[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ثالثهما القمر فقط : للأطفال المبهورين .. أمثالي!!
التاريخ:  القراءات:(7095) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد فالح الجهني  

 

-       "ما سر البابين الجديدين لدار حامد القديمة ؟"

-       "يقال أن زوج العروس قد اكتراها ."

-       "العروس ؟!!"

-       "أتى بها زوجها من البادية …"

-       "…"

-       " … "

 

* * *

هذا المساء، ولأول مرّة، يُغيّران - مُجبرين - طريقهما إلى ضفة الوادي، ويضطران إلى الالتفاف حول دار "حامد" القديمة؛ فقد أقيم بابان جديدان- مغلقان هذا المساء بإحكام- للدار القديمة المعزولة في غرب القرية. قبل أيام معدودة، كانا يمرّان عبر ثلمتين متناظرتين في فناء الدار المهجورة.

مياه السيل المنحدرة من الجبال العالية في الشمال عبرت جنوبا إلى البحر بعد الشتاء وأمطاره الغزيرة هذه العام. بدا غور الوادي طيني موحل، برزت في وسطه نتوءات صخرية ملساء. ربما لا يلحظان هذه الأيام روعة المكان، لكنها  تصوغ على الشفاه الصغيرة .. أحاديث بريئة لا تنتهي.

على الضفة المقابلة من الوادي، ما تزال الأرض ندّية من أثر المطر، تبدو التربة حمراء لامعة، كما لو كانت تزمهرّ من تحت أعشاب الربيع. البادية يصرّفون شؤون حياتهم في مساء ربيعي سعيد؛ الأطفال يمرحون بنشاط، النساء يُهيأن الأغنام للحلب ثم الهد إلى الحظائر. الرعاة ينيخون إبلا خماصا. الرجال يبدءون بالتجمّع؛ يوقد أحدهم نارا ويلقي فيها كمية من أحطاب السمر، يعدّ آخر أنية القهوة العربية، يحمّص ثالث حبات القهوة، يسحق رابع حبات الهال، وآخرون يتناوبون قدح الزند لإشعال لفائف التنباك.

ثغاء  الأغنام ..ضحكات الأطفال .. قهقهات الرجال .. هتاف  البدويات الناعم …  الرائحة الفواحة للسمر المحترق ... قليل من رائحة القهوة العربية بحب الهال … مزيج ساحر تنشره النسمات الخفيفة في كل اتجاه، يصل إلى حواسهما مع دفء الربيع ورطوبته، يمسي المزيج وقوداً يحفّز الشفاه الصغيرة لاجترار المزيد من الأحاديث البريئة التي لا تنتهي...

* * *

في طريق عودتهما وجدا الباب، الذي أقيم في مكان الثُلمة الغربية لدار "حامد"، مفتوحاً على مصراعيه، وبدا الباب المقابل كذلك… أغراهما الوضع بالعبور كما اعتادا قبل إقامة البابين.

-   "تعالا !".   كان صوت العروس حاداً كما لو كان يلسع الآذان لسعاً. تجمّدا للحظة، فكّرا خلالها: هل ينكصان هربا من الباب الذي دخلا الدار من خلاله، أم يندفعان بكل ما أوتيا من سرعة وخفة إلى باب الدار المقابل؟ ….

-   "لا تخافا !". نَظَرَا للحظة خاطفة إلى بعضهما، ثم انحرفا إليها يمينا حيث جلست على بساط مقلّم، متأهبة كأنما تنتظر عزيزاً.

-   "اشربا شاي !". مدّت إليهما فنجانين مملوءين سلفا، لا يعلمان لمن ملأتهما أصلاً. تردّدا، ثم تناولا الفنجانين…وأخذا يتأمّلان العروس...

" هذه ليست عروس! كأنها في سنّي! أنا أطول منها! يا الله!! لثّتها برتقالية كاللهب! كم هي سمراء في هذا الجلباب القطني الأخضر، هل الجلباب فضفاض أم أن ذلك راجع لنحولها المفرط! ". دارت أفكار من هذا القبيل في حِجْريهما معاً، دون أن يتكلما، في الوقت الذي أخذا يتابعان فيه حركة  العروس شديدة الإيحاء.

تكنس البساط بحيويّة بالغة. تملأ إبريقا بالماء، تنحيّه جانباً. تلتقط الأعواد والأوراق الجافة المتناثرة على أرضية الفناء، ترمي بها خلف جدار الدار القصير. تدخل الحجرة الوحيدة الباقية من حجرات  الدار، تخرج منها حاملة بعناء مفرشين قطنيين. تفرد المفرشين متجاورتين على البساط. تعود بنفس الهمة وذات النشاط. تُحضر وسادتين وغطاء، تطرح الوسادتين فوق المفرشين، تنسّق المفرشين وتغطيهما إلى منتصفهما. تُسابق غروب الشمس، وتستقبل الليل  بإشعال فانوس كيروسين. تضبط ذبالة الفانوس بهدوء واهتمام، كأنما تهيؤه لليلة طويلة. تغلق الباب الغربي ويبقى الباب الشرقي مُشرعاً …

* * *

-        "مساء الخير !". صوت العروس الحاد يتناقض كلية مع غلظة صوت الزوج، الذي دخل في هذه اللحظة من الباب الشرقي.

 ثوبه الممور ببقايا العرق، رغم الربيع، يدل على أنه يمارس عمل بدني مرهق. أكمام جلبابه حاسرة عن ذراعين طويلتين، شماغه مهترئ ومكوّم على رأسه بلا أدنى تنسيق. ناول عروسه مذياعا وكيسا من الخوص كان يحملهما. وضعت المذياع على إحدى الوسادتين، ونحّت الكيس جانباً. انسجام لا تخطئه العين ولا يفوت الإحساس، يدثّر حياة هذين الزوجين المتناقضين ظاهريا.

مسح الزوج – بمودة - على رأسيهما، مال بهامته الطويلة إلى العروس.. همست في أذنه، وهو ينظر إليهما بابتسامة تخفف قليلاً من صرامة ملامحه.

هالتهما العروق شديدة البروز المنحدرة من جبهته إلى رقبته إلى أطرافه. لم يشكّا أن همس العروس يدور حولهما.

-        "نصلّي يا رجال ؟!". اصطفا خلفه، بعد أن توضأ هو وحده من الإبريق.. وحين قضوا الصلاة، كان الليل قد تمكّن من الأرض.

تناول الكيس وأخرج منه رغيفا ما زال دافئا.. شطر الرغيف إلى شلوين، ناول كل من الضيفين شلواً. تناول الضيفان الشلوين بنفس الخجل الذي أسكتهما منذ دخولهما الدار هذا المساء، ربّت على أكتافهما بحنو بالغ ...

-                      "بالتأكيد أن أميكما في غاية القلق الآن!". قالها الزوج معلنا نهاية الزيارة.

* * *

فور خروجهما من الباب الشرقي، اندفعا نحو البيوت، بصمت وأنفاس متسارعة، يجريان جنبا إلى جنب، بدون أن يلتفت أحدهما نحو الآخر،  وبكل ما أوتيا من سرعة ..

بدا قمر أواخر الشهر بازغاً أمامهما، نوره خافت، وحالم في نفس الوقت. .عندما يصل كل منهما إلى دار أمه، سينام على الفور، ككل الصبيان المنهكين. بينما سيسامر القمر،  سماء القرية الصافية ..طوال الليل.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007