[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
النخيل التي ليست في الحدائق 
التاريخ:  القراءات:(15389) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  
- 1 -

اليوم : قصير ، كحبة رمل . و هو : حلم أبيض ، و كوابيس .

الحلم :

سرت جوف تعرجات الشارع الصغير في القرية : وسط خلود الأبواب الخشبية المصبوغة بالأشواك و الحلقات و الأتربة و الغبار و الأطفال و الطنين و البهائم و العجائز ، و أوراق الأشجار . الشمس تفضح الهواء ، فيتساقط الرمل في العيون و الأفواه ، و يتعالى ضجيج الغبار . يفتح فمه شيخ ، فيتراكض الدجاج متعثراً بأرجل الأولاد ، و تختفي حشرات في شقوق جدران قديمة . اسمع المؤذن ، فيدب مسنون يتحسسون جذوع الجدران ، و يختفون بهدوء كالظل . و تتمايل أشجار طويلة ، و تبرق قمم النخيل الطويلة في وهج الشمس ، ارفع عيني إلى فرع النخلة : فتتساقط الشمس و العسب كأذرع الفقراء . أتسلق النخلة ، فيتراكض الأولاد و يتحلقون حول الجذع . أرين وسط الشوك و الخوص اليابس ، و أبحث في الأرجاء ، و أعصر الشوك و العذوق و الخوص ، ثم أرين في قلب النخلة .

تشرع أيدي الأطفال تمتد : تخرج يد كل طفل من فمه ، و تمتد ، و تطول ، و تطول ، تبحث في الأرجاء ، تعصر الشوك و العذوق والخوص ، تتلاقى الأيدي متحلقة حول قلب النخلة : تتحسسه ، و أتحسس قلبي ، و يد كل طفل على قلبه ، ثم تغوص الأيدي الأخرى في قلب النخلة : يجأر مسن ، و يفرك عينيه الداكنتين ، و يتحسس عصاه ، و يتكوم في الظل ، و تتهاطل شظايا من الماء من أوراق النخلة ، تسقط فوق الأطفال ، ممتزجة بشعورهم و عيونهم و ترابهم و أفواههم و لعابهم ، و أيديهم ، و تسيل فوق صدورهم ، تصل إلى أقدامهم ، و تختلط بالأشواك و الغبار و الروث و الأوراق اليابسة ، و ضياء الشمس .

و أيدي الأطفال تنتقل إلى النخلة المجاورة : تتشقق التربة من تحت أقدامهم عن فسائل صغيرة ، كعددهم : تتحلق ، و لها ظلال ؛ و مسن يتحسس عصاه في الظل ، يتثاءب و يحمد الله ، ثم يغفو . أرفع عيني إلى النخيل ، و أملأ جيوبي بالبلح الأحمر و الأصفر ، ثم استمع إلى صوت غناء .

الكوابيس :

في الشارع الصغير ، و الأبواب الخشبية المصبوغة : المتلاصقة ، و الباهتة ، كجلسة المسنين في شمس الشتاء و الريح ؛ طرقت باب صديقي ، و انطلقنا ـ كثيرين ـ من الأزقة و الأتربة و الغبار والشقوق ، إلى ملعب القرية : قال واحد :

- مدرستنا رديئة ، الأطفال لا يعرفون شيئاً .

فرد آخر :

- لقد صليت العصر في المسجد ، و سمعت الإمام يقول : سيصلنا بالمدينة خط إسفلت .

فصرخ آخر :

- أوه .. نخيل .. إسفلت .. هيا إلى النادي فموعد المباراة قد جاء .

فتعالت الصيحات : و امتزجت برؤوسنا و عيوننا و أيدينا ، و سالت فوق صدورنا إلى أقدامنا ، و اختلطت بالتراب و الغبار و الأرجل ، و ضياء الشمس .

و فيما أرجلنا تركض إلى النادي المجاور : تشققت التربة من تحت أقدامنا عن : أعشاب قميئة كالقنافذ ، ثم أخذت تتزاحف إلى الجدران و الأزقة و النخيل و الآبار ، و أنا أملأ جيوبي من بلح الأحزان ، و نخيل تتراكض متعثرة بالعشب ، و تختفي في الأزقة و الأتربة و شقوق الجدران .

- 2 -

الليل : ليس طويلاً كالطرق ، و هو حلم أبيض ، و كوابيس .

الحلم و الكوابيس :

(الرياض) غيمة ضوء كالشراشف ، و الليل ناصع كالموتى ، و أنا أركض في شارع فسيح ؛ أتوقف عند عصارة ، و أجد صديقاً لي :

- عصير ؟

- شكراً شربت كأسين من الأحزان الآن .

- أجنبي ؟

- وطني .. ذلك النوع الأسود .

- هل أكلت ( سندويشا) من الحزن المجمد ؟

و قال لي : لقد تعفنت أحزاني ، فأنا أرص أحزاني كل ليلة ، و أنا عائد إلى النوم ، لقد امتلأت غرفتي : كومتها مع الملابس ، و ملأت الأحذية ، و الحمام ، و فراشي ، ضحك ثم قال : في الصباح استيقظ و هي تتعلق بشعري كالدبابيس ، أجدها في عيوني ، و في ملابسي ، و تحت أظافري ، و فوق جلدي ؛ و عندما أخرج فإنني أداري أن يروها فيؤذونني ، و قد حلقت شعري حتى لا تتعلق به ، و كم ازدردت منها الكثير ، و قال مدرس لي في الجامعة : ما هذه البقع فوق دفاترك ؟ فقلت : المنزل و القطط و الفئران .. يا أستاذ ، و لم يكد يرى ما في عيني من البقع الكثيرة ، أو البقع الكثيرة في عيونه ، و عيون الطلاب و دفاترهم و أقلامهم و أفواههم ، لم يكونوا يرونها ، بقع في الأبواب والشبابيك و الممرات و الحديقة و فوق كرسي الحارس و المطعم و مكتبة الجامعة و الرصيف . و زها طالب بالنظافة و الماء و الصابون ، فقال المدرس : النظافة من الإيمان : و تلاصقت كلماته كالصابون و هو يقول : سأوصي بترشيح زميلكم هذا كطالب مثالي في النظافة في لوحة الشرف ، و قال : إن النظافة مطلب حضاري لنا ، و عليكم أن تهتموا بهندامكم و مظهركم ، فالمياه مجانية ، و وزارة التجارة حافظت منذ سنوات على استقرار أسعار الصابون ، و المغاسل و الغسالات و الغسالون أكثر حتى من الشوارع و السيارات ، فواجب المواطن أن يتعاون مع البلدية لإظهار مدينته بالمظهر اللائق أمام الأجانب و الزوار .

و طلبت ( سندويشاً ) فلفه البائع في ورق رهيف أبيض ، و دسه في كيس كالإصبع ، و لم ينظر إليّ و هو يمد الكيس ، و يده كالمخلب ، تمتشق ما في يدي ، و صرخات الإسفلت تتعالى كالسيارات ، و نحن ننحدر في شارع ضيق يزدحم بالظلمة و البراميل و الكراتين و أكوام الرمل و القطط و المياه ، إلى شارع فسيح له أضواء و أرصفة كالنمل ، يتكدس فيها رجال يتراصون ، يعرضون أحزانهم على هيئة : أقفال و مفاتيح سيارات و مسامير ، و جبب عسكرية قديمة و أحذية و جوارب صغيرة بائسة ، و مساويك ، و زجاجات عطور صغيرة في صناديق بنية ، و مسجلات ، و ساعات جديدة و مستعملة ، و طوابع ، و خواتم و مسابح و خرز ، و أقلام جافة … فقال رجل له لحية بيضاء طويلة ، و وجهه داكن كالتربة ، و طويل كلحيته :

- نستفتح بكم .. هه.. الواحد بريال ونصف .

ضحكنا معه ، و سألناه ، فأخذ يرفع رأسه ، و هو يقول :

- أعمل في الوزارة .. في مكتب المدير ، المدير لا يشرب إلا القهوة التي أعملها . مرضت يوماً ، و غبت عن العمل ، فغضب المدير .. أتدري أنني لم أتقهو أمس ؟ نعم . ضحك من قلبه و لحيته ، و قال :

- نعم .. هذا ولدي يدرس في الصباح .. و يساعدني في المساء .

أخذنا منه دفتري مذكرات صغيرين كالأظافر ، و مضينا نتخلل الرصيف و الأكوام إلى باحة يتكدس فيها يمانيون و باكستان و غرباء و مطاعم و مقاه و ضجيج . سيارات صغيرة تقف ، يجلس أصحابها فيها ، لا ينزلون ، فيتراكض الواقفون و يغطون السيارة من كل الجهات ، و الكل يصرخ بأعلى صوته و يديه و أكتافه : (( أنا يا عمي ، أنا )) ، يختار صاحب السيارة واحداً أو اثنين ، أو لا يختار ثم يقفل زجاج سيارته ، تنفض السيارة الأكوام التي تغطيها ، و تغادر كالغبار .. فيتماوج الرجال بأيديهم و عيونهم ، أو ضحكات صغيرة يطلقونها ، أو يضرب بعضهم كتف الآخر ، أو يتشاتمون ، و يتبادلون سجائر (( الروثمن )) ، أو يضعون أيديهم في جيوبهم ، أو يقفون ، أو يجلسون تحت الأضواء .. تتهاطل شظايا من الضوء و الغبار فوق رؤوسهم ، و تتخلل شعورهم و عيونهم و أيديهم الغليظة و أفواههم و تختلط بعرقهم ، فيسيل فوق الصدور والأرجل ، و يتجمع بقعاً كبيرة تسيل من الأرصفة ، و تنحدر فوق الإسفلت ، و تختلط بعجلات السيارات ، و تنساب إلى مجرى منخفض مشكلة بركة كبيرة : خضراء داكنة ممتلئة بالكراتين و الأشياء ، فتأتي سيارة سوداء كبيرة تحمل برميلاً ضخماً كالقفص و في مؤخرته ( ماطور) صغير ينزل رجل لا شعر في وجهه المربع ، و عيناه الضيقتان الممطوطتان ، يدلي بخرطوم السيارة في البركة ، و يدير الماطور ، يمتلئ برميل السيارة الضخم ، و هي تذهب تقف مكانها سيارة ضخمة لها صندوق فمه الواسع من الخلف ، و به لسان كآنية ضخمة ، يقذف رجال بالأشياء و الكراتين فوقه فيخفيها ، و تغادر السيارة .. بعد قليل تقبل سيارة صغيرة ينطلق من صندوقها عمود من الغيوم الكثيفة البيضاء على الناس و الدكاكين و البرك و المستنقعات ، و لا تتوقف في سيرها المتمهل حتى تختفي .

قال صديقي :

- إلى أين نذهب ؟

- هل تريد أن تنام ؟

- لا .

- إننا نمشي في هذه الشوارع الفسيحة .

و كنا قد مشينا هذه الشوارع مئات المرات ، و المحلات تقفل أبوابها ، أو تفتحها ، و الأضواء تتلألأ كالسيارات و الزجاج و الكاميرات .. و المياه تنحدر من الأرصفة و تسيل مع الإسفلت و العجلات ، و تذهب إلى الحفر ، و تتجمع حيث تحملها السيارات خارج المدينة . طرقنا باب صديق لنا ، فقال الباب ، أو شيء خلفه : لا أدري أين هو .. فيما أرجلنا تخوض في ماء يتسلل من تحت الباب ، و يتجه إلى حيث تتعانق مياه أخرى تتسلل من تحت الأبواب ، و تتجمع في برك صغيرة في الشارع الضيق المملوء بالغبار و براميل القمامة .. و أغصان البرسيم المتناثرة .. و الأعقاب الطافية . الأبواب تحدودب ، أو تخفي شيئاً ما عن أنوار صغيرة صفراء و باهتة معلقة في الزوايا الطينية .. فقلنا لعل صديقنا قد سال مع هذه المياه . فزعنا و نحن نشاهد السيارة القفصية البرميلة الكبيرة ، تقف في منعطف الشارع ، تحت ضوء أبيض كبير ، حيث تتجمع المياه ، و تغمس خرطومها فيها ، اتجهنا إليها لنغرف صديقنا من المياه قبل أن تشربه السيارة .. امتصت السيارة المياه ، و طوت خرطومها ، وغادرت قبل أن نصل ، ركضنا خلفها ، و لمحنا رؤوساً كثيرة ، و عيوناً ، و أيدٍ ، تطل من فتحة برميلها القفصي ، و كأنها تبكي .. و كأنها تشبه أصدقاء كثيرين ، كالأبواب الصغيرة ، و أطفال الحارات الطينية ، و الطلاب .. ابتعدت السيارة ، و فم خرطومها ينفتح نحونا ككهف ، توقفنا ، ثم استدرنا نخوض في الحارة .. سمعنا دوياً حيث ذهبت السيارة ، و بدا أنه قد أخذت ترتفع أضواء كثيرة ، و سحب تنطلق ، كثيفة نحونا تقترب ، و تدخل من نوافذ البيوت و شقوقها ، و أبوابها ، و تفوح روائحها التي تشبه الخبز و الشواء .. الضوء يغمرنا ، و يغمر البيوت المتراصة .. تنفتح الأبواب و سيول من الماء والعرق و الأيدي و الأرجل و العيون المتربة الصغيرة : بنات و بنين ؛ رجال يشدون محازمهم ، و أيديهم تخرج من الجدران ، و تتهاطل من السحب و الضوء ، تتجه السيول إلى الشارع الفسح ، تغمر السيارات و العمائر والبنوك و الشركات ، يفزع أناس ، و تتمايل عمائر ضخمة ، و تنطفئ أنوار ، و تشتعل أشياء ، و زجاج يتهشم ، أقول لصديقي ، و نحن نتدفق مع السيل ، مسرعين إلى الشارع الفسيح :

- لنتقدم ..بسرعة .

يتضاحك كالسيل ، و هو يقول لي :

- لنذهب في هذه الناحية .. ستغمر السيول غرفتي ، و ستكون نظيفة .. سنمر بها ، ثم ننطلق إلى الجامعة .

- 3 -

اليـوم :

رحب ، و مسافر ، كالأفق والأحلام ،

و الليل : مشع ، كالألوان ، و العيون ، و الأحزان ،

رفعت عينيّ إلى نخيل الحارات ، و ملأت جيوبي بالأمطار والصحراء ، و انطلقت : أغني كالأعشاب .

حائل ـ قصر العشروات 1/1/1979م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007