[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الصراخ المشروخ 
التاريخ:  القراءات:(1212) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : حسين المناصرة  
نظر باستغراب إلى عمود الزجاج المعلق على وجه مدخل البناية الجديدة، فكان مشروخا وفيه وجه يصرخ بخوف...بل هو وجه مشروخ ...

فرك عينيه عدة مرات ، فبدت الصورة واحدة .. استعاذ من الشيطان الرجيم ، فجاءت الضحكة من ورائه مرعبة.. تخيل الضحكة في البداية صدى لذلك الوجه المشروخ، ثم من غير توازن نظر خلفه فوجد امرأة تضحك بشراهة .. حاول ألا يعيرها انتباها مميزا .. ربما حاول أن يعدل من وضعه الفوضوي المتضعضع ..، ومن غير أن يبحلق النظر في جسدها المتطاول ..حاول أن يخلع رجليه اللتين تسمرتا في الأرض .. أن يهرب بعيدا .. لكنها حاصرته.. ومن خلال ضحكها المتواصل ، تفوهت باشمئزاز:

" بكل تأكيد لم تتوقع أن تراني هنا بالذات " .

قال من غير أن ينظر إلى وجهها :

" من حقك أن تكوني حيث شئت ".

قالت بسخرية متضاحكة :

"إنهم يحاصرونك من كل ناحية ..عليك أن تأتي معي ،من غير لف أو دوران ، إلى ذلك الحبل المعلق؛ لتضع رأسك في دائرته باستسلام تام ."

أجال بصره في الجهات كلها ، كمن يستطلع شيئا مفقودا على عجل، ثم نظر في عينيها أو هكذا تخيل نفسه يفعل، ليعرف بقايا الأعماق .. لكن الأمور أصبحت بالنسبة له مؤخرا غير معروفة إطلاقا .. أعاد نظراته المبعثرة إلى العـمود الزجاجي ، فرأى الوجه المشروخ يتحول بفعل التشظي إلى عدة وجوه صارخة .. كأنه تمنى أن يرى جسده ممددا على فراش النوم؛ يحلم بهذا الكابوس ولا يراه ..

كيف جاءت إلى هنا وفي مثل هذا الوقت المتأخر من العمر .. إنها كـما قيل له (…) لم يعد يعرف ما الذي يدور بداخله .. فكيف والأمر أصبح الآن يتعلق بداخلها هي .. إنها تأتيه بعد أن تجاوز الأربعين بعامين .. كيف عرفت وجوده في هذا المكان المدحور؟!! ..

عادت له بكل الماضي دفعة واحدة ، وأضحت الأيام التي مر عليها غبار عشرين عاما تتراقص أمامه كأشباح فقدت عقولها .. كأن الأيام الماضية "

ابنة امبارح " ، كما كانت تقول جدته رحمها الله .. قال في نفسه يجب ألا يكون لي شأن الآن بما تبحث عنه .. كل شيء مات .. والشيء المهم الآن هو أن اعتبر نفسي ميتا منذ عشرين عاما، وأن هذا الجسد الموجود هو غير ذلك الجسد الذي مات .. إنني بكل تأكيد لست ذلك الطالب المراهق ..!! .

لكنه لا يستطيع..، فهو لا يبالي يتذكر جريمته الكبيرة التي علقت بذهنه، حتى تركت ضميره متيبسا من الرعب ...

" كانت فتاة جميلة ... وكان قد وعدها بالزواج .. وفي لحظة من العبث المجنون هرب، وتركها لمصيرها البائس .. حكاية مألوفة شاهدها آلاف المرات في المسلسلات الرديئة .. كما أن المسألة تحدث في أرقى المجتمعات .. كان عليها أن تتصرف، لا أن تبحث عني طيلة عشرين عاما من الضياع .. وماذا تريد مني الآن ؟!!أن أصلح غلطتي .. كان من الممكن أن يحدث هذا قبل عشرين عاما في إحدى اللحظات الثائرة ..!! أما الآن فالأمر لم يعد بهذه البساطة.. كان عليها أن تموت مثلي تماما ... أن تحرر ضميري من قيود العذاب.. أن تختار هي الهروب، وأكون أنا الضحية .. امرأة من مدينة بعيدة تحضر بعد عشرين عاما من مأساتها إلى قرية منزوية في قاع العالم من أجل أن تحاسب ميتا على ماضيه !! يا للكارثة !! كيف سيبرر موقفه أمام الآخرين بعد أن تنفجر في وجوههم معلنة أنه قبل أن يموت كان كذا وكذا وكذا .. وأنه لم يكن أكثر من لص غبي سرق أثمن ما لديها، وهرب تاركا امرأة تتلاعب بها رياح الخوف والمرارة والبحث عن الأمان ..يا أيها الجدار الذي يحمل هذا العمود المشروخ بكل الوجوه الصارخة .. هيا اصرخ بالكذبة أمامي حتى يتحقق الوهم لا الحقيقة ..!!

أراد أن يتحسسها؛ ليدرك مدى الحقيقة التي تقفز أمامه كقدر مخيف ، لكنها تتراجع قبل أن يحدث اللمس تاركة أموره تأخذ مجراها المتدهور كما النهر يشق طريقه!!

إن الصرخات المشروخة تهزه بعنف ..يتجمع حوله عدد كبير من الناس،ويصرخون أيضا في وجهه، حتى تحول الشارع إلى كوابيس من الأعمدة المليئة بالوجوه المشروخة والصراخ المشروخ .. ماذا يجب عليه أن يفعل أمام هذه الحشود الهائلة من الصرخات ؟!!

حاول أن يهدئ من روعها .. أن يعيد عاطفته المقتولة ليؤثر عليها ،كما كان يفعل في الماضي .. وأخيرا حاول أن يجثو على قدميها ..إنه يجثو على الأرض يبحث ويبحث، يتمرغ في التراب والبقايا ،ولا يسمع إلا الصراخ ،ولا يتوقع أن يرى سوى الوجوه المشروخة تتراكم فوقه فتغرقه في الوحل .. وكانوا كلهم يضحكون عليه ..!!!

توقف عن التمرغ في التراب .. حاول أن يعدل من انهياراته .. إنه مشدود بأذرع عدة وجوه ومحاط بوجوه كثيرة .. بحث عنها وسط الكم الهائل من الأيدي والوجوه الضاحكة .. نظر إلى العمود الزجاجي ... قال لهم :

أين ذهبت ؟!!

وأخيرا قرر أن يعترف..!!.

هرب منهم وراح يجوب الحارات وهو يصرخ .. يعترف .. ويعترف ..يضرب رأسه في الجدران المتلاصقة .. إنه يتحول إلى حالة من الجنون .. هل أدرك موته النهائي ؟؟ هل شعر بمأساته عندما أصبح نزيل المصحة ؟!!

بحث عنها فوجدها في كل المرايا المشروخة والزجاج المشروخ تمارس الصراخ المشروخ .. وتدعوه إلى دائرة الحبل المغلقة التي ضاعت منه أخيرا .. ولم يعد يملك غير التمرغ في غبار عشرين عاما خلت ..

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007