[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بعض ما جرى في الأساس * الظل
التاريخ:الجمعة 18 ابريل 2003  القراءات:(5049) قراءة  التعليقات:(17) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
كل شيء في الدنيا له ظل . وللظل تحولات لا تخطئ العين رؤيتها . الظل ملازم للأجساد ، المباني ، الأشجار ، الحيوانات الأليفة والنافرة . .

لا بد من وجود شمس كي يتكون الظل ، ربما قال قائل : إن التيار الكهربائي حين يسري في أسلاك المصابيح يتولد الضوء ، ويوجد الظل . هذا ما نعرفه ، لكننا نتحدث عن الظل الأصلي ، الطبيعي ، الذي يتولد من النور الرباني ، سواء مع بزوغ شمس ، أو إطلالة قمر .

كل هذه الأشياء يعرفها عساكر الأساس ،وهم ينزوون في الأركان ، تحت ظلال الجدران البعيدة للكانتين ، أو ظلال الخيام حيث يمتنع بتاتاً على الأفراد دخول حرم الخيام إلا في أوقات الراحة ، أما فترة الطوابير الممتدة من السادسة صباحاً ، وحتى الثانية ظهراً ، فمن المستحيل الدخول إلا للمرضى ومن يحملون " أرانيك " عيادة ، وفيها عبارة صرحة بالقلم الأحمر " معافاة من الخدمة والطوابير " ، وهو أمر نادر الحدوث .

فحتى هؤلاء يتم مطاردتهم ، وأسرهم بكل معنى الكلمة ، حيث يؤخذون إلى المطبخ الميري لتقشير البطاطس ، وتقطيع البصل ، وعصر الطماطم ، وحمل " الأروانات " العملاقة ، وهي مسائل مهلكة للبدن والأعصاب .

الظل هو غاية كل مجند ، خاصة في أشهر الصيف العنيدة ، بالتحديد يونيو ، ويوليو ، وأغسطس . وهو الثلاثي الذي يكرهه كل عسكري من قلبه . فالشمس في صحراء المعادي تهبط لتلامس بشظاياها رؤوس الأفراد . وحتى الكلاب في عز الصهد تختفي ولا تظهر إلا في وقت معلوم– بين الثانية والنصف والثالثة ظهراً– حيث يقترب موعد توزيع التعيين . فتظفر بقطع عظام ، وبقايا جراية ، وقليل من اليمك ، إن كانت هناك وشائج صداقة قوية بينها وبين فرد في عقله خلل، بحيث يتنازل عن جزء من نصيبه ، وقوته الضروري لكلب ضال ، في الغالب أجرب ، هزيل ، ضامر الجرم ، وهذا ما كان من الأمر العسكري " توفيق أبو شعرة " .

الظل يخشى افتضاح أمره ، ففي الثانية عشر تماماً يقصر ويتلاشى فلا تعثر على أثر له ، قبل أن يعود ، فيمتد باتجاه ثكنات القائد ، والضباط .

هؤلاء لا يشغلهم الظل في شيء ، فلديهم أسلاك ممدودة ، تتصل بمراوح بعضها معلق في الأسقف ، وبعضها على حامل .

وأنت إن أحببت أن تجد ظلاً مناسباً فعليك بالدفع ، حيث يسمح لك عسكري الكانتين أن تجلس إلى جوار الجدار الخشبي السميك مقابل سيجارة أو سيجارتين ، وفي أوقات القحط الرهيب يكتفي بنفسين ودعوة مفادها العودة سالماً غانماً لأهلك .

وفي الظل إغواء للجسد بالراحة ، وتخليص للروح المتعبة من أوجاعها ، ونحن هنا نتحدث عن شمس الصيف تحديداً ، وهو الموعد المناسب دائماً لتجنيد دفعات جديدة من العادة والمؤهلات على السواء .

وبقدر تنازلك عن جزء من الظل يخصك يكون مقدار أصالتك ومتانة صداقتك لأي زميل ، وحين اكتشفنا بعد أسبوع كامل من البحث المضني عن ظل شجرة كافور وحيدة هائلة تقع في الركن الأيسر لمطبخ المعسكر ، رحنا نتسلل إليها ونحتلها ، دون أن نجسر لحظة على البوح بسرنا الدفين .

فإذا سألنا زميل – نحن المكتشفين لظل الكافورة الوارف ، البهيج – نتعلل بالذهاب إلى "الأدبخانة" أو " السرية الصحية " ولذلك بقي السر فترة طويلة حتى تم اكتشافه من الجميع ، وحدثت الجلبة أثر الازدحام ، وعلق القائد لافتة عليها بخط أسود عريض " ممنوع الجلوس " .

الظل قرين الهدوء ، هو في الأصل نقيض النور ، لكنه لا يدحضه ، أنه يشاركه المكان ، ولا يسعى لإزاحته ، يتداولان – عبر الزمان القصير– الكر والفر ، إلى أن يدخل الليل فيختفي هذا وذاك : الظل والنور .

واليوم حدث في الطابور ما عكر صفونا جميعاً ، إذ أن العسكري صبري الأرناؤطي تخابث أثناء توزيع تعيين الفصيلة الثالثة ، وأخفى في كيس من البلاستيك قطعتين من اللحم ، ولما تم التوزيع على الأروانات الفردية ، اكتشفنا العجز ، وراح صبري يقسم أن العجز على مستوى المعسكر كله . بينما هو يوالي قسمه المغلظ ، برز طرف الكيس من عبه ، فامتدت يد ملاك حنا الغليظة إلى صدر العسكري ، وسحب الكيس ، وبكى صبري ، رضخ لأي جزاء نوقعه عليه إلا أن نبلغ الأومباشى عويضة ، أو الصول عبد الخالق ، فقد كان يخشاهما كثيراً .

قال ملاك بغضب : هل ترضى بحكمي ؟

رد على الفور ، وكأنه غريق قد تعلق بقشة : أرضى . .

فاقترب منه ملاك ودعك أذنيه حتى احمرتا ، وكاد الدم ينبثق منهما .

قال لنا في خشونة نعرفها : غذاء هذا العسكري اليوم جراية حاف .

وافقناه ، لكنه أضاف في خبث ، وقد وقع صبري في يد من لا يرحم : بعد الغذاء سألقنه درساً لن ينساه .

جلسنا في دائرة صغيرة ، نهجم بشهية على طعام الغذاء ، كان الطبخة السوداء – أي الباذنجان الرومي – وقطعة صغيرة من اللحم بعد أن حرمنا العسكري صبري من نصيبه . وقد أحس بالذنب ، فأقعى يقرقض طرف الرغيف بأسنانه ولم يهن علينا أن نتركه على هذه الحال ، فقد تغاضانا عن خطأه ، ومد سراج يده بقطعة لحم ، وحفنة يمك .

وبعد أن انتهينا ، مرت علينا قطة ، رأيناها تعدو في الساحة الخالية . هنا التفت ملاك حنا إلى العسكري صبري المغضوب عليه ، وأمره بإحضار ظل القطة ، وإلا سيشي بفعلته .

وهنا انطلق صبري كطلقة رصاص نحو الهدف ، وراح يعدو مطارداً ظل القطة ، وكلما مرقت من بين يديه ، أعاد المحاولة ، وكان يقبض على الظل المراوغ ، ويكاد ينشب أظافره في الأرض قابضاً عليه دون جدوى .

ولما عاد إلينا خائباً ، خالي الوفاض ، منكسراً ، معترفاً بالذنب صرخ فيه ملاك : أين ظل القطة ؟

علا صدر العسكري صبري وهبط ، كانت أنفاسه متقطعة : مقدرتش أمسك الظل . . يا أفندم .

خبطه ملاك حنا في ود ، ووسع له إلى جواره ، وجعله يقسم على المصحف – وكان باستمرار في جيب سترة سراج الأيمن – ألا يفعلها ثانية ، وقد أوفى الرجل بوعده طيلة فترة الأساس .


* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ القسم الأول

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007