمة .

_

كم من صعاليك أمثالك مروا من هنا وكانوا أشطر منك ولم يفعلوها بي ، ستنزع ملابسك وأرني ملابسك الداخلية .

_

أرجوك يا سيدي أقسم لك لا أملك ولو قوت يومي فمنذ البارحة و لم يدخل جوفي سوى الماء.

وبدأ معين الدمع سيله وينزع ملابسه رويداً رويداً بستحياء بادٍ في فعله .

_

هاي لا نملك النهار بطوله ، أسرع وإلا أجبرتك يا ولد الزانية على نزعهم.

بدأ الخوف يدب في أوصال مروان ونزع ملابسه برمتها كما ولدته أمه بينما الوحش المجسد بجسد آدمي يرتمي على الملابس بحركة جنونية كمن يسقط على فريسته وبدأ يبحث عن المكمون لكن لم يجد شيئاً يسد به رمقه الشره ثم لفظ ما في فمه من لعاب على وجه مروان الذي يملاءه الدمع .جلس على الطرف المقابل لمروان وبدأ يدخن ثم أسرع الأسيف في إرتداء ملابسه . توقفت الناقلة أمام المخفر،ألقاه ودفعه برجله من على السيارة وتناثرت صحفه على الأرض وبدأ المسكين بجمعها و رفعته يد طائشة بقوة وأدخلته إلى المخفر .بعدما نسبت له تهمت التطاول على المهاجرة أدخلوه إلى سراديب الحرية .إنه منفى كل ضعيف وكل مستبصر وكل صوت يزعج من يعمل و يوقض الموتى النيام ولا تستغرب يا مروان في بلد الوعد التي لا تتحقق ،لا تستغرب في بلد ألف مسؤول و مسؤول ولا تستغرب في بلد سجينه يعانق الحرية و الحر فيه سجين ، فطوبى لك يا مروان الحرية فكلنا سجناء وموتى مع وقف التنفيد فالإنسان هنا على وشك الإنقراض .

* * *


(محمد بن الظاهر ،باحث مغربي)

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007