[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بعض ما جرى في الأساس * ياقات حمراء
التاريخ:  القراءات:(6667) قراءة  التعليقات:(62) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
عرفنا أنه ابن ناس من أول وهلة . بنظراته الواثقة ، ووجهه الخمري المستدير الذي لم تلوحه شمس بعد ، وبتلك الابتسامة العريضة التي استقبل بها خبر توزيعه على سلاح المشاة .

كنا على ثقة أنه لا يكذب علينا – في نوبات الراحة – حين يحدثنا عن أعمام له ، وأخوال يحملون رتبة اللواء أو العميد ، ويمكنهم بإشارة إصبع أن يوزعوه على أسلحة الخدمات التي لا مشقة فيها ولا تعب .

تأكدنا أن سراج مصطفى ، والذي سيصبح في الأيام التالية محامي المعسكر له مخ مختلف . لقد أراد أن يخدم بجد ، ورغم بكاء الأم ، وتوسلات الأب بالتوسط له عند أصحاب الأمر والنهي كي يتم توزيعه في وحدة مناسبة إلا أنه رفض رفضاً تاماً .

وها هو بيننا ، واحد منا وعلينا ، يضع يده في جيب سترته فتبرز علبة سجائر " الكنت " ، يعزم علينا عزومة مراكبية ، ويشعل سيجارته بكل ترفع وكبرياء .

وسراج مصطفى القرانفلي ، ابن الناس ، أخذ في أول يوم خدمة درساً لن ينساه ، عندما سأله الأومباشى عويضة عن مؤهله ، فرد بثقة بانت في نبرات صوته : ليسانس حقوق . . يا أفندم .

لحظتها ارتبك الأومباشى ، لعلها ثوان قليلة ، وانطلق كالمدفع " المتريوز " مهاجماً العسكري المستجد : عليك أن تدفن شهادتك هذه في أقرب حفرة . وانس الليسانس ، وإلا ستتعب .

وجعله يتحرك خطوة للأمام ، ويقلع طاقية الرأس ، ويختبر صلابته بأن ضربه في كتفه ضربتين قويتين ، وسأله على الفور : بماذا شعرت ؟ ، على الفور رد المحامي سراج : لا شيء يا أفندم .

وقبل أن يكمل جملته جاءته اللكمة في بطنه مفاجئة ، قوية ، ولقد حاول العسكري المستجد امتصاص الصدمة ، لكن تقلصات الوجه فضحت ألمه الذي أخفاه في حشرجة مكتومة .

أمره بالرجوع للصف ، واستمر طابور التدريب الأولي : صفا . . انتباه . . الخطوة المعتادة ، للخلف در ، استرح . والشمس تصب حممها ، اقترب أومباشى آخر لم نكن نعرف اسمه ، لكن قسمات وجهه ، وطريقته في الحديث دلت على أنه متطوع ، استلم الطابور بعد راحة خمس دقائق ، وهمس الأومباشى عويضة في أذنه . وهو – بدوره – لم يكذب خبراً فجأر صوته في الخلاء : سريعاً جري ، مع الوثب لأعلى .

وانطلقنا في جري دائري حول وتد خشبي تم دقه في ساحة التدريب ، والكل يلهث ، وينساب العرق خيوطاً ، تنحدر تجاه العينين ، فنتألم من الملوحة ، ونهمهم : كفى . . يا أفندم .

والأومباشى المتطوع لا يكفيه إلا أن نطب ساكتين ، وقد صعّب الأمر علينا بأن جعلنا نصعد التبة الصناعية ونهبط مرات ومرات ، وعساكر منا تتساقط ، وهو يجذبها بعنف ، ويدفعها للطابور من جديد ، حتى تقطعت أنفاسنا ، وامتقعت وجوهنا .

نظرت للعسكري سراج ، كان يغالب ألمه ، والعرق يصنع دائرتين واسعتين تحت الإبطين . وجاء الأمر صارماً كالسيف : قف . . لليمين حذا . .

لحظات التقاط الأنفاس . انتظرنا الأمر استرح لنمسح بالمناديل الكاكية عرقنا دون جدوى . خبط الأومباشى المتطوع سراجاً في كتفه : ما هذا البلل ؟

لم يرد المحامي المنخرط في الخدمة حديثاً ، فالسكوت في الجيش من ذهب .

ونظر إلى البنطلون الواسع الفضفاض ، كانت هناك خيوط لا تكاد تبين من عرق : هل عملتها على نفسك ي عسكري ؟

تقدم سراج خطوة للأمام ، ونطق بقوة : أنا متظلم . . ما يجري هنا ضد أبسط حقوق الإنسان .

شخر الأومباشى ونخر ، وأطلقها كالقذيفة : نعم ، يا روح أمك .

ثم بدأ الأمر بالزحف الثعباني ، والأرض قطع من حصى ، لها سخونة لا تطاق . ولم يجد سراج مصطفى القرانفلي مفراً من تنفيذ الأوامر بكل دقة .

وبعد انتهاء طابور الزحف ، سأله الأومباشى المتطوع : ما شعورك الآن ؟

تأمله العسكري من قدميه إلى أعلى الرأس بنظرة كلها غل وأسى ممتزجين : شعوري أنك جاهل!!

ضج الموقع كله بالضحك ، حتى أن بعضنا ضرب كفاً بكف ، فقد كانت ملاحظته صائبة ، وعرفنا فيما بعد أن الأومباشى الذي يكدر سراج ، ما هو إلا راسب إعدادية .

توقف الهرج والمرج حين جاء الأومباشى عويضة واستلم الطابور ، وشكر الأومباشى المتطوع : شكراً يا أومباشى فؤاد .

كان الأومباشى فؤاد المنصوري – وهذا اسمه الذي عرفناه فيما بعد – يمضي نحو " الكانتين " ساحباً خجله خلفه ، وكانت الهمهمات المكتومة تعلو ، وتنخفض طيلة الربع ساعة المتبقية من طابور التدريب .

وقت الراحة تحلقنا في مرح صاخب حول العسكري سراج ، المحامي الذي يتحدث عن حقوق الإنسان . غمز لطفي فرو بعينه الحولاء ، وهو يسأله : أتدافع عن نفسك أم عنا ؟

بنبرات صادقة ، لا اصطناع فيها : أنا مثلكم .

خبطه توفيق مصيلحي الأهبل في كتفه بمودة : أصيل يا ولد . اعطني سيجارة " كنت " .

في لحظة لم تبق في العلبة إلا ورقة السلوفان المفضضة ، فطوى العلبة ، فركها في يده ، اتجه نحوي : الجيش هذا . فيه من الحياة كثير . لا يمكنك تفصل بين النبيل الرفيع ، وبين الدنيء الوضيع . فيه معاناة وتعب ، لكن له قانونه . عليك أن تفهمه . ستخسر كثيراً إن فرضت عليه شروطك .

شردنا جميعاً ،وصاح فيه العسكري صبري الأرناؤوطي : أهي مرافعة يا أستاذ ؟

عاد الضحك من القلب ، وعمنا صفاء نقي ، غسل أرواحنا المجهدة .

بعد أسبوع واحد ، زارت الكتيبة سيارة جيب ، ارتج لها المعسكر كله ، ونزل منها ضباط كبار ، بشارات أركان حرب الحمراء المثلثة على طرفي الياقة ، ودوىّ صوت البروجي ، وتم جمعنا في غير وقت طوابير التدريب . واهتم الصولات بالزي ، ونظافة الخيام ، ورفع علم جديد على سارية ساحة التدريب الأساسية .

وجاء الضابط أنور عدواً ، وهو يسأل : أين الباشا سراج مصطفى ؟ ضحكنا جميعاً للفظ " الباشا " . تقدم من العسكري ، وهو يسأله في ود كذوب لا يخفى على عاقل : مبسوط يا سراج ؟

هز العسكري سراج رأسه ، فلم يعرف الإجابة بالضبط . إلا أنه أخذه من الصف ، وهمس في أذن الأومباشى عويضة : يبدو أننا ستأخذنا داهية .

وفي خيمة القائد ، جلس سراج مصطفى مع أقاربه ، قدموا له لفائف طعام وحلوى ، وقروصة سجائر " كنت " ، وسأله قريب له عن الحال ، فرد على الفور : هي تجربة .

نظر إليه عمه اللواء ، وهو يختبر عناده : أننقلك إلى السرية الطبية لتكون قريباً منا ؟

تجهم العسكري مصطفى ، ونسي الرتبة التي يتحدث معها : قلت أنني مستريح هنا .

تنفس القائد في راحة ، وجاءت زجاجات المياه الغازية ، ودارت على الرتب ذات الياقات الحمراء . والغريب أن العسكري سراج ظل واقفاً كالألف عند باب الخيمة التي تدور المروحة في سقفها ، والتي يشغل الركن الأيسر جهاز تليفزيون . حتى أنه رفض زجاجة المياه الغازية .

وحين أوشكت الزيارة على الانتهاء ، قال خاله المقدم : أنت تعرف تليفون كل منا ، حدثنا عند أي مشكلة .

قال لهم ، وهو يستدير عائداً إلى الطابور : لا مشاكل لديّ . . المشكلة عندكم في الجيش نفسه .

وقد ركبوا سيارة الجيب الأنيقة ، وهم يتابعون سيره إلى الجمع المصطف ، ولم يدهشهم حديثه ، فقد كانوا يعرفون أنه متمرد بطبعه . لكن لديهم إحساس لا يخيب في أنه سيعرف الكثير من أمور الحياة في هذا المكان الموحش ، المنقوع في الخلاء .


من مجموعته : شمال .. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة ) ـ القسم الأول

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007