[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الزلنطحي 
التاريخ:الجمعة 8 يوليو 2005  القراءات:(5768) قراءة  التعليقات:(18) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
الولد فرج مختار العفشة جاءه الأعور وهو في عربة الترحيلات ، فظل يمسك بطنه من ناحية تحت السرة ، ويعض على شفته السفلى ، وهو يقول بينه وبين نفسه أنه مغص خفيف . مجرد مغص جاءه من التهام نصف حلة المحشي التي جاءت " زيارة " لخميس الخرم زميله في التخشيبة .

لذا فقد كان كل ما فعله أن جلس القرفصاء ، وراح يئن أنينا خفيفا ، ومحركات السيارة تدور ، والعادم يحجب رؤية من هم تحت الصاج المولع ، ثم ارتفع الأنين شيئا فشيئا حتى أدرك زملاؤه أن الموضوع جد لا هزار فيه ، فراحت القبضات تدق الصاج الغليظ دقا ، والسيارة تمرق من تحت سفح تل المقطم ، متجهة إلى مقر النيابة في السادسة صباحا وخمس دقائق فقد كان صوت الشيخ محمد رفعت يخترق الغبش الخفيف بغبرة صفراء ، ويطلع من جوف " الرداوي " كي يعلن عن مولد يوم جديد.

كانت عربة قديمة متهالكة يزحف الصدأ في أركانها حتى يوشك أن يأكل الهيكل كله ، ومن الطبيعي أن تكون هناك مقاعد خشبية غير أن الحكومة رأت توفيرا للنفقات وتوسعة على المساجين ومن دفعته أقداره لركوب الرزايا أن تلخلع الألواح ، وتبقي على الزوايا والصواميل حتى إذا ما جاءت لجنة حقوق الإنسان للتفتيش كان من السهل تركيب تلك الألواح على عجل ، بل والإسراع بمسحها بقطعة جوف خضراء من بقايا مكتب الباشا الكبير .

الولد فرج مختار العفشة ـ وشهرته الزلنطحي ـ أمسكوه من أسبوعين وكان هاربا من قضية مخدرات ، ورغم أنه قد تفنن وحلق شعر رأسه ، ونتف حاجبيه حتى صار أقرب للعفريت فقد أوقعوا به ، وعرف الجميع أنه لا يقع إلا الشاطر ، وأن دليلة التي حلقت لشمشون شعره بالحيلة لم تكن تفعل ذلك صدفة فدماء الدهاء تسري في عروق صنف النساء .

النساء أحباء الله إلا في ساعات الغضب وهي قليلة ، فهم لا يطقن أن يجمع البعل بين زوجتين رغم أن هذا من شرع الله ؛ فما أن يشتموا أن الرجل سوف يفعلها ويتزوج على " القديمة " ، وينسى العشرة ، ويرفس النعمة ، ويتغاضى عن العيش والملح حتى يفور هذا الدم ، ويغذي اليافوخ بعشرات الحيل التي تسقط الغريم سقوطا مدويا .

الولد فرج مختار العفشة عيناه زائغتان ؛ فزوجته حلاله قمر 14 ، ولها عينان ما بين الأزرق والبنفسجي ـ فشر اليزبيث تايلور التي كان يضع صورتها فوق فراشه مباشرته قبل أن يتزوج و يخش دنيا ـ لكن القلب وقع ، ورفرف في الصدر ، واندبح بنظرة قتالة .

فراح إلى بيت دلال وطلب اليد بالحلال ، ووضع على الصينية جنيهين من الذهب اللماع طراز الملكة فيكتوريا ، وفتل شاربه ، وهو يسمي ساعة أن جاءت بالشربات ، فكانت تخطر كالغزال ، حينها رنت الزغاريد في الحي كله ، وبرفة رمش جاء الصبيان بالكبش فعقروه ، وأسالوا دمه على العتبة التي تتصدر مدخل البيت في الزاوية ، وجاءت النسوة العواقر اللاتي ينتظرن مثل هذه اللحظة فغمسن أصابعهن في الدم اللزج الساخن ، ورسمن خيوطا فوق الجبهة وحول دائرة الثديين ، وبعيدا عن العيون البصاصة فوق السوة طلبا للخلفة وجلبا للذرية التي تسند الضهر.

ما أن علمت محاسن ابنة عمه ، والتي هي ستره وغطاه بالفعلة النكراء حتى أصابها الخفيف ، ولأنها ماكرة وتلعب بالبيضة والحجر ، فقد كتمت في قلبها وهشت وبشت في وجه زوجها وهو راجع ، وبسطت المائدة في العصر ، وقبل أن يخطف الأربع ركعات الفرض راحت تطوف بالمنقد حجرات البيت وفوقه البخور الجاوي لتطرد الحسد والعيون الصفراء التي تندب فيها رصاصة .

في الليل هجم رجال المباحث ، وقلبوا البيت عليه ، لكنه كان قد قفز من شباك مفتوح على المنور ، وذاب في الظلمة الحالكة ، أما كبير البصاصين فقد دس يده تحت المرتبة وأخرج طربة حشيش تزن حوالي كيلوجرامين ، وقبل أن يحرزها جاء الباشا المتوسط فقطع بالسكين قطعة للذكرى ، وضعها في جيب الساعة ،ثم لفوا الحرز في السلوفان ، وكانت تقف بالقميص الشفتشي تلوك اللبانة في فمها ، فدقت على صدرها وهي تتمتم في حسرة : ماقدروش على الحمار قدروا على البردعة .

لم يسألها الباشا المتوسط عن زوجها فهي ليست غريرة لتدل على مكمنه ، لكنه نظر نحوها في ارتياب ، وحدجها باحتجاج خفي : هنجيبه!

ورأتها فرصة لتعلن عن شعور كان يتنازعها بين الأسى العميق والإحساس بالتشفي : أبقى قابلني .

والولد فرج مختار العفشة الذي ركع يلحس التراب الآن في أرضية العربة صار بوجه ممتقع يصرخ كالنسوان ، ويجأر بصريخ متقطع : يا أولاد الكلب .. يا حكومة .

وسّـع له الزملاء في الأرضية مكانا ، وأناموه على جنبه السليم ، ودلكوا بأصابع خفيفة الجانب الموجوع ، ثم بدأت دقاتهم تشتد على الصاج حتى صارت القلعة التي كادوا ينتهون من المرور تحت سورها ترتج .

تمهلت السيارة ، وتوقفت فيما أطل وجه صول مخضرم : جرى أيه يا أولاد المجانين ؟

لوحوا له بإشارات يفهمها من وراء الشبك السلك أن فرجا يموت من الوجع ، فاختفى لحظات ، وأطل وجه باشا لطيف الوجه أراد أن يبدأ بالهجوم قبل أن يأكلوه : فيه أيه يا أولاد ستين كلب؟

قال أقدم المساجين والملمومين رتبة : يا أفندم الزلنطحي تعبان قوي.

أشار الضابط أبو دبورتين بيده أن يوسعوا له ليلقي نظرة ، فصعب ذلك جدا ، وتصاعدات أصوات الاحتجاج : مفيش في قلبك رحمة ؟

وصاح آخر ، وهو يخفي وجهه في عتمة الهيكل المشحون بالأجساد : حكومة بنت حرام .

فيما وضع السجين عرفة فص أفيون تحت لسانه ، وطوح برأسه وهو يبحلق في الولد الشاب الضابط الذي يخب في الميري : ألحقوه يا باشا . باين عليك ابن ناس صحيح ومتربي.

ولكن الولد فرج مختار العفشة رغم أن وجهه كان مصفرا وجسده كله يرتجف جاب الكلام من صرمه وهو يوشك على الموت : أحملكم المسئولية.

وكان يعرف في محنته هذه أن محاسن هي التي فعلتها ، فمن يعرف أنه قد حلق شعر رأسه ( زيرو ) غيرها ، ومن رآه منتوف الحاجبين كالبرص سواها ، وكونهم جاءوا له في الليل الغطيس ، وكمنوا في المدخل حتى صعد وبيده سطل اللبن ليبيع للزبائن ، وما أن طرق الباب حتى أحاطوا به وامسكوه .

قال بقلب ميت : أنا سعد بياع اللبن .

كشف الضابط وجهه فكان كالمسلوخ ، سأل محاسن وهي تلوك اللبانة: هو ده جوزك؟

وجف قلبه ، وهي راحت تتأملته من فوق وتحت ، وراحت تقلب فيه كأنها تشتري كيلوجراما من الطماطم من فوق عربة خضار ، ومدت إصبعيها الإبهام والسبابة ، ونتفت شعرتين : مش عارفة .

لكن الضابط كان مصرً ان هذا هو فرج ، سألها وروحه تكاد تصل للحلقوم : هو ده جوزك يا ست محاسن ؟

وهنا وجد المخبر صابر فرصته ليعلن للباشا أن كل شيء بالأصول ، فصوب الكشاف في وجهه ، ومع التماعة الضوء رأته يهز رأسه متوعدا ، فحدجته بنظرة مستاءة : أهو كلهم زي بعض . قطيعة الرجالة .

وهو هنا بعد الفيش والتشبيه ، ومضاهاة البصمات مقطوع تماما في رقدته على الألواح الملتهبة في عز حر أغسطس ، والوجع يتصاعد حتى كاد يصل إلى اليافوخ .

أطل الضابط وهو يحاول أن يفهمهم وجهة نظره : جواب المأمورية من التخشيبة للنيابة . ده خط سير مستحيل أعدله .

رد خميس وقد تناسى حلة المحشي التي طارت في بطن هذا الجشع : يعني هو خط السير أنزل من السماء . غيـّـره!

امتقع وجه الضابط ، وسمعوه يتصل بالمأمور الذي كان نائما بجوار زوجته طرية اللحم ، فالساعة لم تتعد السادسة والنصف ، وقد زجره المأمور : أتصرف يا حضرة الملازم أول .

وهو ابن ناس ، رباه أبوه على احترام مشاعر الناس ، يعرف أن هؤلاء بشر ، لكنهم بشر ملاعين ، وفي سنوات الكلية علموه الشخر والنخر وقولة " نمرة " وهي الأخف في العرف السائد . لقد قرر أن يعدل خط سير العربة نحو أقرب مستشفى ميري، وليكن ما يكون .

كاد يبكي وهو يحدثهم بقلب مفعم بالطيبة مع نبرة شر متصنعة : يا رجالة . أنا هاوديه المستشفى بس أسمع منكم كلمة شرف.

ردوا جميعا في صوت يكاد يكون واحدا : واحنا رجالة مع الرجالة .

تهادت العربة في طريق معاكس باتجاه المستشفى ، ومن كان يرقب الطريق فقد رأى أصحاب عربات الفول يكشفون القدر النحاسية عن أفواه يتصاعد منها البخار ، ورأوا الأمهات يهبطن بقمصان الباتستا الخفيفة من البيوت لشراء الأرغفة الساخنة ، وملأ الأطباق بالفول المدمس محلى بقرون شطة خضراء .

كان الشيخ محمد رفعت قد ختم التلاوة ، و جاء الصول ، وأمام الباب الداخلي حرك المزلاج الحديدي ، وتقدم من الباب الموارب ، قال بصوت أقرب للرجاء منه إلى الأمر : وسعوا له من فضلكم .

تقدم خميس الخرم وهو يسحب جسد المريض ، وكانا مكبلين في " كلبش " واحد " ورفع للصول معصمين أحدهما ساخن مستعفي ، والآخر بارد متخشب : بسرعة يا صول حمودة .

وأعمل الصول مفتاحا صغيرا في "الكلبش" فانفتح الترباس وحرر المعصم من الأسورة الحديدية .

كانت فرصة للمرحلين كي يشتروا سجائر ، ويشربوا ماءا مثلجا من أولاد الحلال ، وامتدت أيد كثيرة بسندويتشات الفول والفلافل ، وعلى " التروللي " تمدد جسد فرج مختار العفشة ، وقبل أن يذهب معه الضابط ربت برفق على كتف الصول والإثنين عساكر المصاحبين للترحيلة : فتحوا عنيكم . دول اولاد حرام .

بعد الكشف الظاهري أمر الطبيب المناوب بتجهيز حجرة العمليات ، وشخـّـص المسالة بأنها انفجار الزائدة الدودية . هرعت الممرضات لتجهيز الحالة ، وتعقيم المشارط ، ولم يقبل الطبيب الجراح أبدا بدخول الضابط حجرة العمليات ، حتى وهو يهمس في أذنه : لو هرب سيادتك هاروح في داهية .

ما كان من الطبيب إلا أن صرخ فيه : يا سيادة الملازم باقولك عملية . فيه عملية تنفع تتم على أيدي البوليس .

وفي الخارج كان الصباح يشقشق ، والأولاد مع البنات ـ حيث لا مدارس ـ يذهبون إلى ورشهم ، وكانت الشمس تخترق ما تبقى من سحب متناثرة قليلة ، ووجد الولد عرفة مساحة من الشباك تبلغ 50 سم 2 ليشير بيده عدة مرات لمريضة بالصدر كي تهبط نحوه ، وتضع بين يديه علبة بسكويت بالفراولة ، مع وردة بيضاء فيما كان سعالها يشق صدرها الضعيف .

لم يعرف أحد من الذي أبلغ أسرة الزلنطحي بما حدث ، فقد أتت محاسن وهي تلطم خديها ، والكحل يسيل من عينيها من أثر البكاء ودخلت من الباب الرئيسي بعد أن سجلت بياناتها ودفعت رسوم الزيارة ، وبعدها بدقائق جاءت دلال العروس الجديدة ، وهي بملاءة لف سوداء محبوكة على جسد يضح بالأنوثة ، ومن الباب الخلفي دخلت بعد أن دفعت المعلوم .

التقت الضرتان أمام الباب المغلق ، وكان الضابط يزرع الطرقة ذهابا وإيابا في قلق واضح ، وهما تبادلتا نظرات حانقة متفجعة .

وحين صعد الصول حمودة السلم ليسأل الضابط عن شيء يريده ، وجد المرأتان جالستين في مقعد خشبي على مقربة من حجرة العمليات يتكلمان بحميمية واضحة .

أشار له الضابط أن يشتري له علبة سجائر ، فاستغرب الصول : لكنك ـ سعادتك ـ لا تدخن ؟

هز رأسه بأسى : من اليوم سأدخن .

وخرج الطبيب ليعلن للضابط أن العملية انتهت بخير ، وأن الحالة استقرت ، فاندفعت المرأتان نحوه لمزيد من الاستفسارات ، فما كان منه إلا أن أشار للضابط : سيادته يطمئنكم .

أعطى لهم ـ للمرأتين والضابط ـ ظهره ، واتجه لحجرته ، وبعد أن أفاق الزلنطحي من البنج ، تحرك متوجعا ، وقعت عيناه على الضابط الذي كان يرمقه بحيرة ممتزجة بغضب متكتم ، فهز رأسه ممتنا ، فيما أغمض عينيه عن عمد رغم توسلات دلال ونحيب محاسن .

بصعوبة أراح الزلنطحي رأسه على الوسادة ، وقد علم كل أفراد الترحيلة ـ بعد شهر من حدوثها ـ أن الضابط قد خصم منه 15 يوما من راتبه ، وتم نقله لشرطة المرافق لأنه قد أخل بمقتضيات العمل الوظيفي .

القاهرة 12 /6 / 2005

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007