[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
على حافة الليل كان اليمام 
التاريخ:  القراءات:(5929) قراءة  التعليقات:(24) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
( حين يصير الحنين يماما على الكف ،

والراقصون مدائن

لاتقفل الليل أبوابها ، والصباح ) **

( إلى علي الدميني ، والمقطع السابق من ديوانه بياض الأزمنة) **

هذا بالضبط ما لم يفكر فيه البارحة . لقد نام خالي البال من أي شيء يكدر صفو هدوئه ، صحيح هو مسجون ، ولكنه يشعر بالراحة الأكيدة أن رأسه لم تعرف الانحناء . تذكر كلمات سبارتاكوس الأخيرة ، وابتسم لطيف الشاعر الذي هده المرض ، ومات في الغرفة رقم 8 . كان أمل دنقل جنوبيا مثله . عبر البحر الأحمر الذي شقه موسى بعصاه يتسلل التمرد من بين الشعب المرجانية ، وأسماك الكنعد وسلاسل الجبال المنحدرة في انكسار مميت .

دق بقبضتيه الباب الحديدي الثقيل ، فأتي الحراس شداد القامة ، أزاحوا غطاءا معدنيا ثقيلا ، ونظروا من خلال الكوة شديدة الضيق .

كان قد ابتعد عن الباب بمسافة بوصتين ، رمقوه في غضب أن أزعجهم ، لكنه حدق في ملامحهم بشيء من المرارة ، وهم انتظروا أن يتكلم ، ويفصح عن سبب استدعائه لهم في هذا الوقت المتأخر من الليل بتلك الجلبة التي لم يعرفوها عنه.

كانت ليلة توافق منتصف الشهر العربي ، لكن القمر بان مختنقا بغلالات الغيوم التي تتكاثر في مرورها البطيء ، أما زنزانته فتطل من الخلف على ساحة واسعة أشجارها خرساء وصامتة .

تمهل وهو يتراجع عدة خطوات ليلاصق الجدار ، حدجه كبيرهم فيما تصلصل المفاتيح في خطاف معلق بجيبه : ماهذه الجلبة؟

قال وهو يرتب الكلام ، وذاكرة الجبلي تناوشه وتلح عليه أن تكون عبارته سهلة ومفهومة : اليمام ؟

يتأكد له الآن حقيقة أن الروح هي التي نادته أن يرى اليمام في زرقته ، وهو الشيء الذي أفاق عليه من نوم قلق ، وشعر بالحاجة إليه بصورة لم يمر بها من قبل أبدا . غالبه خاطر أنه مجرد حلم ، وعليه أن يحتفظ به لنفسه ، أو أن ينتظر طلوع الصباح ليحكي ما رآه لرفاقه ، لكن شيئا أقوى منه دفعه أن يكون في حضرة اليمام .

مكث يغالب هذا النزوع القوي الذي ألح على وجدانه ، حتى أنه تصور يماما جبليا بالذات له ريش بني غزير حول الهيكل الضئيل ، وزغب خفيف يكسو الرقبة . أكمل بنبرة بدت محايدة منزوعا عنها أي إحساس بالرجاء أو التمني: أريد أن تأتوا لي باليمام .

هل هذه هي مطالبه فقط في هذا الوقت الذي يخلد فيه الجميع للنوم الثقيل والراحة الأكيدة ، أعاد الحارس إطلالته ، أما هو فقد راح يمسح بيده غبارا خفيفا كان يحجب الرؤية كاملة عن عدستي نظارته ، وأتاه صوت الحارس محتجا : أي يمام تقصد ؟

بروق العامرية لوحت للسجين لحظة وتمددت في فضاء شكلته أيد خفية ثم ما لبثت أن تبددت : ألا تعرف اليمام؟

كان المكان يعبق بدخان سجائر انطفأت منذ فترة ، والزنازين غارقة في صمتها الليلي . في الخارج تهبط قطرات مائية لا تكاد ترى ، وتتكثف على أوراق الأشجار وبتلات الأزهار كقطرات ندى : أعرفه . وهل كل هذه الجلبة لآتي به في هذا الوقت؟ وهب أنني أحضرته ، فهل القوانين هنا تسمح بذلك ؟

عدل بيده ياقة سترته البيضاء التي تثنت أطرافها ، ورنا نحو الفضاء الذي كان قمره يجاهد بقوة حتى تبتعد تلك السحب الرمادية البليدة .

بدت قضية عمره أن يرى اليمام ، وينصت لهديله . هكذا كانت الرؤية أن والده قد ناداه كي يجلس معه تحت شجرة تين عملاقة ، في ظل فروعها المتشابكة ، وفي جلستهما حطت يمامة على المقعد الخشبي المستدير .

قال العجوز : لا تحزن .

رد بنبرة الواثق : إن الله معنا .

امتدت يدا العجوز ولامست تقاسيم وجه الابن الذي تذكره صبيا يلهو في أزقة القرية:أصبر يا بني .

رأي الغضون تهتز تحت الجفنين : سأفعل يا أبي .

مسح بعينين سوداوين صافيتين خضرة المكان الذي لم ير أجمل منه في كسوته العشبية الزاهية ، وانجابت أحزان حسبها لن تتزحزح يوما : ما أجمل زيارتك . لا تتركني هنا بمفردي كن معي .

رقت حواشي الكون ، وأسراب من الطيور تمر فوقهما مغردة ، فيما تساقطت بعض أوراق من الشجرة الكثيفة ولم تكن صفراء أبدا ، بل كانت بنفس خضرتها الداكنة : أنظر أبي ؟

قبل أن يجيب اختفى أبوه تماما ، لكن نظرات وجهه التي بدت باسمة ومضيئة ظلت تخايله فيما سمع هديلا متناغما لليمامة التي طارت بعيدا بعيدا.

تحتم عيه أن يطلب اليمام في الغرفة الضيقة . لا كتب معه ، ولا أوراق . سحبوا دفترا صغيرا تم تهريبه إليه وتركوه في عزلته مع نوبات الحراسة .

لقد ألف وجوههم ، وتعود تجهمهم . كان يعرفهم بسعال بعضهم ، أوبطريقتهم في الخطو ، أوبلهجاتهم التي غالبا ما تنم على كونهم جنوبيين ، لكنه جنوبي مثلهم وإن دفعته ظروف الدراسة ونزوح الأهل منذ سنوات بعيدة أن يتجه شرقا . طلع صوت الحارس وهو يسوي شاربه : بالله عليك لا تلهو بنا . أي يمام هذا الذي آتيك به؟

تململ قبل أن ينسحب عائدا ومن خلفه تابعه الأصغر رتبة : خذ سيجارة دخنها ، ثم أكمل نومك .

في تلك اللحظة بالذات والتي مد فيها الحارس يده بسيجارة من الكوة تناهى إلى الجميع صوت خافت للهديل ، راح يتصاعد ، ويتصاعد .

بقت اليد معلقة لحظات ، ولما لم يمد السجين يده كي يأخذها مضى الحارس مع زملائه نحو مكان خدمتهم ، فيما حطت يمامة بنية اللون بريش ناعم على حافة النافذة الضيقة المشغولة بالسلك .

كان عليه أن يصعد على حافة مقعد خشبي كي يمسد شعرها ويحط بيده الأخرى على جسمها الدافيء ، حاولت اليمامة أن تدخل الحجرة عبر ثغرة في الحديد المشغول ، لكنه أبعدها برفق ، وأبقاها حيث هي . كمنت لحظات ثم هدلت من جديد وهي تعاود انطلاقها . طيرانها في هذا الليل الطويل الذي يبدو أنه على وشك أن يتبدد .

القاهرة 5/ 4/ 2005

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007