[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الذبابة الزرقاء!! 
التاريخ:  القراءات:(2235) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : حسين المناصرة  
لثلاثة أيام متتالية يحاول أن يصطاد ذبابة تحاصره في الغرفة الضيقة.. وحده كان يعيش مطمئنا .. وفجـأة بلا مقدمات ظهرت بين عينيه الذبابة !!

بوده لو يقتلها شنقا.. لكنه لم يستطع أن يمسك بها بالطريقة التي تعود عليها قبل ذلك في محاربة الذباب.. كان يلقي الكتاب بخفة، فتقبع تحته أية ذبابة معادية مخنوقة آنة ، ثم تغيب في الموت الرهيب..

في اليوم الأول كانت الذبابة صغيرة الحجم ، بأجنحة يانعة قصيرة.. كأنها فقست لتوها من بيضتها غير المرئية التي وضعت في الغرفة بطريقة الخطأ،والأرجح بالمؤامرة الذكية.. لعبت به هذه الذبابة منذ ظهورها "حيص بيص" أو "شذر مذر" كما يقولون..وهو يظن أنه كان وما زال يسيطر على الوضع بأكمله ، هكذا رتب الأمر، ولا مانع أن يلعب مع ذبابة لعبة "القط والفأر" ، هو القط وهي الفأر.. ربما هكذا تصور نفسه في لحظة عبث .. وقد قالوا: الذي لا يجد من يقاتله يقاتل ذباب قفاه .. يذهب ليتغوط في الخلاء .. يهجم الذباب على فضلاته النازة من المؤخرة.. يتقاتل مع الذباب وقد أحنى جذعه حتى أفعمت الرائحة منخرية المنتفخين، وتدلت شفتاه بامتداد حرارة الشمس !! حكاية غريبة، وسخرية سخيفة !!

ولكن هذه الذبابة هاجمت غرفته العادية .. ومن حقه أن يدافع عن ممتلكاته، حتى وإن كانت هذه الممتلكات كما يشعرونه غير ثمينة .. فالأمر ليس فضلاته المتسربة في الخلاء ، بعيدا عن وطء المارين .. إنها غرفته !! أليس معه الحق كله أن يقاتل الذبابة حتى الموت؟!!

في اليوم الثاني بعد أن اختفت الذبابة ليلا "زنّت" فوق رأسه غافيا من شدة الإرهاق ، فجاءت زنتها كأنها رعدة حلت فجأة بلا " حاذور أو تستور " كما يقولون ! قام من نومه فزعا .. نظر إلى الجهات كلها.. شاهدها ساخرة منه..

توقفت للحظات على الجدار المقابل لعينيه المشبعتين بالحمرة ، تأملها وسنا كسولا.. فرك عينيه الخاملتين جيدا .. كان حجمها أكبر من أمس بقدر الضعفين !! إنها الآن تبدو ذبابة متكاملة بالغة .. ربما تنظر إليه بتشف أو بسخرية، وكأنها تقول له، كما يتصورها طبعا : لن أتركك بعد الآن في راحة أو سلام حتى أقلعك من جذورك !! حاول قتلها بوسادته ، بغطائه،بحذائه، بجسده ، بكل ما حوله،يلحقها "قرنة إلى قرنة"..

وأخيرا ، عاجزا ،حك قفا رقبته .. هنا تذكر كلام جدته : "من يحك قفا رقبته، منكم يا شطار، معناه أنه مهزوم!!".

في كل محاولة لحربها بطريقته العفوية الخاطئة خسر شيئا !! لعل انقلاب أثاث غرفته، كما ظن ، رأسا على عقب الخسارة الكبرى!! فلو رأى أحدهم هذه الحالة لما صدق أنه تعارك مع ذبابة اقتحمت عليه سكونه الذي تعوده الآخرون، على قلتهم، منه !!

تعبت يده اليمنى من حمل الأشياء أثناء المعركة الأقرب إلى الحلم الكابوسي.. تناثرت كتبه وأوراقه.. تمزق بعضها !! قرر أن يهدأ لبعض الوقت ، يتأمل حاله المهشمة .. أغمض عينه اليسرى ، راقبها بضيق انفتاح عينه اليمنى، أبدت أنها تتمتع بإغاظته متنقلة من بقعة إلى أخرى؛ تنفث الجراثيم .. مبددة بأزيزها سكونه الرهيب.. دافعة به إلى التفكير بالجنون في أية لحظة ، لانفلات التوازن من مسامات جسده شبه المعرى!!

في اليوم الثالث ، الصباح تحديدا ،اقتربت الذبابة ،وهو نائم ،من شاربيه ،كادت أن تقف عليهما .. ربما قصدت أن تتلاعب بأنفه ، لتفعل ما فعلته جدتها التي دخلت أنف " النمرود " ثم رأسه !! صفع وجهه بصفعات مؤذية ..هربت إلى الجدار المقابل !! تنظر إليه!! استغرب لونها الذي تحول من الأسود إلى الأزرق .. اللون الأزرق في الذباب يعني لون القتل والسم !! لا شك أنه ارتعب كثيرا ، وهو يراها أخطر مما تصورها !! تيقن أنها من النوع السام لما ضربت الجدار برأسها ، تصور الجدار آنا أو متأذيا من هذه الحركة السامة !!

الذبابة الزرقاء غير الذبابة العادية السوداء ..الأمر لم يعد على نحو:" إذا وقع الذباب على طعام ، رفعت يدي ، ونفسي تشتهيه"، أو "إذا وقعت ذبابة في كوب الشاي ، اغمس جناحيها، ففي أحدهما السم ، وفي الآخر الشفاء" .. المسألة أخطر بكثير.. هذه ذبابة زرقاء ، غريبة ، يراها لأول مرة .. قرأ كثيرا عن ذباب الهكسوس، والتتار ، والرومان ، والأتراك ،والإنجليز... ولم يجد ألعن بل أقذر من هذه الذبابة .

فتح المنجد المتوافر لينظر الفعل ذبب ، صدمته المعاني: الجفاف ، العطش، الهزال ، الجنون ، دخول الذباب في المنخر، الطاعون ، الشؤم،الشر الدائم ...

وأخيرا " الذباب حشرات.. وهي أجناس شتى. كثيرا ما تتغذى بالأوساخ، فتنقل الجراثيم والأمراض" وأيضا " أرض ذبوبة ومذبوبة كثيرة الذباب".. صفع جبهته صفعة قوية ..همس: غرفة مذبوبة كثيرة الذباب !! اللعنة !!

لبس عتاد المعركة والملابس الواقية،للذب معنى وحيد إيجابي: الدفاع عن الأهل والقوم !!

ارتعب من فكرة أن يموت بلسعة ذبابة!! ربما تخيل نفسه بعد اللسعة ينام حتى يموت!!

أعلن الحرب عليها بلا هوادة .. وضع السكاكر المسمومة في مواقع عديدة لاصطيادها .. تأكل كل ما تريده .. بل تتحرك بحرية تامة في غرفته .. ترعبه بقدرتها على التحدي.. ما أن يحاول قتلها حتى تهرب منه نزقة فرحة ساخرة ...يتألم وهو يتلقى صفعاته الحادة على جسده الموجوع .. لم يترك جزئية من جسده لم يتصور الذبابة واقفة عليها .. فيوجع نفسه ضربا !!

قرأ الكتب عن مخاطر الذباب .. اشترى المبيدات المتاحة !! حاول معها بكل الكلمات الطيبة !! فتح النوافذ لتخرج من غرفته تلقاء نفسها بسلام .. وعدها أن يساعدها قدر استطاعته إذا قررت أن تعيش بعيدا عنه.. لم يترك وسيلة للخداع إلا وأغراها بها، المهم أن تخرج من غرفته.. بكى بحرقة متوسلا أن تغادر غرفته..كانت تحاصره غير مبالية بانكباسه في عنق الزجاجة !!

غابت عن ذهنه فكرة أنها تضع البيوض في كل مكان تقف عليه .. البيوض التي لا ترى بالعين المجردة .. أرعبته الفكرة عندما اشتعلت في رأسه .. الذبابة غير مبالية بحربها معه .. إنها ذات هدف لعين، هدف استيطاني .. أن تضع البيوض في كل مكان !! تصور الغرفة ممتلئة بالذباب !! مستعمرات ذبابية تنتشر في كل أنحاء غرفته ! حتى ملابسه لم تخل من نفاياتها !! ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه هذا الذباب اللعين،هو الآن عاجز عن اصطياد الذبابة الأم ؟!

جند كل الذين يعرفهم من خلف الجدران .. حدثهم عن الذبابة الزرقاء .. استهتروا بأفكاره .. ربما سخروا منه .. كيف يرتعب هذا العملاق من ذبابة ؟!

بعضهم حاول مساعدته لرفع العتب، لا أكثر ولا أقل.. بعضهم ما زال يخطط!!

الذبابة لم تترك لهم مجالا لينجحوا في دحرها ، أو هز شعرة من رأسها .. أو ثنيها عما جاءت من أجله !! ناموا مع شعاراتهم الرنانة،المحذرة،المستنكرة،الشاجبة، الداعية لعقد مؤتمر دولي لحل مشكلة الرجل المذبوب مع الذبابة الغازية !! الذبابة غدت ذبابا .. هو غدا بين فكي الكماشة .. تناثرت أشياؤه هنا وهناك .. الذبابة وبناتها يجعلنه أسيرا مشردا مذبوحا !! حكاية الرجل الذي اغتصبته ذبابة!! وخلفت منه ذبابات كثيرة !! حكاية أسطورية !! الذباب يهجم على رأسه !! يقاوم.. قاوم(بفتح الميم ) .. قاوم( بسكونها) .. الذبابة الأم لا تمانع أن يبقى معها في الغرفة بشرط أن يحترم حق الذباب في الوجود، أن يقتنع بأنه ذبابة تعيش بين الذباب .. عليه أن ينسى إنسانيته.. رجولته.. عقله .. تاريخه .. أرضه .. أشياءه الخاصة.. أن يتفانى في رعاية حقوق الذباب والأرض الذبوبة أو المذبوبة ! عليه أن يتنفس الهواء الذبابي بكل ارتياح .. أن تكون حقوقه أقل من حقوق أية ذبابة مقموعة من بقية الذباب!!

إنه غدا ذبابة !! لكن حجمه أصغر بكثير من حجم الذبابة التي استعمرته …

اقتنع أخيرا أنه راض بدور " الهسهسة" !! إنه الآن ابن(..... ) !! آسف..ابن ذبابة!!..

حارب نفسه الذبابية .. رأى نفسه يخنق نفسه برش المبيد .. هب من نومه صارخا يابس الريق .. حمد الله على أن ما رآه كابوسا ..ثم فكر: ربما هو حقيقة بطريقة أو بأخرى!!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007