[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
بعض ما جرى في الأساس * أربعة شرائط سوداء
التاريخ:الجمعة 25 ابريل 2003  القراءات:(5104) قراءة  التعليقات:(23) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
كل عسكري مستجد ، عليه أن يعتبر نفسه قد سقط من قعر القفة . وواجب عليه أن يخشى صف الضباط والصولات ممن وهبوا زهرة شبابهم للجيش ، حتى شاب شعر رؤوسهم ، ووهن العظم منهم ، رغم أن أغلبهم لم يتجاوز خط الأربعين باستثناء خلاف خلف ، والصول عبد الخالق ، والأومباشى عويضة .

كان الأخير قد حصل على أربعة شرائط ، وفعل فعلة نكراء ، فخفضوا رتبته ، واقتصوا منه شريطين ، ويقال أنه ظل يبكي هذين الشريطين أياماً وليالي حتى صارت الدموع دماً ، وفي هذه مبالغة لا نرضاها .

ما علينا . تعالوا معنا لخلاف ، وصلوا على النبي ، فحكايته حكاية . إنه راضع الميري من " بز أمه " ، فلا ضحكة ولا ظل ابتسامة . فقط تجهم وعبوس لا حد له .

سواء في الطوابير أو ساعة المرور على الخدمة ، يقف كالوتد المدقوق في الأرض عندما يتحدث إلى أي ضابط ، وتراه حريصاً على قص شاربه ، وحلاقة ذقنه مرتين يومياً ، أما الشرائط التي تحتل حيزاً كبيراً على كتفه ، فكل فتلة منها لها ثمنها . وهو صعيدي قح ، بلهجة قاهرية ، فالأهل قد استوطنوا الشرابية منذ أربعة أجيال .

لكنه منقوع في صهد " جرجا " بالوراثة . فإذا كان الصول عبد الخالق حريص على الضبط والربط ، وذل الجنود في صحوهم ومنامهم ، فإن خلاف يزيد على ذلك بأمرين ، الأول كرهه الشديد لأي مجند يحمل مؤهلاً عالياً ، حيث يحاول تصيد خطأ من هنا أو من هناك ليمسح بكرامته الأرض .

الثاني حبه الشديد للصعايدة ، أصحاب البشرة السمراء ، فلهم وحدهم المعافاة من لم الورق ، وانتزاع الحصى في عز نقرة الشمس ، وهذه وسيلة لتتحول بشرتهم الفاتحة إلى سمراء ، كي تسري في دمهم النخوة والرجولة .

خلاف خلف متطوع ، متجهم ، عصي على الضحك ، عيبه الوحيد الذي يعترف به بينه وبين نفسه أنه كان يصلح ضابطاً ، والظروف وحدها هي التي عاكسته ودفعت به إلى درجة أدنى .

إنه لا يعترف بالوقت ، وفي تقديره أن الواحدة صباحاً ساعة مناسبة جداً ، ليجمعنا من عز نومنا ليتفحص وجوهنا في ضوء النجوم البعيدة ، ليرى هل نفضنا النوم من أعيننا أم ما زلنا مستسلمين لسلطته ؟

يقف مرتدياً زيه الميري كاملاً وكأنه ذاهب للعرض العسكري فيتلو على أسماعنا واجبات الجندي عند تعرض الموقع لخطر هجوم الأعداء .

نبلع ريقنا ، ولا أحد يجرؤ على معارضته ، وإخباره أننا في معسكر تدريب ، لا فيه هجوم ولا يحزنون .

لكن من يعلق الجرس في رقبة القط ؟ هذا السؤال حيرنا كثيراً . وضعنا أملنا في سراج القرانفلي ، فهو ابن ناس ، وعائلته واصلة . لكنه امتنع عن التصدي لهذا الباشجاويش المغرور .

وصدق المثل الذي يقول : " يضع سره في أضعف خلقه " .

فقد فاض الكيل بالعسكري " البوطسى " ، وهو اسمه الأول ، الذي حيّرنا ، مثلما أغاظنا صمته على مدار خمسة وأربعين يوماً ، قضاها في هدوء وسكينة ، فلا يرد على أي سؤال إلا بكلمة واحدة لا غير : " أفندم " .

جمعنا خلاّف كعادته ، فقمنا نهرول ، وخلفنا بخطوتين جاء البوطسى يمسح نومه بفوطة بللها العرق . وقفنا صفوفاً ، كالأسرى الذين يستعدون للشحن في قطارات الليل .

شخط الباشجاويش فينا جميعاً ، اتهمنا بالدلع وقلة النخوة ، بالليونة والمرقعة . أعطانا درساً في الانضباط الكامل ، والسرعة في تلبية الأوامر .

كانت أجسادنا ما زالت محتفظة بشحنة النوم ، وسخونة الأغطية ، بل إن بعضنا كان يحاول اختلاس سنة نعاس . في الوقت الذي انتهى فيه كلام خلاف ، ارتفع شخير خفيف لفرد في الطابور .

بهتنا للصوت . للحظة أو أقل ارتبك خلاف ، وسرعان ما ارتفع زئيره ليرج العساكر : من شخر منكم عليه أن يتقدم خطوة للأمام .

لم يستطع أن يبصر الفاعل في ظل هذه العتمة الموغلة في حذرها . وظلال الأعمدة في آخر المعسكر تتحرك مسرعة كلما مرت سيارة ، أو أضاءت فوانيسها للحظات .

البوطسى ، الذي لا يتكلم قطعياً ، رأيناه يتقدم . يعلو شخيره أكثر فأكثر . وإذا بيده تمتد إلى ساعد الباشجاويش فتنتزع شرائطه السوداء ، وتلقي بها إلى الساحة الواسعة .

ارتفع الظياط ، وهلل العساكر ، فأسرع خلاف إلى الساحة ليأتي بأشرطته . وعندما عاد لم يجد في المكان عسكري واحد يوحد ربه .

في صباح اليوم التالي حلقوا رأس البوطسى ، وشاربه ، وتم تكديره لثلاثة أيام متتالية . إلا أن صمته كان يشوبه همهمة غامضة . واحتلت وجهه ابتسامة لا يراها ، ولا يحسها إلا العساكر أمثالنا !


من مجموعته : شمال .. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة) ـ القسم الأول

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007