[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
التوترات 
التاريخ:الثلاثاء 31 اغسطس 2004  القراءات:(8323) قراءة  التعليقات:(7) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  
في البدء:

بين آخر الليل وأول النهار خيط لا يُرى يتيح لنا المشي بأمان.

الصباح يشبه المساء والجو يغيم ويمطر.. الأرض مُصابة باللين والذباب مُختبئ في أماكن مجهولة يتحفز للمستنقعات الصغيرة التي تحيا وتموت.. كنت في غرفتي مذبوحاً بالجلوس والتلفزيون يعرض ندوة عن التناظر في الخنافس..بدت الخنافس تلك الكائنات البشعة وهي مقلوبة على الشاشة على ظهرها كريهة أكثر مما ينبغي.. كنت أتخيلها تسخر مني وتقبض على وجهي بقوائمها فاشعر بالقيء يزحف مسرعاً في مريئي..

فكرة الخروج من الغرفة والمشي على الأرض المريضة لم تتعد ساقي العاريتين المهملتين على طرف السرير ولكنها تكبر في رأسي المرفوع عن مستوى جسدي بمخدة أشبه بكرة مستطيلة مصنوعة من الطين، فإذا سقط رأسي عليها تقعر وسطها وظل بعد قلبها وضغطي عليها بيدي في الليلة التالية..

عطست فخرجت الأبخرة المحتقنة في رأسي.. شعرت بارتياح نسبي بعد الهزة التي رجّت جسدي وأنا ممدد على السرير.. انتهت ندوة التناظر في الكائنات الحية وأخفى مخرج التلفزيون أوجه المُتحاورين ونماذجهم ووسائلهم التوضيحية فجاء وجه المذيعة الحسناء يحتل الشاشة كلها.. كانت جميلة أكثر مما أحتمل.. أفرزت بعض أعضائي إنزيمات معينة ولكن نفسي كانت تتهم الكبد والبنكرياس بالذات.. طردني وجه المذيعة من الغرفة مثل نملة مستطلعة..

فتحت الباب الخارجي للمنزل وسرب ذباب منطلق إلى أحد المستنقعات يئزّ أمام وجهي.. عادة وضع براميل القمامة يمين الأبواب الخارجية للمنازل منتشرة في البلدة والخادمات الأجنبيات يتلهفن لرمي الأوساخ فيها بتفان مشبوه وعمال النظافة ببذلاتهم البرتقالية ذات الخط الأزرق الواحد يتمركزون في الصباح الباكر حول المنازل المسكونة بالخادمات ومكانسهم تروح وتجئ في بقع محددة وينظرون إلى الأبواب من زوايا محددة لمدة طويلة.. المطر حال بينهم وبين تأدية واجباتهم العاطفية وسمح للذباب أن يأكل بارتياح..

كان الجو معبئاً برطوبة خفيفة ساعدت في انتظام تنفسي فالحساسية كانت ولا تزال تسكن في أنفي وصدري..

مشيت وصورتها تعبث بتكوين نفسي.. لم أكن راغباً في المشي ولا قادراً عليه ولكنني وجدت نفسي أمشي.. كانت الذكرى وحدها تجعلني أكثر توتراً.. أخذ الطين يلون ذيل ثوبي والسيارات ترشني بمبيد المستنقعات فتتوزع نقط بنية تميل إلى السواد تيبس بسرعة على ثوبي وينال بعضها وجهي.. لم أكن اعمل شيئاً غير المسح والمشي والتذكر..

طلعت الشمس وغابت.. حلّ الظلام ورحل.. صحت الأرض وجفّ المطر من وجوه الخلق ومن شعور الأطفال وتبدلت الثياب فحككت بقع الطين اليابسة فحتّت من على ثوبي إلى الرصيف..

القلق رجع إلى أيدي الخادمات فأخذن يفتحن الأبواب ويغلقنها وعمال النظافة ينزرعون في الشوارع كألغام بشرية وبذلاتهم تنظف وتُكوى بعناية وأنا أمشي وليس في يدي عنوان وذاكرتي خالية من الأسماء.. وجه واحد كان يطوف في عقلي بسرعة وانتظام والمعدة صارت تشارك الكبد والبنكرياس في الإفراز..

الجوع جعلني أُسند رأسي إلى الجدران وأضع يداً على جبهتي وأُخرى على ركبتي.. اصطدت أحدهم يلوح لها بمكنسته وهي ترد عليه بخض برميل قمامة صغير مثقب في الهواء بيدها وتبتسم.. غابت ثم جاءت له بماء وفاكهة وشرع يأكل من الفاكهة ومن عيونها التي تطل من الشق الضيق وتمددت المكنسة بجانبه على الأرض..

شظى الحسد جلدي ولكني خرست للتوتر يفجر أنزيمات جديدة توحش وجهي..انطويت على نفسي كقشور موز صفراء.. تمنيت أن آكل مثله من العيون فقط.. وفكرت أن أستعير بذلته وألوح لها بمكنسته.. فكرت حتى نامت أعضائي في الشارع المتشافي لتوه وحلمت أنني أمشي..

صحوت في غرفتي.. رفعت رأسي عن المخدة وبقي قالبه فيها.. ثنيت رجلي أُفرغ التعب من ساقي المهملتين العاريتين.. قمت وفتحت التلفزيون مُتثائباً أريد معرفة أخبار العالم.. أنحذف وحهها الجميل أمام عيني الدائختين ليطردني من الغرفة أمشي مثل نملة مستطلعة.....

الاثنين 9/8/1993م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007