[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
سيرة صياد 
التاريخ:  القراءات:(6796) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  
منذ صغره كان شغوفاً بصيد العصافير، يقضي سحابة يومه يصنع الشراك التي إن هي أفلحت مرة خيبته مرات، كان أبواه يؤنبانه دائماً على وقته الذي ينفقه في مطاردة العصافير والحمام..

لم تفلح السنوات الأربع التي قضاها في المدينة خلال دراسته الجامعية في تبديد هواية الصيد لديه، بل تطورت مفاهيم الصيد عنده فأخذ يحلق بفكره خلال محاضرات الأدب التي تتحدث عن شعر الطرد، ويعيش خلالها مع الشعراء في مغامرات صيدهم..

شراء بندقية صيد كانت من أوائل أحلامه التي حققها بعد تخرجه من الجامعة، في مدرسته لم يكن مجرد معلمٍ يؤدي درسه وينصرف بل كان يتجاوز ذلك إلى تنمية مواهب طلابه ومشاركتهم اهتماماتهم حتى أحبه الطلاب، فكانوا يصغون باهتمام بالغ إليه وهو يحدثهم عن فنون الصيد، وعن دوره في بقاء الإنسان الأول الذي كان يتغذى على ما يصطاد، كان يحفظ كثيراً قصائد الطرد، ويرددها على مسامع طلابه، ويقرأ لهم بصوته العذب قصة الصياد للمنفلوطي..

بمرور الوقت أصبح طلابه يشاركونه هوايته، ويفاجئونه بين الحين والحين بإحضار بعض الأرانب البرية، أو الحبارى، أحضر له أحدهم مرة ثعباناً، لم يعجبه الثعبان ومع ذلك أثنى على براعة الطالب في اصطياده..

كان بالنسبة لطلابه وزملائه في المدرسة كما بندقيته بالنسبة له، يحبونه كما

يحبها، ويحرصون على مشاعره كما يحرص على نظافتها، ولا يخذلهم عندما يلجؤون

إليه، كما لم تخذله يوماً وهو يوجها تجاه إحدى طرائده.. كل ذلك كان كفيلاً بانتزاعه من بين تلاميذه الذين أحبوا فيه شيم الصياد، ليصبح مشرفاً يُشيع الحبَّ بين المعلمين كما أشاعه من قبل بين الطلاب..

بينما كانت الشمس تطل باستحياء على رؤوس الأشجار في الوادي الذي يسلكه في طريقه لزيارة مدرسة نائية، كان ينقِّل نظره في جنبات الوادي وسفح الجبل وهو يتحدث للسائق عن متعة الصيد، وأهمية ارتباط الإنسان بالطبيعة، وعن اللذة التي تتملكه عندما يتحاور مع طريدته بلغة البندقية، وعن مدى القلق الذي ينتابه لحظة تصويب بندقيته إلى مقتلها.. إذا لم تصب الطريدة في مقتل فقد تجرحها ثم لا تمسك بها، ولا تسل عن مرارة تأنيب الضمير الذي ينتابك حينذاك ، لذلك فعليك أن تركِّز على الرأس لأنه مقتل مضمون، ولكي لا تنتشر نكهة البارود في لحم الطريدة فتفسده عليك..

تأثر السائق بحديثه فأخذ يروي بعض تجاربه في الصيد ومغامراته عندما كان شاباً، أما الآن فقد ضعف بصري ولم أعد دقيقاً في التصويب.. قاطعه فجأة بقوله :

- أصمت.. أصمت، وتوقف في مكانك بهدوء.

- ولكننا لم نصل المدرسة بعد..

- يا أخي : توقف أعلم أننا لم نصل.. توقف السائق دون أن يعرف لماذا..

- ألم تر ذلك السرب من الحبارى ؟!

- لقد ضعف بصري، ألم أكن أشكو لك ذلك..

استخرج بندقيته من خلف المقعد، بينما ألزمتِ السائقَ الدهشةُ الصمتَ، حتى استجمع قواه ليقول : ولكن المدرسة لا تزال بعيدة وأخشى أن نتأخر.. قال وهو يضع غترته وعقاله عن رأسه..

- لا عليك سنلحق بالمدرسة في مكانها، أين ستذهب المدرسة ؟! انتظرني في مكانك دقائق فقط !!

زمَّ السائق شفتيه فيما يشبه الموافقة.. أخرج مع بندقية الصيد كيساً فيه حبالٌ صغيرة، وحزام وثوب رمادي، وبسرعة الصياد المتمرس استبدل بثوبه الأبيض الرمادي، وربط على وسطه الحزام، وقد تدلت منه سكين صغيرة.. انتضى بندقيته، واختفى عن عيني السائق بين الأشجار الكثيفة التي تغطي ضفة الوادي وتمتد إلى سفح الجبل..

كان يحدث نفسه : من محاسن زيارة المدارس أنها تتيح لي رؤية مواطن الصيد البكر التي لم أرها من قبل..

التف من خلف سرب الحبارى.. كان إذا تحدث عن صيد الحبارى يقول

لمستمعيه : مشكلة الحبارى دائماً أنك لا تستطيع أن تصطاد من مكانٍ واحدٍ أكثر من واحدة، فلك الطلقة الأولى، ولن تجدها بعد ذلك.. نجح في الالتفاف من خلف

الحبارى، وأصبحت في مرمى بندقيته التي لم تخذله يوماً، أسف كثيراً أن يصطاد واحدة فقط بينما تنجو مجموعة كبيرة.. قرَّر أن يسدد بندقيته باتجاه اثنتين متجاورتين، إنها تجربة مثيرة أن تصيب ثنتين برصاصة واحدة.. التصق بالصخرة التي يرقب الحبارى من

خلفها، صوَّب بندقيته باتجاه رسي اثنتين متجاورتين، كتم أنفاسه، استجمع سنوات خبرته الطويلة، إنها فرصة واحدة لا ثانية لها.. يالسوء الحظ صوت سيارة يقتحم سكون الوادي، رفع رأسه عن الصخرة قليلاً، السيارة تقترب، صوتها سينفِّر الحبارى، يا للمصادفة إنه المعلم الذي جئت لزيارته، هذه أولى الملحوظات، لن يصل المدرسة قبل نهاية الحصة الأولى، ليس هذا المهم الآن، سأنتظر حتى يتجاوز، ولكن الحبارى ستطير ولا وقت للمطاردة من جديد، يجب أن أنتظر..

عاد السكون إلى الوادي قرر أن يطلق ثم قال لنفسه : انتظرْ.. أطلقْ.. انتظرْ.. أطلقَ رصاصةً حملت معها تاريخاً طويلاً من مطاردة الصيد، أطلقها باتجاه رأسيهما..

جاوزتهما واستقرت في رأس السائق.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007