[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
امرأة التوت تلويحات الورد.. نصوص قصصية حديثة جدا ..
التاريخ:الخميس 16 سبتمبر 2004  القراءات:(5178) قراءة  التعليقات:(40) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
حين أصبح الظل شاحبا ، والشمس تكنس ما تبقى من دفء ، جاء هذا الشرطى من قلب المدينة ، ووقف أمام المرأة مغتاظا ، تأمل جمال ساقيها المفرودتين حول طبق نحاسى كبير يحوى حبات التوت البرى .

كانت المرأة شابة فى منتصف العشرين من عمرها ، رائعة الجمال، لدنة العود ، عفية الجسد فى اتزان لايغيب عن فطنة الزبائن . حدجها بنظرة عدائية ، وأشار لها أ ن تمضى إلى مكان آخر غير هذا ، فلما استمهلته أن تظل فى مجلسها حتى تبيع ما تبقى ، وتعود إلىوالدتها المقعدة فى البيت ، زغر لها ، وبانت أسنانه الصفراء أثر . ردد بلهجة تخلو من أى تنازل : قومى من هنا . هنا أرزاق ناس .

فلما أخبرته أنها استسمحتهم بالجلوس ، توردت عروقه النافرة حتى جحظت عيناه : لكنك لم تستسمحى الحكومة !

أمرأة التوت لم تفقد الأمل فى أن يتركها الشرطى ، خاصة أنه مثلها فقير ، غلبان ، على الحديدة ، لذلك مدت يدها ببعض التوت الأسود اللذيذ : تفضل يا شويش . غيّر ريقك .

شد عوده النحيف ، مزمجرا كوحش، وقد ضج بالغضب : أتقدمين لى رشوة ؟ قومى بسرعة .

جاء شاب عفى يركب دراجة ، بأفرول عليه آثار شحم ، وأراد أن يحتوى الموقف ، اقترب من الشرطى ، وربت على كتفه : أتركها يا شاويش، والثواب عند الله !

جحظت عيناه أكثر ، وقد كثر الناس ليستفسروا الأمر : النظام نظام . لم يخرب بيتنا سوى الفوضى . هيا يامواطن

كانت المرأة رغم فقرها المدقع صبوحة الوجه ، لها طابع الحسن فى نهاية ذقنها ، وكانت فى غاية الحشمة ، فهى تلبس فستانا واسعا ، ومن تحته بنطال من الصوف ، غير أن رقتها البالغة هى التى هيجت الشويش ، وذكرته أنه فى الثلاثين ولم يتزوج بعد ، فمن أين له بتكاليف الزواج ، والمهر ، ومقدم الصداق ؟

كل ذلك كان يدور فى رأسه وهو مقبل على السوق الحاشد ليقضى نوبتجيته . كان من الممكن أن يتغاضى عن جلوس المرأة ، فهى لن تزعج الدنيا بجلوسها ، لكنه شعر بالمهانة المفرطة ، وكل مفاتن الدنيا تطل من تلك العينين النضاحتين بالرقة ، فقرر أن ينتقم لنفسه : لانريد مشاكل . وجودك مستحيل ، وعلى جثتى لو بقيت .

استسلمت المرأة للأمر ، إذ نهضت من مكانها ، وبدأت تتهيأ لرفع الوعاء النحاسى على رأسها .

لم يعرف أحد من المارة كيف نزل الشاب عن دراجته ، وأمسك بتلابيب الشرطى : والله لن تقوم ، وأنا أو أنت.

ارتج القول على الشرطى خاصة وأن الكاب الكاكى الذى يضعه على رأسه وقع على الأرض ، تفحص الوجوه المترقبة ، طلع صوته المختنق : شرف الحكومة على الأرض . هذه جنحة .

كان الشاب مفتول العضلات ، ويده تحمل آثار العمل اليدوى المرهق ،عاجله بلكمة محسوبة : اجعلها إذن جناية .

تدخل أ ولاد الحلال ، وحجزّوا ما بين الشرطى المضروب ، والشاب العفى . وجاء عجوز كان يرقب المشهد كله : دعها يا شاويش ، وحقك على ّ.

ثم قبّل رأسه العرقانة ، وطيب خاطره : مسكينة !!

بصعوبة رد والزحام يشتد : من أجلك أنت ، أما هذا الشاب فسوف تسجنه الحكومة ، ولن أتركه .

هز الشويش رأسه حانقا ، وهو يكبس الكاب على رأسه ، ويمسح شاربه الكث بيده ، أما امرأة التوت ، فقد جلست فى مكانها من جديد ، وأرسلت ابتسامة ساحرة للشاب الذى ركب دراجته فى هدوء ، دون أن يلتفت خلفه ، ومضى فى اتجاه الشمس الغاربة !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007