[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
اشتعال الماء 
التاريخ:  القراءات:(7182) قراءة  التعليقات:(8) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : فهد المصبح  
السماء تمطر، والصباح يمد رداءه بتكاسل على جسد الأرض المنكمش .. رجلاي تبحثان عن دثار، وأنا أهذي بالصمت وأتسلل بأذني إلى الجالسين في دارنا يرتشفون القهوة بصوت يحفزني على ممارسة شيء كنت أشتهيه قبل حلول العيد .. التمرات الباردة تعالج نواتها أصابع الرجال، ثم تلوكها ممزوجة بالقهوة المرة .. كنت وقتها غير مستعد لأي شيء سوى الإنصات لحديثهم فلا أسمع إلا همهمات البداية وصراع الأفواه مع برودة الطقس المفعم بالهيل، ثم جاء الكلام متقطعا ، وازداد وضوحا من خالي وهو يقول :

ـ فهيد لابد يروح العمل .

ردّ أبي منـتشياً ودلة الرسلان تثقل يده :

ـ فهيد عند وجهك .

كانت الطاسة مملؤة بماء لم يقربه أحد في هذا الصباح الشتائي .. اكتشفت أنني لم أكن وحدي من يتنصت على حديثهم، عندما لمحت جدتي تلتصق بالباب وكأنها تعانقه، وفجأة قالت :

ـ فهيد صغيّر على الشغل .

أجابها والدي الذي لا يرفض طلبا لخالي :

ـ خليه يروح علشان يصير رجال .

ـ مكان العمل بعيد .

ـ رحيمة ماهي بعيدة بعد الدمام بشوي .

ـ أخاف عليه .

ـ لا تخافي معه خاله .

ثم حضرت السيارة التي لم تكن بحاجة إلى بوق يعلن عن وصولها، كانت الأيدي تمتد إلى داخلها لتضع لوازم السفر، ثم أُركبت مع ثلاثة يكبرونني سنا في حوضها المسيج بالحديد يغطيه شراع، وركب خالي في المقدمة إلى جوار رجل يدعى دواس لم أره من قبل .. ملأنا خالي حديثا عنه، فقد تزاملا في مهنة الجزارة، وفي الطريق والسيارة تقطع بنا المسافة بين الأحساء ورحيمة مررنا بشركة الإسمنت فبقيق فمفرق الظهران .. تزودنا بالوقود ثم انعطفنا يسارا إلى الدمام .. لم نتوقف بها بل واصلنا السير إلى سيهات فعنك فالقطيف فالقديح فالعوامية فصفوى، وقرى صغيرة مررنا بها ومحرك السيارة اللوري لا يكف عن الهدير .. كنت أتصنع النوم وأراقب الطريق من خلف عيوني المغمضة، لا أدري متى اختطفني النوم، رأيت فيه وجها عليه تجاعيد كخطي على دفتر الكتابة، ثم انتبهت على مدينة ساحلية صغيرة تجمع بين الريف والبادية .. تنتشر فيها الصنادق والعشش ولها رائحة الكاز .. كنت مسرورا بركوب السيارة التي لم أرها بعد ذلك حيث غصت في العمل المتواصل .. كل صباح وقبل بزوغ الشمس نحضر الأبقار من الحوش إلى المسلخ لذبحها، ثم نوزع اللحم على الجزارين ونعود مكدودين من التعب ملطخين بالدماء والأوساخ .. نستحم ثم ننام حتى الظهر وبعد الغداء نتسلم اللحم المتبقي نضعه في ثلاجة كبيرة أو نمر به على الحوانيت البعيدة، وفي المغرب نشحذ عدة الذبح ونرتبها في حرزها، ثم نتعشى وبعد سمر لا يطول ننام على أصوات البقر .. كان معي صبيان غير بارعين في العمل يساعداننا في العمل ويتعمدان عدم الإتقان كي يرتاحا من عناء السلخ، فالجلد يحرصون علية من الثقب، وأنا أحس بكوع خالي في جنبي كلما تقاعست أو أبديت مللا .. ذات مرة هرب ثور اضطررنا إلى ملاحقته حتى تم الإمساك به بعد عناء وعندما ذبحناه نفضنا جميعا وظل يهزّ المكان بشدة إلى أن استراح بالموت .. بعد ما اكتظت ذاكرتي بأيام الغربة وحنين يفري كبدي على الأهل والأصدقاء، دُس في جيبي حصيلة العمل من النقود وكانت ملابسي النظيفة تنتظر العودة وأنا مشتاق للأحساء وصوت جدتي الذي يأتيني من بعيد يحذرني من اللعب مع الأولاد السيئين، كنت أتعارك أحياناً مع أحدهم ينوي الشجار أو يفتعله، لكن خالي دائماً يـقف لهم بالمرصاد فأترك صحبتهم ولا أجد إلا البقر أبثه همومي فأجده صامتا يزيد من حزني على ما ينتظره في الغد، فابدأ بمحادثته أو ربما محادثة نفسي :

ـ ألا يمكن أن نحصل على اللحم دون ذبح ؟

ـ لو قمت بتهريب الأبقار أين أخبئها ؟

صارت الأبقار لا تفزع مني وتسلمني جسدها طائعة فيزيد ذلك من عذابي .. كل يوم أذهب بواحدة فلا تعود مرة أخرى .. عندما يسمع خالي حديثي عن البقر يبتسم ويقول :

ـ البقر خلق لهذا .. أترك عنك هذه الأوهام ترى المدرسة قريبة ونعود إلى الأهل .

أفرح وعندما أهم بالانصراف ينادي علي قائلا :

ـ هل وجدت بقرة تذهب إلى المدرسة ؟

لا أجيبه بل أقلّب كلامه في داخلي فلا أجده إلا في المسلخ ذلك المكان البارد المبتل على الدوام ورائحة الدماء تفوح منه رغم تنظيفه يوميا، بعد أن يحاصرني الهم أهرب إليهم أشاهدهم في الحوش يعتلفون البرسيم بصمت .. ذات مرة سمعت صوتا ما حسبته أحد الأولاد يتعقبني، زحفت بحذر نحو مصدر الحركة، ووجدت نفسي فجأة أمام فتاة طويلة يكاد شعرها يلمس الأرض، كنت مقعيا تحت أقدامها وهي تساعدني على النهوض فاستجيب ولا أصل فتنحني أكثر حتى تغمرني نعومة صدرها .. أتحمس وأطوق عنقها فتستريح إلى جانبي على الأرض الباردة وأنفاسنا الحارة تملؤنا دفئا .. بعد أن أتمكن منها أجد خالي قائما على رأسي مستعدا لشيء تأصل فيه، وقبل أن أبادره بالقول المتعثر في حلقي يكون قد أكب على المسكينة وسفك دمها بسكين شحذتها بنفسي قبل منامي .

تقفز إلى ذهني تحذيرات جدتي من تعاطي الذبح، وقبل أن تبدأ المدرسة أكون مستعدا لدرس الرسم الذي أفرغ فيه ما لم أقم به .. ذات مرة طلب مني المدرس التعبير عما رسمته فرويت قصة رحيمة دون أن اذكر الفتاة التي لم أقطع بعد هل كانت في المنام أم في اليقظة، وحتى خالي الذي أصبح مسنا وغير قادر على الحركة لم يفدني بشيء، وذبلت الصورة في مخيلتي أمام العمر الذي كان يسير بسرعة مع شعيرات بيض أخذت تزحف بي نحو الغروب وقدماي تتعثران في طريقها إلى المقبرة أدفع كرسيا متحركا يحتله خالي في شيخوخته .. بعد قراءة السلام والفاتحة على الأموات سمعت صوتا يناديني .. تركت خالي عند السور وتقدمت نحوه لأجدها أمامي كما رأيتها قبل ثلاثين سنة لم يتغير فيها شيء .. كانت تردد :

ـ اليوم فقط رأيت الراحة .

وقبل أن تلتصق بي فررت هاربا وأنا أبسمل وأتلفت خلفي حتى اصطدمت بشخص فولاذي يشبه خالي في شبابه، كان يحمل سكينا وينادي على بقرة ضالة، ولما رجعت إلى الكرسي المتحرك وجدته خاليا .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007