[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
يا ليلة العيد 
التاريخ:  القراءات:(6749) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  
تقلب في فراشه وقد استعصى عليه النوم، رفع رأسه يرمق صغاره الذين ناموا متأهبين للغد، وقد رتبوا ألعابهم وثيابهم الجديدة، لم يكن يدرك حقيقة شعوره تجاه فرحتهم بالعيد؛ هل يحسدهم على تلك الفرحة أم يشفق عليهم أن تبددها الأيام، فيمضي العيد يوماً دون أن يعبر إلى قلوبهم، التفت إلى الساعة الضوئية قبالة السرير، إنها الثانية صباحاً؛ ليتني أنام ساعات قبل الفجر، حاول استجلاب النوم فلم يفلح، ثنى الوسادة حول رأسه ليمنع عن أذنيه صوت الفرقعات التي يطلقها صغار القرية الذين قرروا أن يبدؤوا فرحة العيد..

من بين أطراف الوسادة كان ينظر إلى زوجته التي تغطُّ في نوم عميق بعد ليالٍ متتالية من الترتيب والتنظيف، وإعداد البيت والصغار ليوم العيد.. حتى أنتِ لا زلتِ تفرحين بالعيد، وبالفستان الجديد. هنيئاً لكم.. أما أنا فلن ألبس جديداً، إنه يومٌ كبقية الأيام لا يختلف عنها إلا أني أقف أمام أهل القرية فأقرأ الخطبة، وهم يستمعون بالدهشة ذاتها والملامح ذاتها والهموم ذاتها، التي أراها من على ذات المنبر كل يوم جمعة، خلال عشرين سنة أقف أمامهم وقد تجددت الهموم، وزادت الشعرات البيض في لحاهم، ورسمت السنون مزيداً من الخطوط على وجوههم، تنوعت همومهم ولكنها لم تنته يوماً.

عندما أجلس بين الخطبتين لا تخطئ عيني الرجل السبعيني الذي تزوج في موهنٍ من العمر فأنجب طفلين لم يبلغا معه السعي، ولم أنس شكواه أن العمر لم يعد يتسع للتربية والرعاية.. إلى جواره تماماً يجلس الراعي الذي ماتت زوجته منذ عامين، ولم يجد امرأة تقبله زوجاً، فهن يردن موظفاً ذا مال وبيت وسيارة، قالت إحداهن: سأتزوجك عندما تقتني سيارة، وتتعلم القيادة لنقضي مشاويرنا دون الحاجة إلى أحد.

إلى جوارهما يجلس صاحب الحواجب الثائرة، هكذا منذ عشرين سنة يحتبي بلحافه المخطط وينام مستغرقاً في أحلامه التي لا أظنها تخلو من مشاجرات مع جيرانه كما هو واقع حياته.. هكذا لم تتغير الوجوه.. برغم اختلاف الهموم..

في الصف الثاني يجلس ( الزوج الطيب ) سموه بذلك لأن زوجته تمتلك بوصلة رضاه وغضبه، وعلاقاته بأهل القرية، فيخاصم من تشاء ويصاحب من تشاء..

هكذا يجلس أهل القرية يستمعون الخطبة، كلٌّ قد شُغل بهمومه، حتى أنا برغم انفعالاتي الظاهرة فقد انشغلت عنهم بهمومي، فكلما ارتقيت المنبر انتابني شعور بالوحدة، فأرسل نظراتي إلى وجه أبي الذي يبدي تأثراً ورضاً عما يسمع، وجه أراه مختلفاً وأنا على المنبر، يفيض بالطمأنينة، أشعر وأنا أسارقه النظرات بطمانينة تتسلل إلى داخلي، ثم لا تلبث أن تبددها صورة المكان بدون وجهه المتسامح، خاطرٌ مخيف يعتادني منذ غاب جدي عن مجلسه في المسجد، وما كنت أتوجس غيابه.. منذ تلك اللحظة التي ارتقيت فيها المنبر فلم أرَ جدي يجلس إلى جوار أبي، تلبسني هاجس فقد أبي كلما ارتقيت المنبر..

أطلَقَ الوسادة المثنية حول رأسه، حاول الفرار من هاجس فقد أبيه، جلس في منتصف السرير، وقد شدَّ ركبتيه إلى صدره، أكلُّ هذا لأن العيد غداً ؟ أهذا العيد الذي كنت لا أنام شوقاً لنور صباحه ؟ حتى إذا صلى أبي الفجر وجدني خلفه، فلا يعجب فاليوم عيد، ثم لا تشرق الشمس حتى أكون قد لبست ثوبي الجديد واجتمعت بصبيان القرية، لم يكن يوماً واحداً بل أياماً تتصل بهجتها، كنا نردد مع الراديو: يا ليلة العيد آنستينا... فلم لم تؤنسيني الآن يا ليلة العيد.. آه ليتك تعود أيها العيد.. قالها وهو يغادر السرير ليُعدَّ خطبةً جديدةً لعيدٍ لا يرى فيه جديداً..

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007