[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رداء الذاكرة 
التاريخ:  القراءات:(7451) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فهد المصبح  
مكتوف أشارك بحواسي ما يحدث .. أشياء سريعة عبرت بي إلى عهد الطفولة .. صغر جسمي .. تساقطت ملابسي ،لم يبق منها إلا (شورت) قصير يصل إلى منتصف الساقين ، و (فانيلة) بلا أكمام تبرز نتوء عظامي .. سيارتي استحالت دراجة هوائية خاوية العجلات ، شعر لحيتي أسود بياضه ، و أستدق ، ثم تساقط .. طرقات متربة ، وجدران طينية في حارتنا القديمة حيث يكثر الذباب والتراب وأصوات النسوة المنهك بالعمل مختلط بصوت المذياع ، كنت وقتها منكمشا في فراشي المتحجر ألتحف بقايا حلم لذيذ يحاول الإفلات .. في ليالي الصيف ننام في السطوح لا يجرؤ على إيقاظنا إلا الآباء ، واليوم جمعة يبدو هذا من صوت المذياع الذي أخذ يتسرب إلى أذني رخيما بصوت الشيخ عبد الباسط يرتل قصار السور من إذاعة البحرين التي حفظنا برنامجها الصباحي ، فبقية الوقت نعلق جهاز (ترانسستور) على الجدار الطيني ، ثم نظل نلعب الكرة لا نحذر شيئا إلا أن ترتطم الكرة بباب ابن خلفان الذي ينام دائما في دهليز داره .. يعدو خلفنا متوعدا وإزاره المرتخي يعيق حركته ، فنفر منه بيسر متضاحكين ، ليعود محمحما شاتما الصغار ، يخرج تهديده من فمه المفتوح كاشفا عن سن وحيد مصفر ، وهو يقول :

- والله العظيم لأشق كرتكم بالسكين .

انتبهت إلى جدتي تتلمس طريقها نحوي .. تناديني كرجل بالغ .. تبسمل قبل إيقاظي ، فتجدني صحوت مبكرا ، وطويت فراشي على غير عادة مما زاد شكوكها بأنني قد فعلتها في فراشي .. يتهاوى الأمل في نفسها ، وأنا أحمد الله أنها لا ترى إذ كنت لحظتها متلبسا رداء الرجولة الذي تنشده ، جدتي تدس يدها في الفراش المطوي ، تجده جافا ، فتنسحب بصمت .. أمل يداعبني في كوب حليب ساخن مع بقصمان أقرمشه بلذة من نام بلا عشاء .. قرب وعاء الطيور الفخاري هششت حمامة ترفض الطيران ، لعلها تأمل مثلي .. في يوم الجمعة يحرص آباؤنا على اصطحابنا إلى الجامع بعد أن نغتسل ، المياه شبه معدومة في البيوت ، و مع الصباح تدب الحركة ، وتتواصل إذاعة البحرين معنا دون انقطاع إلا في الأخبار إذ كنا نعدها فترة هدنة مع المذياع في حين يعتبرها الكبار فترة جدل ، سمعت جارنا ذات مرة وهو يلصق المذياع بأذنه قائلا :

- صه يا جماعة خلونا نسمع الأخبار .

يلتفت إليه أحد رفاقه ببرود قائلا :

- (إيش) تسمع في الأخبار غير هذا راح وذاك جاء .

يتحفز جارنا للرد بمعلومة مثيرة :

- البارحة في لندن يقولون جمال ناوي على الحرب .

يرد عليه أحدهم :

- تسوي روحك تفهم في السياسة .

يتدخل آخر حاسما الأمر :

- أترك عنك الأخبار ، كلها كذب في كذب .

لا ندري ما المثير في الأخبار ربما لأن عالمنا لا يقيم وزنا للكذب ، وربما الأخبار من شأن الكبار .. حديث ديني ، ثم تمثيلية ، فبرنامج ركن الطب للدكتور رمزي فايز بعدها تبدأ وصلة الغناء ، فتتفتح فينا طاقات الأمل ، ويشتد لعبنا حماسة مع صوت نجاة الصغيرة ومحرم فؤاد .. هيام يونس يتعلق قلبها بطفلة عربية ، فتأخذنا موجة تنافس على المطربات ، في حين نسوة الحارة تردد كلام الرفيع : " ربعة الشعري بثمان الله عليك يا زمان " .. عبد الحليم سواح على ألسنـتنا ، وصباح تدفئنا بحركتها ، ثـم يختم محمد زويـد الوصلة الغنائية بصوت " لمع البرق اليماني " .. وقتها كدت أتهور وأفرط في ربع ريال لأشتري علك أبو صورة مؤملا أن أحظى بصورتها ، لكنني تراجعت مغبة أن يخرج لي من العلك فاخر فاخر أو توفيق الدقن .. عادت لي صورة حلم البارحة ، أخذت أعتصره من الذاكرة ، كنت أحاول السير بدراجتي خلفها فاتنة بعيونها الواسعة وقوامها الممتلئ حد النشوة ، تعدو أمامي وتغني ، وأنا أتعثر خلفها .. عجلات دراجتي مغروزة في التراب ، وبيدرت السيكل جرحت كاحلي .. كنت أنوي اللحاق بها ، سأقبض عليها بيديّ المطبقتين على مقود الدراجة ، سأفعل أشياء تصيبني بالرهبة بمجرد التفكير بها .. الجوع يعوي في بطني وبيتنا ما فيه حبة (عيش) واحدة ، وهي تغني بصوتها الجبلي (يالله صبوا هالقهوة وزيدوها هيل) .. وجدت نفسي في منحدر ضاعف من سرعتي ، فاختل توازني ، لأحلق في الهواء لحظة ، ثم أسقط على شيء طري ، تبيّنته فإذا هي من تحتي وتمت معركة اللهيب في سراويلي واستيقظت .. المناديل لا يحملها عندنا إلا علية القوم وأكثر الغناء يتحدث عنها .. ماهر العطار يفرش منديله على الرملة فلا نعبأ بما يقول إذ لا رمل في حارتنا ، لا شيء غير التراب ، وأصوات الأطفال ، وعند ما يحضر الرمل تتغبر ألعابنا ، في حين تستعد إحدى الدور لتغيير جلدها الطيني بآخر أسمنتي كالح تتضح عليه البراعصي .. يختفي الرمل وتبقى المناديل في حنجرة فيروز وكارم محمود ، أما نحن فنستعيظ عنها بالأكمام .. الحلم لا يزال يدب في أوردتي بدمائه اللذيذة .. أركب دراجتي أحاول السير بها من جديد ، الكرة تعبر من خلفي لتعانق باب ابن خلفان للمرة الرابعة .. يخرج خلفنا هذه المرة وفي يده سكينا .. نهرب .. ألتفت خلفي أصاب برعب يشل حركتي .. لم يكن ابن خلفان بإزاره المرتخي من يتعقبنا ، بل كان المليجي بأكمامه الواسعة ، وعيونه النارية ، وبيسراه سكين رهيبة .. وقتها كدت أفعلها في فراشي ، لولا أن تحرك باب غرفتي ، ودخلت زوجتي محملة بروائح أحبها .. تحسستُ شكلي و شعر لحيتي ، كانت تقول لي وهي تفتح نافذة الغرفة التي اختلط فيها دخان التبغ برائحة الطبخ :

- تبي قهوة ؟

- شاي ؟

- سمعتك تنادي هيل قهوة ؟

استدرت إليها وقبل أن أتفوه اصطدمت عيني بسكين البصل تلتمع في يدها ، قمت من فوري إلى دورة المياه أفرغ مثانتي ، بينما بقيت هي تعبث بأوراقي ، وطفل صغير تركته متعثراً بدراجته بين السطور .

الدمام 1422هـ

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007