[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
للبحر وجه آخر 
التاريخ:  القراءات:(1529) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : منذر أبو حلتم  

للبحر وجه آخر

كان يجلس في مقعده في مقدمة الباص .. ينظر من النافذة متأملاً حركة الناس والسيارات في الشارع المزدحم .. الجو حار .. والشمس مسمرة في وسط السماء ، تصب لهيبها على الرؤوس ..

وضع العكازين المعدنيين بجانبه أسفل المقعد ، ونظر إلى ساعته .. انها الثانية والنصف .. بقي مقعدان فارغان فقط لكن الباص لن يتحرك قبل الساعة الثالثة . شعر بشيء من النشوة وهو يفكر بالبحر .. تنفس ملء رئتيه وأغمض عينيه كي يسمح للصور بان ترتسم على جدران مخيلته ..

البحر .. وأخيراً ..!! أخيراً سيجلس على شاطئ البحر ، على حافة المياه .. سيستمع إلى صوته ووشوشاته الحالمة للرمال .. إلى عبث الأمواج الخفيفة وهي تعابث الشاطئ كصبية مدللة .. تقترب قليلاً لتبتعد مرة أخرى ..

آه كم يشتاق للبحر ..! المرة الأخيرة التي رآه فيها كانت قبل أكثر من سبعة أعوام .. هناك في بيروت ..!

أخذت الصور والذكريات تتتابع كشريط سينمائي .. البحر هو مخرجه ومؤلفه .. وممثله الوحيد ..!! هناك كان يجلس ساعات طويلة على الشاطئ .. وحيداً ينظر إلى الأفق البعيد البعيد .. محاولاً اكتشاف نهاية البحر .. أو بدايته .. ثم يكتب قصائده وكانه يستخرجها من أعماق البحر .. من رائحته .. هدوئه وجنونه .. من صوت النوارس وهي تلهو هنا وهناك .. هل في العقبة نوارس ..؟!..

انتبه إلى صوت حركة بجانبه ، التفت .. كانت تهم بالجلوس .. أسرع وتناول أوراقه وكتبه وتمتم :

- آسف .. تفضلي ..

قالت وهي تجلس : - شكراً . نظر إلى ساعته .. انها الثالثة ، والباص يتحرك ببطء .. أسند رأسه على مسند المقعد ونظر من النافذة .. هل ستتاح له الفرصة في العقبة ليجلس وحيداً على الشاطئ ..؟ هل سيتمكن من الجلوس مع البحر على انفراد ؟! هناك الكثير مما سيقوله للبحر .. والكثير مما سيسمعه منه ..وها هي الأوراق جاهزة لتسجيل أغنيات البحر ..

من مكبرات الصوت ينطلق صوت فيروز ..! أغمض عينيه وشعر بقلبه يبتسم .. كان يشعر وكانه في طريقه إلى موعد مع حبيبة طال اشتياقه إليها .. تناول كتاباً .. مجموعته الشعرية الأخيرة ( للبحر وجه آخر ) .. فتح صفحة وقرأ :

يا بحر صمتك طال ..

فانطق ..!

وابعث الأمواج تعلو ..

فوق أكوام الحجارة والزبد ..!

قلب عدة صفحات وقرأ : تعالي نلون هذا المطر..

تعالي نلملم .. أحلامنا

معاً نرمم قوس قزح ..!

هم بإغلاق الكتاب .. التفت نحوها ، كانت تقرأ معه .. همس كالمعتذر :

- عفواً .. هل تودين القراءة ؟

ابتسمت بارتباك .. ثم مدت يدها وتناولت الكتاب .. نظر إليها وهي تقرأ كانت انفعالات القصيدة تنطبع على وجهها بوضوح ، كما تنعكس صورة صفصافة على سطح بحيرة هادئة .. شعر بالغبطة .. جميل ان يرى الشاعر عن قرب أثر قصائده على وجه جميل ..! بعد ان أغلقت الكتاب سألها :

- هل تحبين الشعر ؟

- جداً

شعر بشيء من الفرح .. تساءل : - وهل أعجبتك القصائد ؟

صمتت قليلاً ثم قالت : - لقد نقلتني إلى عالم آخر .. عالم لم يعد موجوداً ..!

شعر بما يشبه الخيبة ..

- هل تقصدين انها غير واقعية ؟ ..

-لا .. العالم هو الذي لم يعد واقعياً .. أما هذه القصائد فهي ما تبقى من انسانية ما زالت موجودة في أرواح كائنات أوشكت على الانقراض .. هم الشعراء ..!

كان يتابع حديثها وهي تتحدث باندفاع وحرارة .. فوجئ بجرأتها وحماسها .. شعر بالفرح .. قال باسماً :

- انت شاعرة .. ! ابتسمت وقالت : - شكراً .. لكنني لا أكتب الشعر .. انا أعيشه فقط ! صمتت قليلاً ثم تابعت : - انت طبعاً تحب الشعر .. وإلا لما حملت هذا الديوان معك ..!

ابتسم وقال : - وانا أعيش الشعر أيضاً ..

ابتسما معاً ..شعر بانها قريبة .. هناك شيء مشترك بينهما ، شيء كبير .. هو الشعر ..

- هل تحبين البحر ؟ صمتت قليلاً ثم قالت : - أحبه وأخافه معاً ! .. البحر صورة عن الحياة .. الحلم والواقع .. الهدوء والجنون ..!

شعر بانها فتاة استثنائية .. نظر إليها باهتمام كبير .. ابتسمت بخجل وقالت :

- انا أتكلم كثيراً ؟! ثم تابعت فجأة : - هل تعمل في العقبة ؟

فوجئ بالسؤال ، لكنه أجاب : - لا .. انا ذاهب في إجازة .. وانت ؟

- انا أعيش هناك .

هذا يفسر صوت البحر المنطلق مع صوتها .. وهذه الأمواج التي تتقافز في العينين الصافيتين ..

تساءل :- إذن انت عائدة من إجازة ؟

- انا طالبة في الجامعة .. وأعود إلى العقبة كل أسبوعين .. لا أطيق الابتعاد عن البحر أكثر من ذلك ..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ! ‍

- وماذا تدرسين ؟

- الأدب العربي والفلسفة .. وتابعت : وانت .. ماذا تعمل ؟ فكر قليلاً وأشار إلى الأوراق : - أكتب ‍‍‍‍‍..!

- صحفي ؟

- أكتب في بعض الصحف والمجلات .. ونشرت بعض الكتب ..

- إذن لا بد ان يكون اسمك مشهوراً ..‍ عفواً من انت ؟!

أخبرها باسمه .. فتحت عينيها بدهشة ، تناولت الديوان .. نظرت إلى الاسم على الغلاف .. قالت بذهول :

- هل انت ؟‍! .. يا الهي ..! فوجئ بكل هذه الدهشة .. ابتسم وقال :

- ماذا .. هل خيبت أملك ؟

- انا أقرأ كل أعمالك .. وأحتفظ بمعظم كتبك .. يا الهي .. اعتذر عن ثرثرتي السخيفة..! صمتت قليلاً ثم تابعت : - كنت أتصورك أكبر سناً..! إبتسم وقال : - شكراً .. هذا إطراء كبير ..

بدت منفعلة ومرتبكة ، ندم .. تمنى لو أخبرها أي اسم آخر ..

الغروب ينشر عباءته الحمراء على الأفق .. ومعظم الركاب نائمون أو يغمضون عيونهم .. صوت فيروز يعطر الجو بعطر أزرق حالم كلون البحر ..

- هل تحبين صوت فيروز ؟

لم تجب ، نظر إليها .. كانت تغمض عينيها وقد أسندت رأسها على الكرسي . ظن انها نائمة .. أغمض عينيه هو الآخر لكنه سمع صوتها : - جداً .. وانت ؟

- هل تعرفين ؟ هناك أشياء كثيرة مشتركة بيننا ..!!

صمتا .. سمحا لصوت فيروز ان يتغلغل في أعماق الروح ..

البحر يقترب منه .. يقفز نحوه ، نوارس كثيرة تحيط به ، وهو يركض.. يركض ..! كما كان قبل سبع سنوات !

انتبه ، كان رأسها يستند على كتفه .. نظر إليها ، كانت نائمة مثل طفلة صغيرة .. اهتز الباص فجأة .. انتبهت فزعة ..همست : - آسفة ..

إبتسم ولم يقل شيئاً.. شعر بانها جميلة وقريبة ، قال : - سأكتب عنك قصيدة !

ابتسمت بفرح وقالت : - هل سأراك في العقبة ؟

- ارجو ذلك .. ستجدينني على الشاطئ ..!

- أتمنى ان أراك وانت تكتب ..ان أرى ميلاد قصيدة ! ابتسمت وتابعت : - وقد نركض معاً على الرمال ..!

تحسس قدميه .. يبدو انها لم تلاحظ العكازين ، ابتسم ولم يجب ..

كان الباص على وشك الوصول .. قال لها : - كانت رحلة جميلة معك ..

كان يأمل بان تنتهي الرحلة بذكرى جميلة .. ان تنزل من الباص قبله ، لكن الباص وصل إلى المحطة الأخيرة وهي ما زالت جالسة بجانبه .. الركاب بدأوا يستعدون للنزول .. وقفت ، نظرت إليه ..

- الن تنزل هنا ؟

- بلى .. سانزل الان . مد يده وتناول العكازين .. نظرت إليه بدهشة .. بذهول .. عادت وجلست ..

- آسفة .. لم الاحظ ..!

- أبداً .. انا أيضاً أتمنى ان اركض معك على الرمال ..!

وقفت .. مدت يدها إليه ، ساعدته على الوقوف ، حملت أوراقه .. ونزلا معاً من الحافلة .. نظر إليها .. كانت حزينة .. شعر بالرصاص يثقل صدره ..

- سأحضر لك سيارة .. أين تقيم ؟

- لا تتعبي نفسك .. سأتدبر أمري ..

أوقفت سيارة وجلست بجانبه .. عند باب الفندق ودعته وذهبت .. وفي غرفته جلس على السرير .. تذكر الرحلة بتفاصيلها .. ابتسم بمرارة وتمتم : - هو الحزن .. صديقي الوفي ..!

في اليوم التالي كان البحر جميلاً وهادئاً .. وكان يجلس على شاطئه بسكون مغمضاً عينيه .. يستمع إلى تراتيله الغامضة ..

عندما فتح عينيه وجدها أمامه .. تتأمله بصمت ، قالت وملامحها جادة تماماً :

- لم انم هذه الليلة ..! وتابعت : أحب ان أعرفك أكثر . وصمتت .. نظر إليها .. قالت فجأة :

- منذ متى ؟ نظر إلى قدميه .. ثم إلى عينيها ..

- منذ سبع سنوات ..

- حادث ؟

- تقريباً ..كنت في بيروت .. وكان الحصار والرصاص ..!

صمت ونظر إلى الأفق .. سمع صوتها بعد قليل :

- كنت مقاتلاً ؟

- كنت أدافع عن حلمي .. وعن قصائدي !

عندما نظر إليها بعد فترة .. كانت دمعتان تسيلان على خديها .. ابتسمت فجأة وقالت :

- قلت لي انك ستكتب عني قصيدة !

مد يده نحوها .. أمسك بيدها .. كان البحر جميلاً كما لم يكن من قبل .. ونوارس كثيرة .. وأشرعة ملونة كانت تسافر قادمة من كل الاتجاهات .. همس :

- هل تسمعين صوت البحر ؟ .. انه يغني الان .. لقد بدأ ينشد القصيدة !

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007