[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نفخة الجنة 
التاريخ:الأحد 13 نوفمبر 2005  القراءات:(766) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ناصر الجاسم  

نفخة الجنة

قصة قصيرة                                                                          ناصر الجاسم/ السعودية

 

إلى الصديق/فرحان العقيل وهو يستر زنا أعدائه وعري أصدقائه.

 

 

 الهفوف/ حي الصالحية عام 1965م                                        

بدت لهم بضفيراتها العشر السوداء التي تتأرجح على عجيزتها الرجراجة التي تشد ارتخاء أعضائهم الذكورية حينما تمشي أمامهم وبوجهها القمري النوراني عندما يشع نوراًُ في وجوههم السمراء وبثدييها اللذين يطعمان الطفل والعاشق كبقرة صفراء، لا بل كعجل حنيذ، لا بل كناقة بيضاء، لا بل ككبش رعى عند الله في السماء، بينما هي ثمينة الغنيم والتي لقبتها قابلة الحي ونسوته بلقبين اثنين،  لقبنها بالجنة وبالسراج وسار اللقبان على فم كل ذكر وأنثى، ولم يبق اسم ثمينة حاضراً إلا في ذاكرة السجلات الصفراء لدائرة الأحوال المدنية بالهفوف، فلقب الجنة انطلق من فم القابلة منيرة العثمان حينما سلت ثمينة من بين فخذي أمها، ولقب السراج لايعرف أي فم ابتدأ النطق به وأي خيال صاغه، ولكنه شاع وانتشر حين حاضت ثمينة حيضتها الثالثة عشر أبان احتفالات أهالي حي الكوت بمولد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في 12 ربيع الأول 1396هـ. دخلوا عليها المذبح ليلاً وهم عرايا إلا من ذنوبهم وسيوفهم، رأتهم بعينيها الواسعتين الخضراوين فألفتهم متشابهين في وجوههم وخطواتهم ولون شعورهم والمرض الذي يسكن عيونهم، كانت تعرفهم جيداً وتحفظ أسماءهم بدءاً من زعيمهم وانتهاء بآخر فرد فيهم!!

 

فهي التي تقبل خدودهم كلهم في العيدين أربع قبلات، قبلتان في عيد الفطر واحدة على الخد الأيمن وواحدة على الخد الأيسر ومثلهما قبلتان في عيد الأضحى، وتقص شعرها لهم في رأس كل شهر قمري، تقصه من قذالته وليس من ذيله، فقد كان عيباً أن تقص الجنة أو أية فتاة غيرها في الحسا شعرها من دُبر، وإن فعلت نعتت (بالزحوق) وعوقبت من قبل الأم أو الجدة بجز شعرها كله كما يجز شعر الخروف فتصبح فتاة قرعاء تعيِّرها البنات (بالصَّبي) وتحتفل  بقرعتها التي تسترها بغطاء أسود (ملفع) رصت تحته على الرأس الأصلع عجينة من حناء الحسا تفوح منها رائحة ليمونها بنشيد الصلعاء:

قرعا قرعا بنت الديك  عيّا رجلك لا يكسيك                كساك ثويب بوشقه ولغمطه في(......)

 

لم يكن المذبح إلا ساحة البيت الترابية المحفور بوسطها بئر عميقة وكائن بزاويتين من زواياها غميلتان اثنتان، غميلة يبات فيها دجاج الحسا وغميلة يبات فيها طيور الحسا حتى لا تأكلهم القطط، وكانت الجنة ساقية الدجاج وساقية الحمام في كل صبح وفي كل مساء، و لم تكن سيوفهم إلا أيديهم وأرجلهم المكسوة بالشعر الكثيف ونواجذهم الأمامية الصفراء من أكل رطب الخلاص.

توضأوا من ماء (الجليب) واحداً في أثر آخر وانتظروا على من تقع قرعة الأضحية ليحدث الجرح الأول في الذبيحة فيكون المضحي الأول وصاحب القربان، أضحية في معبد الجنة من غير وجود للآلهة ولا لكبيرة كاهنات المعبد ولا للبغايا المقدسات وفي غياب حراس المعبد من العبيد الأشداء الأقوياء!!

 

تنحنح زعيمهم فتحفرت أيديهم وأرجلهم للدفع والدفر وعيونهم كلهم صوبت على جسد الجنة وعلى فوهة الجليب وطبول الدواسر ودفوفهم ساخنة جلودها المصنوعة من وبر أرنب الحسا وحنجرة ركاب الدوسري تضخ في فضاء  الصالحية وفجرها مزيداً من الشعر والغناء ( السامري) والجنة ترتجف والماء المحصور بداخلها يبلل ثيابها من الرعب ويقطر على رجليها وضفائرها السوداء العشر لم تمشطها من آثار النوم، وطفر فوق لون عينيها الأخضر لون دموع الخوف والحب وصورة حبيبها ( الزقرتي) علي الكحل تراها هناك في قاع الجليب.

 

باسمك صرخت وصابني نشوة الزار                      وشلون أخفي الحب وأكتم شعوري

يانا أحبك حب الكون ما صــار                      قربك منى قلبي وغاية  ســروري

كل الخليج عنك ما صدت  الأخبار                      وينك حبيبي  جاوبن صوتي  فـوري

لولاي أحبك ما تحديت  الأخطـار                      ولا اعتزلت الناس وأطفيـت نوري

أمشي وحيدن وسارح الفكر محتـار                     في عالم العشاق خفيـــت دوري

أهل السمر لا دقوا الدف والطـار                      غصبن علي أنكره وأكشف ظهوري

 

حين ظهرت نجمة الصبح جاءت القرعة على عمها رعد الغنيم، فقال الزعيم:

·   حنجرة ركاب الدوسري ماتصلي الفجر وزيرانه من الجن كفار مايطلعون من راسه لاليل ولا نهار، ينزل الجن اللي بروس غيره من الدواسر وجنه ماينزلون،  والجنة إن صاحت ضاعت صيحتها في صياح ركاب الكافر والناس بتسمع صوت ركاب ولاهي بسامعة صوت الجنة..

 

ولأن (أبوها) مات وهي صغيرة وعمها أهملها وانشغل بعياله من حريمه الثلاث وبنخيله في (باب الهوى) ومارباها تربية بنات الأجاويد يموتها هو بكزة من يده وإلا بدفرة من رجله في الجليب، وإذا ماماتت ينزل الجليب وحده، هو الذي يذرع عين الخدود وهو يسبح، ويغطسها من ضفايرها ويربط رقبتها بحصاة في الماء حتى تموت الفاجرة!!. سمى عمها باسم الله الرحمن الرحيم ونظر إليها نظرة النمر ولطمها على وجهها النوراني وكزها على ثدييها اللذين يطعمان الطفل والعاشق فسبقتها ضفائرها السوداء العشر إلى قاع الجليب، وكان لعجيزتها الرجراجة أثر سريع في وصولها إلى قاع (الجليب ) وغرقها، وانطفأ السراج مع انطفاء نجمة الصبح، وانطفاء صوت حنجرة ركاب الدوسري.

 

حين توقفت الديكة عن الآذان للفجر بصياحها، وبدأ حمام الحسا يعلن الصبح بهديله ويندب ساقيته الجنة جلست أم الجنة تنحب وتصيح بصوت مرتفع وتلطم خديها في ساحة البيت، وجثة الجنة منتفخة بحملها، وبالماء الذي دخل بطنها،طافية على سطح ماء الجليب وضفائرها العشر السوداء طافيات معها فوق وجهها النوراني وحول يديها: الجنة طاحت في الجليب يالطف الله يالطف الله، الجنة ماتهنت بدنياها ياحسرة على شبابها ياحسرة، عين ماصلت على النبي عين ماصلت ...

 

ثم تصمت هنيهة تحادث نفسها ونساء الحي يأتين إليها مذعورات مفزوعات ..

·   آه لو أعرف مين اللي نفخها كان أسحره!! أكيد جار السوء عليان الكحل المتزقرت؛ رقيتها فوق السطح كاثره من شهور، مابغيتي يا الجنة إلا عليان ولد أسليمه بياعة الملح بسوق الخميس؟!!

·        بطنك كبر يالجنة، أشلون أنتفخ، شللي فيه!.

·   أكلت كنار كثير من مزرعتنا بأم خريسان اللي عند عين البحيرية مع حب الحسا اللي جابته لي بنت الكحل لما راحت مع أمها سوق الخميس وعجم بطني!! وتدرين يايمه أنا أموت في الكنار وحب الحسا ولا تخافين علي وصيت بنت الكحل تجيب لي عشرج من سوق البدو الأسبوع الجاي!!

 

وتغيب صورة أمها وصوتها ويأتي صوت وصورة الزقرتي علي الكحل وهما فوق السطح.

·        بطني كبر يالزقرتي والهدوم ماعادت تخفيه!!

·        زين، دبري روحك وتخلصي من اللي في بطنك!!

·        طيب كيف؟

·        وقفي فوق أحجا السطح وطبي في ساحة البيت على المراقد!.

·        طبيت من فوق أحجا السطح ولا طب من بطني، المتعلق معلقه الله يالزقرتي!.

·        شوفي طريقة ثانيه مافيه إلا ها الطريقة!!

·        شفت ومافيه فايده!!

·        شللي سويتي؟

·   شلت تنتوج التمر ورزحت به وماطاح، وسال الدبس على أيديني ووسخ نفنوفي!!، وشلت جيسة المفلق وزلقتها على بطني لين مشى قمل المفلق على نفنوفي و ماطاح!!

·        خلاص أنا أشوف طريقة .

·        بسرعة ياحياتي أمي تراقب بطني كل يوم وماعدت أرقد إلا على بطني !! وأنا ميته من الخوف!!

·        لاتخافين ماراح أخليك.

 

وينقذ الجنة من وسواسها وخوفها من أمها صوت ركاب الدوسري حين حضر في أذنيها المزينتين بنجمتين من الذهب، الصوت الذي يعتقد سكان حي الصالحية أنه ليس صوت ركاب إنما صوت الجني الكافر الذي بداخله، ليعيد إلى لبها الخائف الذكرى الأولى اللذيذة، حين كانت نجمة الشعرى تسطع في سماء الصالحية وركاب يطرب نساء الصالحية اللاتي تزين لرجالهم المجهدين من فلاحة الأرض بشك (مشموم) الحسا في ضفائرهم ليكون عطراً مهيجاً لمضاجعة قوية فوق السطوح، ينعم بها الزوج والزوجة،  يأتي صوت ركاب من قعدة الزار التي تجمع فيها عبيد الدواسر يغنون ويرقصون حتى ينزلواالجن الساكن أجسادهم الفاحمة السواد!!

 

السيل ياسدرة الغرمول لي  أسقيك                     من مزنة هلــت الماء عقربيه

نطيت أنا  الدرب وأنيابه  مشاويك                     والله وقـاني مـن أسباب المنيه

يارجلي لو هو مصيبك وين أداويك                     ودواك يم  الحسا صعـبن  عليه

ياطولي ماجيت سارين في  حراوريك                    عجل وأخاف القمر يظهر عليه

 

·              حضر صوت ركاب وحضر على أنغامه الصافية غزل السطوح.

·              أحبج موت يالجنة.

·              وأنا أحبك بعد يا الزقرتي!!

·              صدق اللي سماج الجنة. أنت جنة في كل شيء.

·              وأنت أحلى زقرتي في الحسا كلها.

·              الجنة.

·              هاه.

·              خليني أضمج ضمه وحده بس!.

·              لا. استحي!.

·              فيه وحده تستحي من حبيبها؟

·              حبيبها بس، يعني ماراح تخطبني ونتزوج؟.

·              إلا بنتزوج وبنجيب عيال كثر الفروخ اللي في مكبتكم.

·              كيف وأنت ما اشتغلت؟.

·      أنا كتبت في  أرامكو ونجحت في امتحان الذكاء والنظر وعطوني ورقة الكشف الطبي وباصور للبطاقة قريب وبصير (كولي) والناس بتناديج مرت الكولي عليان الكحل وباجيب لج من الكانتين عصير طماطا جوز وسترول وأبريد!!

·              مدام جذيه، أنا وافقت، بس مثل ما اتفقنا ضمه وحده ماتطول!!

·              اتفقنا.

 

ونفخ الزقرتي الجنة، وتجرحت عجيزتها الرجراجة من حصيات صغيرة نبتت من تساقط المطر الكثيف في سنين عديدة على السطح؛ مطر زال بسببه التراب الساتر للحصيات والمثبت لها واتجه إلى (المرازيم) التي ابتلعته  إلى ساحة البيت واحتفظ الجدار بلون السيل خطاً مستقيما ارتسم عليه وتجرحت مع عجيزة الجنة ركبتاالزقرتي القويتين من أكل تمر الرزيز، ونقطت من فرج الجنة قطرات دم قليلة تفل عليها الزقرتي والجنة بصاقهما الأبيض ومحوها بإبهاميهما حتى لا تراها عينا أم الجنة.

 

سارت جنازة الجنة على أقدام الرجال الفقراء من حي الصالحية إلى مقبرة الكوت بحي الكوت وعبرت حي النعاثل وصياغة كيفية موتها حفظتها الأم لترددها في مجلس عزاء النساء: ( كانت الجنة نائمة فحلمت، وأقامها الماء المحصور بداخلها لطلب الحمام، فمشت وهي نائمة ومحصورة وحالمة، فأخطأت طريق الحمام، وذهبت إلى الجليب لتسقي الدجاج والحمام كعادتها فزلت قدمها وسقطت في الجليب وغرقت ؛ولم نسمع صوتها حين استيقظت من نومها ومن حلمها لأن صوت الكافر ركاب الدوسري غطى على صوتها)، وحمل جثمان الجنة الممدد على النعش رجال قبيلتها، رجال الغنيم وكانوا يمثلون الوجوم والحزن ويهللون ويكبرون، ورأى المشيعون جميعهم طيراً أبيض بحجم جسم الجنة يحمل في منقاره ضفيرة سوداء طويلة شيع الجنة بطيرانه البطيء فوقها من حي الصالحية إلى مقبرة الكوت واختفى من السماء فجأة كما انبثق فيها فجاءه، وقبرت الجنة بجانب قبر الولي الصالح أبو بكر، وكان  ذلك في ذكرى وفاة الإمام موسى بن جعفر (الكاظم) في 25،رجب 1385هـ.

 

بعد أن تفرق المشيعون فرقاً ذهبت إلى حي الكوت وحي النعاثل وحي الصالحية ظهر في شوارع الهفوف موكب الزقرتيه يقوده الزقرتي علي الحكل الذي ركب سيارة شفروليه  عشبية اللون طراز 1965م، زينها بسعفات خضر من نحلة شيشي وهي المزينة أصلاً بسعفتين من حديد على مقدمتها وبجناحين على خاصرتيها، وزاد زينتها بشكة طويلة من ورد الحسا الكذاب شكت على زجاجها الأمامي والخلفي وأبوابها الأربعة وظهرها، وزاد زينته بخاتم جلب البنات الذي أدخله في إصبعه الخنصر ليلمع فصه الأحمر في عيون النساء بعد أن اشتراه من ساحر عماني متخفي في قرية البطالية قال له بعد أن أخذ الثمن: هذاالخاتم ياعلي بن سلمى، خاتم مسكون بما تتمنى ولكن أتق الله في النساء، وزاد في زينته أيضا بسباحته في عين البحيرية وتعطير جسده الأسمر بأوراق سدر خضراء مقطوفة من السدرة التي كانت الجنة تحب أكل نبقها، وكان أصدقاؤه من الزقرتيه بعد أن انطلق الموكب من عند عين البحيرية معه في السيارة جالسين على المقاعد الجلدية الوثيرة يزفنون ويصفقون ويدقون رقبة وصوت عيسى بن علي الأحسائي ينبعث من السيارة الشفروليه قوياً ويتردد في أحياء الكوت والنعاثل والصالحية:

 

          أمص البرطم التحـتي وأعضه كل ما صحتي          

                             وأضمك وأسحبك تحتي  وأتحدى يسيل الدم

 

بينما كانت أم الجنة تردد صياغة كيفية موت أبنتها وتزيد في الحكاية: ( ومما عجل في غرقها ثم موتها أن الجليب زاد ماؤه من ماء المطر لأنني تركته مفتوحاً ليلقف المطر وحبات البرد لنشرب ماءً بارداً ونتصدق بالماء الطاهر على الأطفال المرضى)، كانت حصة الصخري التي غسلت الجنة وكفنتها تهمس في أذن قابلة الحي منيرة العثمان وفي آذان غيرها من النساء الجالسات في مجلس العزاء الآتي: ( أم الجنة حطت سحر لعليان الكحل ولد أسليمه الملاحة في فم الجنة وفي فرجها أنا قلت لج بس لا تقولين لاحد.)

 

 

انتهنت

 

الأحد 29/4/1424هـ

29/6/2003م

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007