[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بعض ما جرى في الأساس * قايش وسط
التاريخ:الاثنين 26 مايو 2003  القراءات:(5881) قراءة  التعليقات:(63) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
العسكري صبري الأرناؤطي استلم أفروله الكاكي الجديد ، وفردتي البيادة ، وخرج من الصف الطويل الذي أكلته الشمس ، كأنه في يوم عيد . ولم لا وهو الفلاح القراري الذي ما حط على جسده إلا جلباب الصيف ، وكسوة الشتاء ؟

يجعل خالته فاطمة تحيكها على ماكينة الخياطة كيفما اتفق ، ثم ينقدها جزءاً من أجرها ، والباقي يأتي وقت الفرج ، الذي لا يزور قريتهم أبداً .

هو الآن جندي عادة ، يحفظ رقمه العسكري عن ظهر قلب ، وحين يصرخ فيه الشاويش " صفا " يضرب قدمه اليسرى في الأرض ، كأنها بريمة يدقها كي تخرج بترولاً ، والبترول هو الجاز ؛ عرف ذلك بعد أن سأل صاحبه عبد المتجلي وقت الراحة .

اليوم سيكون جندياً بحق وحقيق ، وحين ينزل أجازته الشهرية ، سيسير في أزقة القرية بمشية عسكرية تهز أشجار الجوافة والليمون على الجانبين .

أحلى ما في الخدمة هو ذلك الزهو الذي لا شك أنه قد شعر به وهو ينطق اسمه مضيفاً إليه الرقم الصعب الذي حفظه بمشقة ، والرقم الكودي للكتيبة .

بعد ذلك يكون كل شيء سهلاً ، والتكرار يعلم الشطار ، وهو شاطر ، أروب ، يعرف كيف يبدل الخطوة ، بضرب مقدم القدم اليمنى في كعب اليسرى عند أقل خطأ ، ليعود لمشيته المنتظمة : واحد . . اتنين . . واحد . . اتنين .

وقد حاول فترة الاستراحة أن يكررها ، حتى أتقنها ، لكن أفروله العسكري كان قديماً ، أحضره من كشك خشبي أسفل كوبري المشاة الملاصق لمحطة السكة الحديد .

اليوم يمكنه أن يرتدي أفرولاً جديداً ، بشوكته ، وهي اللحظة التي عاش ينتظرها ، خاصة وأن الأجازة قد أوشكت على الاقتراب .

خرج من الصف مسرعاً ، وفي الخيمة المنصوبة في صحراء المعادي حيث تدريب " أساس 2 " ، مرق إلى الداخل، كاد يدق عنقه حين اصطدمت ساقه بالوتد الحديدي اللعين ، زفر في تعب ، وهو يلهث . دخل حيث فرد مشمعه الميري بلونه البني الذي تحول مع نوبات التزحيف إلى لون التراب الأخرص .

ارتدى السترة ، راح يزررها بيد مرتجفة ، كان يخب فيها كأنها ابتلعته . سرى عن نفسه أن البنطلون سيعدل الأمور : سيعدلها ، لا شك في ذلك .

خلع البيادة بصعوبة بالغة ، كان يربطها ثمانيات وسبعات حسب الأوامر المشددة ، رفع قدمه اليمنى ، أدخل رجل البنطلون ، استند بكفه على عامود الخيمة ، فلسعته سخونته فقد كانت الظهيرة . وشمس المعادي تبخ الصهد ولا ترحم . رفع قدمه اليسرى ، وأدخل الرجل الأخرى . بكل ما أوتي من قوة خطف البنطلون خطفاً لأعلى ، وأدخل السترة ، وجرى إلى المرآة المهتزة بعنف على خلفية مدخل الخيمة . شعر بوسامته . عسكري بجد . ولد مجدع شارب من بز

أمه . صاح فيمن حوله : إيه رأيكم ؟

كان كل من استلم مهامه في شغل شاغل عنه ، حتى أن أحداً لم يرد على سؤاله . بالكاد سمع همهمة : تمام .

لكن البنطلون انسلت ، وشعر بالخزي والكلسون فيه قطع كبير يكاد يبين لحمه .

رفع البنطلون ثانية ، وضم الحجر بما قيمته قبضتين ونصف . لا توجد معه مهمات خياطة ، لا إبرة ولا خيط . هرش رأسه ، وأدخل رأسه في مخلته يبحث عن حبل التيل المبروم ، لقد أدخره ليوم أسود .

وها هو اليوم الأسود قد أتى مسرعاً ، وشمس المعادي لا ترحم أبداً ، قاسية مثل قلوب الصولات ، غليظة كأوامر الباشجاويشية ، وهو دائماً ما يدير في عقله العبارة الأبدية التي حُفرت في عقله كأنها موعظة لا تقدر بثمن : " الجيش بيقولك تصرف " .

أمسك بالحبل فرحاً ، وقد أدرك أنه قد عثر أخيراً على الحل الأمثل . مرر الحبل من اليمين إلى اليسار أعلى "البتلتة" شد بكل ما أوتي من عزم . استقر البنطلون على جسده الهزيل المضروب بالبلهارسيا في إحكام .

كان من حوله العساكر المستجدين يجِّربون أفرولاتهم مثله ، لكن أغلبهم ارتدى قميصاً وبنطلوناً من قبل . شعر أنه يطوي تلك الفترة من حياته . وداعاً للجلباب الذي ربطه بالقرية والغيط والساقية .

من اليوم هو الجندي المجند صبري الأرناؤطي على سن ورمح ، وليضرب من يعترض رأسه في أقرب حائط . سيختفي من حياته ذلك الظلم الذي عاناه في أيام الفرز الأولى .

كان الأومباشى دائماً ما يختار أصحاب الجلاليب لجمع الأوراق المهملة من الساحة الواسعة . الآن هو مثلهم . فقط يختلف اختلافاً طفيفاً لا يكاد يبين بالمسحة الصفراء التي تسري تحت الجلد ولا تظهر إلا لمن يدقق .

سمع صفارة طويلة ، أدرك أن وقت الجمع في طوابير الاصطفاف قد بدأ . أدخل قدميه في البيادة بسرعة ، وأعاد ربط سبعات وثمانيات ، التي أتقنها تماماً .

وقف أول الصف شامخاً برأسه ، والطاقية الكاكية في وضعها السليم . فقط الحبل مشدود شداً يؤلمه . مر الأومباشى متفقداً الصفوف . حملق في زي صبري عبد العظيم الأرناؤطي ، صرخ فيه أن يتقدم خطوتين : أيه اللي انت عامله يا عسكري ؟ أنت جاموسة رابطينك بسلبة ؟

وهاج أكثر : إجري بسرعة هات قايش الوسط .

اختلط الأمر على صبري ، هز رأسه بعدم فهم حقيقي ، خرجت الكلمات بصعوبة : قايش . . أيه ؟

رد الأومباشى : قايش الوسط . ولا تكونش فاكر صارفينه لك علشان تتحزم به ، وترقص ؟

ضج الطابور بالضحك ، وهو ما لم يكن مسموحاً به . وقد أمر الأومباشي بإحضار كل عسكري للمخلة ، ورفعها لأعلى والجري بها في عز نقحة الشمس على شرف العسكري صبري الذي لا يعرف قايش الوسط .

واستسلم العساكر للأوامر ، وبدأ طابور الذنب والشمس كانت ما تزال تشوي الأجساد ، وتؤكد لصبري أن ربه لم يرض عنه بعد ، ربما لذنب قديم ، فعله ونساه .


من مجموعته : شمال .. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة ) ـ السم الأول

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007