[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بعض ما جرى في الأساس * يوم الرقص
التاريخ:الجمعة 11 ابريل 2003  القراءات:(5303) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
العسكري فريد الأهبل فعلها . ظل يخِّزن في صدره كالجمل ، ثم نط في بطن الأومباشى عويضة ، لوى زراعه ، أوقعه أرضاً ، وذلك لأنه ظل يسخر منه على مدار أسبوع كامل ، منادياً إياه : يا عسكري يا نمرة !

والعسكري النمرة جثم على صدر عويضة ، ولكمه في صدغيه لكمات متوالية ، وغشي الموقع سكينة ، وصمت لم نعتده . وسرعان ما تخلص الأومباشي من وقع المفاجأة ، وبادل فريد الضرب ، وتأكدنا أنه – أي الأهبل – يترك له مساحة مناسبة للّطم وانشاب الأظافر في رقبته حتى صارت خطوطاً حمراء متعرجة ، فلما تيقن أن العلامات الحمراء لن تُمحى بسهولة عاود لكماته ، ثم فر واقفاًَ ، وركله وهو يصيح : ابن كلب .

بتثاقل قام الأومباشى ونفض ملابسه ، وراح يعدل من وضع أفروله ، وسرعان ما رأينا سرسوب الدم يتسلل من أنفه تجاه الشفتين .

أسرع عسكري سمين بقذف منديله الكاكي ، تلقفه ، ومسح الدم الأحمر القاني ، نظر بكل غل : سأريك .

تحلقنا حول المتخاصمين المتضاربين ، وقلنا إن الصلح خير ، وعفى الله عما سلف .

أشار الأومباشى بحسم : كل هؤلاء سيشهدون .

قلنا جميعاً : لم نر شيئاً .

وقال لطفي فرو بخبث شديد : سأشهد بما رأيت . أنت بدأت بضربه .

ضرب الأومباشي عويضة صدره بيده : أنا ؟!

نظر إليه لطفي فرو ، وضيق ما بين عينيه ، وهو القصير المكير ، وصاحب عاهة ، وكل ذي عاهة جبار ، أما في الجيش فكل ذي عاهة أمير الجبابرة . لذلك كان يسيراً عليه أن يتجه لسترة العسكري فريد ، ويمزقها أمامنا ، فتتطاير الأزرار . هنا هتف بصوت عالي : تمزق ملا بسه ، وتضربه ، وتريد منه السكوت .

قلنا جميعاً في تشف – ونحن الذين شعبنا سخرية من هذا الأومباشي اللعين – وقد علا صوتنا أكثر : سنشهد أنك مزقت ملابسه .

عندئذ تقدم ملاك حنا ، ومسح بيده العارية خيط الدم ، وهتف بالأومباشي : أنت زودتها وكما تدين تدان . كلنا يد واحدة . يا نمرة !

نظر الأومباشي إلى السحب الرمادية المتكاسلة التي كانت تمر في سماء صحراء المعادي ، وكانت تضفي على المكان حزناً وغموضاً لا نهاية له ، مسح المكان : الكلاب البعيدة التي لا تكف عن النباح ، وأشجار الصبار القزمية ، وأعمدة الحديد التي تحمل الأسلاك الشائكة . قال في صوت مهزوم : سأبلغ مكتباً ، وسأحبسكم جميعاً .

كاد ملاك يفتك به ، وكانت نوبة الراحة على وشك الانتهاء . زغده في جنبه : وشرف أمي أفضحك . يا أبو علقة .

ضج الموقع بالضحك ، والعسكري فريد أمسك بعامود تنشين طويل وراح يرقص في دائرة هو مركزها ، وقد انفتحت السترة حتى بطنه ، وأطلت فانلته الداخلية التي طالها التمزيق وهو يغني :

\" يا حلو أنت ، يا بُغاشة . .

تعالى . شوف الأومباشى \"

وحنا بقبضته التي تشبه المطرقة ، يضرب على صدره المنتفخ ، وترن الطبلة البشرية ، وما لبث أن أجبر الأومباشى على الرقص معه قسراً .

في البداية ثبت قدميه في الأرض الرملية ، لكنه بعد دقائق تحرك ، ووجهه الممتقع تعلوه غبرة . الجميع يرد على فريد الأهبل \" يا باشا \" إلاه .

وعلى صوت الطبل والدق ، والتصفيق المتواصل جاء أفراد من فصائل أخرى ، كان أغلبهم في غُلب لا يوصف بسبب مفارقة الأهل والخلان ، فدخلوا الدائرة ، ورقصوا . لم ير أحد من هؤلاء العساكر بداية اللطم والضرب ، وخيط الدم . فقط انخرطوا في الرقص والغناء .

واتسعت الدائرة ، حتى أصحاب الرزانة والوقار شاركوا في التوقيع بأكفهم الغليظة . بشق الأنفس عثر العسكري يحيى على قطعة حرير حمراء ، لعلها في الأصل إيشارب لبنت يحبها ، وحزم الأومباشى الذي لم يجد مفراً من الاستسلام لغواية الرقص ، وتغيرت النغمة ، بإيقاع محموم .

\" يا حلو أنت ، يا بُغاشة . .

تعالى ، بوس الأومباشى \"

وتحول الوجه الممتقع إلى صفاء مدهش ، والأومباشى يرقص هذه المرة بجد ، ورمضان يراقصه في ثنائية لا توصف من الانسجام والمودة .

في تلك الأثناء دخل العسكري لطفي فرو ، وأحضر سترة جديدة ، ألبسها رمضان بصعوبة وهو يرقص ، بعد أن انتزع سترته الممزقة .

وعلى حين غرة ، دوت صفارة الجمع ، وتوقف العساكر عن الرقص لهنيهة ، ثم استعدوا للانسحاب بهدوء . غير أن ملاك حنا المفتري ، صاحب القبضة مثل المطرقة صرخ فينا : ساعة الحظ لا تعوض . هيا نكمل .

واستمر الرقص ساخناً ، وكانت البيادات تدبدب في انتظام غريب . لم نشعر بالرائد سلامة عسل إلا وهو فوق رؤوسنا يشخط فينا بصوت هادر : كله حبس خميس وجمعة . . يا نمر !!

قالها وذهب ، ولم يتوقف الرقص ، والوحيد الذي خُصم من راتبه يومان كان الأومباشى عويضة . وقد جمعنا له من نقودنا القليلة ضعف ما خُصم . فرد المبلغ بحسم ، وقال لنا بعد الواقعة بأسبوعين : لقد كسبت أكثر . ولم نفهم !!


* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ القسم الأول

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007