[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نوافذ وأبواب 
التاريخ:  القراءات:(7133) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد فالح الجهني  

( 1 )

بالكاد أرى تربة الشارع الضيق وما خالطها من صفائح وأغطية مشروبات وأعقاب سجائر ومسامير وروث ماشية وأشياء أخرى. رطوبة ودفء يملآن الشارع. صوت الإمام مازال يتناهى إلى أذنيّ، لكنه يتضاءل كلما واصلت المسير نحو المنزل، وبالمقابل ترتفع أصوات الحشرات الليلية. أشعر بارتياح عميق كلما رفعت بصري ألتقط، من بين الجدران القائمة على جانبي الشارع، ضوء النجوم المسافر منذ ملايين السنين.

اصطدمت بصندوق خشبي، وبدلا من أن أزيحه أو أتجاوزه، اعتلوته بخفة، لتكون عيناي الفضوليتان بمستوى نافذة الدار الخلفية.      

 

- 2 -

في تلك اللحظة دَخَلت، من الباب المقابل للنافذة، أصغر الثلاث، حاملة طبقا صفت عليه أربعة كؤوس. بدت لي الصغيرة في مثل سني. وزّعت الصغيرة كؤوس المشروب الرمضاني على جميع الجالسات، بدءً بالأم المنشغلة في نسج قطعة صوفية، لتمر على شقيقتها التي تكبرها في وسط الغرفة قاطعة عليها لعبة الحصى المنتشرة بين بنات الحارة، ثم تصل إلى الشقيقة الكبيرة المستندة على الجدار الأيمن للحجرة منهمكة في قراءة مجموعة من القصص المصوّرة، ثم تأخذ الصغيرة لنفسها الكأس الرابعة، وتضع الطبق جانبا. كسا المكان فرش بسيط باهت ووسائد صُفّت بترتيب على جدران الحجرة، وأضاءه مصباح كهربائي، بعد أن حظيت الحارة بالكهرباء قبل أسابيع.  

بغير انتظام جال نظري في أرجاء الحجرة. الشقيقة الصغرى شربت كأس المشروب دفعة واحدة، ثم أعادت الكأس إلى الطبق، قامت ثم جلست، خرجت ثم دخلت، بحركات لا تكاد تلامس الأرض خلالها، رغم امتلاءها الموحي بسمنة غير صحيّة. أخيراً أسندت الصغيرة ساقيها إلى الجدار، ووضعت وسادة تحت رأسها، واختارت إحدى قصص شقيقتها الكبيرة وراحت تطالع.

قطعت الكبيرة القراءة، واختارت للصغيرة قصة أخرى :

- ((هذه أحلى))؛ قالت الكبيرة بصوت خفيض هادئ، يدل مع حسن الهندام على ذوق رفيع وقيافة طبيعية.

الثالثة في وسط الغرفة وجهها يقابل النافذة مباشرة، أراها بوضوح، نحيلة القوام، طويلة الأطراف، حديدية الأنامل، مستطيلة الوجه، مشرئبّة العنق، في قسماتها شموخ وكبرياء. تقبض على خمس قطع صغيرة من الحجارة بيدها اليسرى، ثم تشكّل بأصابع يدها اليمنى بوابة كرة قدم تنصبها على أرضية الغرفة، تلف يدها اليسرى من خلف اليد اليمنى بمرونة،  تقذف الحجارة لتنفرش على أرضية الغرفة أمامها، تختار أبعد قطع الحجارة وتمسك بها، تقذفها إلى أعلى في الهواء بخفّة ومهارة، وأثناء صعود الحجارة المقذوفة وهبوطها تكون قد دحرجت واحدة من الباقيات وأدخلتها في بوابة كرة القدم، وبذلك تلتقط الحجارة الهابطة قبل أن تسقط.  تعيد هذه اللعبة بمهارة عالية مرات ومرات …

تركت الأم ما بيدها بسرعة حالما علا صراخ الرضيع،لم أنتبه لوجوده قبل استيقاظه. عندما استدارت الأم لترفع الرضيع، بدا وجهها صبوحاً هادئا جميلا كبدرٍ انجلت عنه الغيوم للتو، رأيته بوضوحٍ جعلني متيقنا بأنها أم الشقيقات الثلاث. سكت الرضيع وقد ملأ فمه بالثدي، أخذ الرضيع يمتص بعجلة ونهم، انحنت عليه الأم تعبث بخصلات شعره الناعمة.. هالةٌ من الحنان طوّقت الأم ورضيعها.

- ((لا إله ألله ...))؛ شعرت بصوت والدي يقترب قادما من الجامع، لقد قضيت صلاة القيام، وعلي أن أسرع إلى المنزل، فوالدي يفترض أنني  قد وصلت إلى المنزل بعد صلاة العشاء مباشرة، أي قبل ما يقارب الساعة من الآن. هبطتُ من على الصندوق، واندفعت إلى المنزل. قررت أن أرى، في الغد، مشهدا آخرا من الباب.      

- 3 -

لا يبدو هذا الأب صائما، ففي مثل هذا الأصيل يختتم الناس صومهم بالدعاء، بينما يختتم هو صومه بالشتائم، غير عابئ بصوته الذي يصل إلى الجيران، ولا بباب داره المفتوح على مصراعيه. كان يقف في منتصف فناء الدار الأمامي، غاضبا من شيء ما، بدا في هيئة مخيفة؛ داكن البشرة، صارم الملامح، قوي البنية، حاسرا، هائجا، وقف شعر رأسه من شدة الغضب.   

اصطففن أمامه، أخذ يحاسبهن عن أمر يبدو أنهن قد قصرن فيه. صفع الكبيرة في خدها الأيسر، تكورت أرضا، رفسها بامتهان. قبض على ناصية الوسطى مناوبا بين شد رأسها إلى الأمام ودفعه إلى الخلف، لكنها كانت بعنفوانها الذي لمحته البارحة. قررت الصغيرة الهرب إلى داخل الدار، استدارت إلى الخلف خلسة، واندفعت تجري، محاولة قدر الإمكان أن تصل إلى الباب الداخلي بأسرع وقت، بدنها الثقيل يعوقها، ركضت باهتزاز وهلع، التقط الأب حجارة من فناء الدار وقذفها نحوها، أصابها في كتفها الممتلئ قبل أن تدلف الباب، صرخت صرخة مكتومة واختفت في الداخل.

استدار وصوب نظره باتجاهي. ما يفصلني عنه الآن نصف مساحة الفناء تقريبا، إضافة إلى ما تبقى من عرض الشارع. شعرت أنه قد وقف على سري البارحة، بدونا كعدوين لدودين، لم يشجعني وجهه الجامد على طرق الأبواب مستقبلا، اتجه نحوي، هربت، سمعت شتائمه تلاحقني، تلاها صوت الباب الحديدي يوصد بعنف.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007