[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بعض ما جرى في الأساس * التزحيف
التاريخ:  القراءات:(5459) قراءة  التعليقات:(25) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
نحن في الأساس . والأساس 45 يوماً ، لا تزيد ولا تنقص . تستلم مهماتك ، تحمل المخلة ، تتحول من فرد مدني عادي ، إلى عسكري لا يتحرك إلا بالأوامر .

والجيش متاهة . الداخل فيها مفقود ، والخارج مولود . من كل جنس ولون ، وهيئة وشكل ستجد البشر : حانقين ، سعداء ، ممرورين ، لاهين ، عدميين ، متفائلين . من النقيض إلى النقيض . لكن الزمن ممتلئ بأمثال هؤلاء وهؤلاء . كل شيء كان يتوقعه خليفة مرسي الشموطي إلا موضوع التزحيف .

لقد بحث له عن سبب أو علة دون أي فائدة . فما الدافع الذي يجعل عساكر الأساس يقومون من النجمة ، وقبل شروق الشمس ، ليغسلوا وجوههم بما تيسر من ماء الجراكن ، قبل أن يخرجوا مشمعاتهم المتينة ، بلونها البني الغامق ، وتيلها المنسوج راقات ، يثبتون الطرف بقطع الزلط والحجارة ، ثم يمسكون الطرف الآخر ، ويمضون لتسوية أرض الميدان الواسع الذي لا نهاية له .من مربط خيام الأفراد ، وحتى السور البعيد البعيد الذي تعرفه الكلاب ، فلا تتجاوزه إلا بنباحها الواهن .

هناك عدة طرق للتزحيف ، أبسطها أن يُحدد لكل فرد مقطوعية يسويها بمعرفته ، ويتحمل خطأ وجود أي مساحة فيها نتوءات أو تعريجات . هذا هو الشائع والمعمول يه في أساس 2 ، 4 .

لكن هناك معسكرات تدريب أخرى تأخذ بنظرية " الجشتالت " فتقوم كل سرية بالتزحيف الجماعي ، فكأنك في حضرة رتل من سيارات الميدان تمضي في ذات الاتجاه ، وبنفس السرعة ، دون أن تترك بوصة فراغ واحدة .

كل شيء مقبول ، ومعقول ، ومحسوب في ذهن خليفة إلا هذا الأمر ، وهو يسأل كل من يقابله في صوت هامس خشية التبليغ عنه من أي واحد ابن حرام : أريد أن أعرف ضرورة التزحيف ؟

ظل يسأل ، ولا أحد منا يجاوبه ، ويضع له العقل في رأسه .فليس من المعقول أن نسأل في كل كبيرة وصغيرة . هناك في العسكرية تكتيكات واستراتيجيات ، وما نحن إلا عساكر بلا ظهر أو سند . بل الغريب أن يصدر مثل هذا السؤال عن خليفة بالذات ، وأبوه كما علمنا منه يُصلح الأحذية عند أبواب جامع السيد البدوي . يضع السندان على الأرض ويبدأ عمله قبل الظهيرة كل يوم وحتى يشطب آخر فردتين ، وكله برزقه .

مرسي الأب – والله أعلم – عوّد ابنه على التلصص على الحديث ، والسؤال عن كل أمر ، من طقطق إلى السلام عليكم .

ربما كان لحوحاً في مسألة التزحيف ، أما أن يحولها إلى قضية عمره ، فهذا معناه أن دماغه

" جزمة " قديمة .

وهذا ما حدث له من جراء اللت والعجن في موضوع مفروغ منه . فقد حوله الأومباشى إلى الصول ، لما سأله الصول عن السبب . أشار الخبيث إلى العسكري المستجد الذي لم يكن له خبرة بأمور الدهاء : أسأل عن التزحيف . لماذا نقوم به ؟

والصول عرفة أبو غزالة الداهية وجدها فرصة للتنكيل بنا جميعاً ، بأن يوقع الأذية بهذا الأبله ابن " الصرماتي " .

والمثل قال : " اضرب المربوط ، يخاف السايب " . ولكن للأسف كلنا مربوطون من أعناقنا منذ اليوم الذي دخلنا فيه منطقة الفرز ، وجردونا من الثياب إلا ما يستر العورة ، وبحثوا عن الفتق والبواسير والسل و . . . . . . . .

عندما انتهوا ، وختموا الورق بالكودي الأسود بكلمة " صاغ " صرنا لا نسأل ، ولا نجرؤ على رفع الحنجرة بصوت حتى لو كان واهناً .

الضابط أنور – وهو ضابط مخلة ، لا قلب له – ربت على كتف العسكري الغلبان ، وسهاه في الكلام : خير يا دفعة ؟ ، ابتسم الغر ، وبانت نواجذه : فقط ، أسأل عن التزحيف . هل كل جيوش العالم تزحف مثلنا؟

الضابط أنور ، تركه ، وراح يقلب السكر في قعر كوب الشاي ، وعاد إلى مكتبه في وسط الخيمة ، وقد أدرك أن الفأر قد وقع في المصيدة . شجعه على الكلام أكثر ، فأضاف ابن مرسي الشموطي : التزحيف تضييع وقت . أريد أن يصل صوتي للقيادة .

لسان حال الضابط : اللهم طولك يا روح .

لكنه يطلب المزيد من الكلام السائب ، ربت على كتفه بتشجيع ماكر :

قل كل ما عندك . . يا عسكري .

وضع الكوب على حافة المكتب – وهو منضدة ملخلعة قوائمها ، أما سطحها فمن خشب جميز مسوس – وسوى أطراف شاربه ، وأمر بطابور ذنب 8 ، 9 .

وقبل أن ينصرف ، وخزه في صدره : ها . . أتريد أن تعدل الكون . . يا روح أمك !

ربما فكر في صفعه ، لكنه تراجع ، وقرر حرمانه من الإجازة الشهرية ، وخدمتين " كينجي " زيادة .

وحين رجع العسكري خليفة ، بان عليه الإرهاق بعد دورانه في ساحة التدريب حاملاً المخلاة ، والعرق يشر منه ، وهو يلهث وصوته يطلع بصعوبة : لن يقنعني أحد بأن التزحيف ضروري ، حتى لو قصفوا عمري .

وفي الخيط الأول من فجر اليوم التالي ، كنا نزّحف رمال الموقع بهمة أقل ، وكان العسكري خليفة يشاركنا الأمر متعباً ، موجوع القلب ، فقد قضى نوبة الكينجي وهو يكلم نفسه : التزحيف خطأ .

كان أغلبنا يرى الأمر نفسه ، ولم يكن أحدنا على استعداد لذلك العقاب الصارم ، فالجيش له عبرة حفظناها مراراً وتكراراً : " نفذ الأمر ولو خطأ " .

ولقد رأينا مصير من جرؤ على مناقشة الأمر ، فما بالك لو رفضه .

استمر التزحيف ، وحين سوينا الأرض ومهدناها ، هبت عاصفة صغيرة ، فمسحت كل ما فعلناه . ضحك العسكري خليفة وهو يشير إلينا بيده : زحف يا عسكري ولو خطأ . .

كانت ضحكته منقوعة بمرارة وحزن بلا حدود .


* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ القسم الأول

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007