[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نيلشانا ((أثر بعد عين))
التاريخ:  القراءات:(7498) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد فالح الجهني  

.

.

.

- 1 -

هذا هو المشهد الذي أبصرته قبل سنتين، يتراءى لي في هذه اللحظة بكل تفصيلاته، واقعا لا لبس فيه؛ السماء الصافية، والنجوم المتلألئة، والليلة المقمرة. الصحراء المترامية، وفي قلبها واحة صغيرة من أشجار النخيل، حتى الصخرة السوداء الكبيرة أراها الآن جاثمة شمال الواحة؛ تماما كما شاهدتها قبل سنتين.!!

- 2 -

نيلشانا !...

نيلشانا!!..

نيلشانا!!!..

كابوس ليلي مرعب. جاثوم ثقيل فظيع. طلّسم ما ورائي غريب. صوت أنثوي صارخ الأنوثة يهتف بهلع،يردّد برعب من مكان بعيد:

- نيلشانا! نيلشانا!! نيلشانا!!!....

يقترب الصوت الأنثوي الفجِع. تزداد شدّته. يتعالى صداه. يقترب الصوت! ويقترب!! ويقترب!!!، دون أن أرى صاحبته. ومع اقتراب الصوت ينزاح الجاثوم بعد معركة عنيفة، ويغادر الكابوس مخلفا خفقا عنيفا وعطشا شديدا ....ويبقى الطلّسم لغزا مؤرقا.

عبثا حاولت فك الطلّسم؛ قلّبت المعاجم وكتب الأسرار. نقّبت في المخطوطات وجدران القرى المهجورة. سألت الشيوخ والصالحين. عرّجت على الكهنة والمشعوذين... عام من البحث العبثي مضى، ومضى معه الجاثوم والطلّسم.

- 3 -

لا حيّز للصدفة في حياتي أبدا، حتى في تلك اللحظة، التي وجدت أناملي فيها تصفُّ حروف (نيلشانا) على أحد محركات البحث قبل سنة. جزء ثوانٍ استغرقتها عملية البحث. رابط وحيد ظهر بحروف غريبة. كانت لحظة دهرية تلك التي سُقتُ فيها محرك الفأرة، لأنقر على ذلك الرابط الوحيد. انتقلتُ، وفي لحظة دهرية أخرى، إلى صفحة ويب، لم أشك مطلقا أنها صُمَّمت من أجل زيارتي؛ ففي أعلاها – لا في أسفلها- رُقن: ((أنت الزائر رقم 1)).

كانت الصفحة تحوي منظرا ليليا هادئا ساكنا، لكنه لا يخلو من مسحة الحياة: سماء صافية، نجوم متلألئة، ليلة مقمرة، صحراء مترامية، في قلبها واحة من أشجار النخيل، تجثم على طرفها الشمالي صخرة سوداء كبيرة. ليس هناك ثمة نصوص، سوى عبارة مُنمنمة واحدة تظهر أسفل الصفحة وتختفي، ثم تظهر وتختفي، ثم تظهر لتختفي نهائيا:

((نيلشانا لن تحبك؛ ولكنها لن تكرهك.. حاول أن لا تكرهها؛ وإياك أن تحبّها!!)).

تأمّلتُ المشهد لدقائق، كانت كافية لأن تنطبع تفاصيله القليلة في ذاكرتي البصرية، وافية لأن أحفظ العبارة المنمنمة عن ظهر قلب. نقرت على أيقونة التحديث، عليّ أجد مزيدا من التفاصيل، إلا أن الصفحة قد اختفت تماما؛ كأنما قد أدّت الغرض الذي صُممت ووضعت من أجله. ساعات وليال طويلة أعدت البحث فيها عن تلك الصفحة بلا فائدة. رجعت إلى تقليب المعاجم وكتب الأسرار. عدت إلى التنقيب في المخطوطات وجدران القرى المهجورة. عاودت سؤال الشيوخ والصالحين والكهنة والمشعوذين... عام آخر من البحث العبثي انصرم، وانصرم معه الطلّسم ومشهد الليلة المقمرة.

- 4 -

تيقّنت الليلة أن ذاكرتي البصرية ما تزال فتيّة. للتو طرحت الفراش، ووضعت الوسادة، واستلقيت باسترخاء، وشددت الدثار جيدا؛ فالشتاء بات قريبا. تراخيت. لاح لي الرقاد. ليلة جديدة أتخذ فيها قرارا بالتوقف عن مواصلة السفر، والتنحي بالمركبة عن الطريق، لأبيت على صدر الصحراء الرحيب. من أجمل ليالي العمر ليلة كهذه؛ أستلقي فيها متأمّلا النجمات الهائمات على صفحة سماء صافية، وقمر حالم يزداد غِضارهُ الفضّي ساعة بعد ساعة. تذكّرت الشاعر الذي بات يرعى النجم وبات النجم يرعاه.. تناهت إلى أذني أغنية قديمة تغبط النجوم مناظرة الحبيبة. نشطت ذاكرتي البصرية. أدركت – لوهلة- أنني على حرفٍ لواحة صغيرة من أشجار النخيل في قلب الصحراء: واحة تربتها رملية ناعمة بيضاء، تجثم على طرفها الشمالي صخرة سوداء، وفوقها سماء صافية مقمرة .. ونجوم متلألئة!!

- 5 -

طرق سمعي الهتاف المرعب، من جديد، بعد سنتين من الغياب:

- نيلشانا! نيلشانا!! نيلشانا!!!....

لم يكن كابوسا هذه المرة، بل ثورة مفاجئة لذاكرتي السمعية. انتشلت الذراع الفولاذي لرافعة المركبة من خلف المقعد، وتقدّمت قابضا على الذراع الفولاذي، حذرا مغامرا، إلى قلب الواحة. جو بارد لطيف وسكون متوتّر أحاطني من كل الجهات. كانت أشجار النخيل على شكل هلال يحدّ الواحة من الجنوب. الواحة رملية بيضاء باردة. الصخرة السوداء الكبيرة جاثمة شمالا. البدر بازغ من جهة الشرق، مُتوجه بهمة إلى وسط السماء. مركبتي على مرمى البصر نحو الغرب. كنت قد تنحيّت بالمركبة لمسافة كافية لأن تجعلني بمعزل تماما عن الطريق المعبّدة وحركة المسافرين؛ لحظات دهرية مرّت وأنا أجول ببصري وألتفت بكامل جسدي في كل الاتجاهات، أرقب حدثا أو قادما يمزّق هذا السكون؛ تواصل السكون، وبرغمه أحسست أن الواحة ليست طبيعية أبدا، فشددت قبضتي على الذراع الفولاذي.

- 6 -

((نيلشانا لن تحبك؛ ولكنها لن تكرهك.. حاول أن لا تكرهها؛ وإياك أن تحبّها!!)).

أين هي نيلشانا؟ ومن هي نيلشانا؟ بل ما هي نيلشانا؟! ولماذا لن تُحبّني ولماذا لن تكرهني؟ لِم يكون هناك احتمال لأن أكرهها؟ ولماذا يتحتم علي ألاّ أحبها؟!!. انتهت بي هذه الأسئلة عند لحظة سدّدتُ فيها بصري إلى الصخرة السوداء، لألمح ظلا ضئيلا بجوار ظل الصخرة، يشي بشخص يقف خلفها. توجّست. شددت قبضتي على الذراع الفولاذي. تفصّد عرق بارد من جبهتي. حبست أنفاسي. أحسست بضغط الخوف على حنجرتي. تجرّأت. هتفت بصوت مرتعش يخنقه الخوف: نيلشانا؟!

تحرّك الظل. وظهر من خلف الصخرة شبح أسود أخذ يتقدّم مُيّمما صوبي، ليتجلّى بهيئة امرأة أقصر مني قليلا. جلبابها الأسود يغطي قدميها لأجهل تماما كنه نعليها. تربة الواحة البيضاء تزيد الجلباب سوادا. كانت تلفّ وشاحا أسودا على شعرها. وشاحها مشدود حول جمجمتها مجسّما لهامة كروية تماما . تقدّمت نحوي بتؤدة وبخطوات واثقة موزونة مشبّكة بين أصابعها، ثانية لذراعيها إلى الأمام قليلا. توقفت على بعد أمتار كافية لأن أدرك ملامح وجهها. ظهر جبينها غضا جازما بأن لم يقبله أحد، إلا أن حاجبيها كانا خفيفين صارمين كحواجب المسنّات. عيناها غامضتان غائرتان في محجرين ساحرين. نظراتها التي تسددّها إلىّ ثاقبة حازمة لا تهتز. كانت تكتسي بهالة من الوقار والجلال. ظلّت واقفة أمامي لحظات خلتها دهورا. تجرأتُ، مرة أخرى، ونطقت بصوت مبحوح: نيلشانا؟!. لم تجب، وإنما ازدادت نظراتها حدّة وصرامة، وأشارت بسبابة يمينها باتجاهي، كأنما تأمرني أن ألتفت خلفي.

- 7 -

التفتُّ طائعا حذرا. لم أبصر خلفي سوى قوس أشجار النخيل ؛ فقد كان الظل كثيفا، لكنني وبعد شحذٍ للبصر تبيّنتُ رجلا نحيلا طويل الأطراف يجلس القرفصاء – ببؤس - على الحد الفاصل بين الظل والنور. التففتُ بكامل جسدي نحو الرجل. أشار الرجل إلىّ إشارة ترحيب جافة بغير حفاوة. ذهلتُ لهيئته المتهالكة وثيابه الرثة وشعره الأشعث. انتصب فبدا فارع الطول. اقترب مني بخطوات متهالكة. اقترب كثيرا ولا أدري لماذا أيقنت بأنه يسحب خلفه ذيلا طويلا لا أراه. كان الرجل أطول مني بفارق ملحوظ. بدت آثار وسامة مندثرة على وجهه. انحنى للأمام قليلا حتى كاد أن يلامس أنفه أنفي. تبسّم ابتسامة لم أر أبشع منها، فقد كانت أسنانه منخورة لتبدو شبيهة بعروق النخيل المتخشّبة. انبعثت من فيه رائحة بخرٍ كريهة أفصحت عن جوع طال أمده أو سكْر دائم. وكزته – خائفا مدافعا - بالذراع الفولاذي فرجع بخطواته إلى الخلف. وأخرج من جعبته سوطا جلديا طويلا. شددت قبضتي على الذراع الفولاذي. وحركته أمامي حركة هجومية سريعة سُمع صوت حفيفها. فرد الرجل سوطه في الهواء، وأخذ بحركة غريبة يجلد ظهره ويصرخ متألما بتوجّع، صراخا محرقا يتيه في أرجاء الصحراء بلا صدىً. استمر الرجل في تعذيب نفسه للحظات، حتى بدأ دخان أبيض يتعالى من جانبيه، كان المشهد مذهلا فلم أعلم من قبل أن دخانا يتعالى من جلد تمسّه السياط. توقف الرجل عن تعذيب نفسه. ثم تقرفص من جديد بيني وبين قوس أشجار النخيل، على الحد الفاصل بين الظل والنور. توسط القمر صفحة السماء. أخذ الرجل يبكي بحرقة ومرارة شديدة. وكنت أرقبة بتوجّس وذهول. قبل أن يسكن تماما، لأتذكّر نيلشانا خلفي.

- 8 -

في اللحظة التي التفت فيها شمالا، كانت نيلشانا قد اعتلت الصخرة السوداء. ووقفت فوقها وقد رفعت هامتها نحو القمر ورنت إليه بنظرة أمل ورجاء. رفعت نيلشانا يديها نحو القمر. وشبكت بين أصابعها، وتخشّبت مادة ذراعيها نحو القمر. خيّل إلي أن ثمة خيطا مستقيما من نور يصل بين ذراعيها المتشابكين وبين بؤرة القمر. كانت لحظة مهولة عندما شاهدت نيلشانا تنسلخ إلى نصفين يسقطان يمينا ويسارا، ليولد من بينهما فتاة صغيرة السن، أنحل من نيلشانا، وأكثر منها غضارة. فتاة حسناء لم أرى في حياتي من تقاربها جمالا وحسنا أو تماثلها رقة وعذوبة. كانت الفتاة بضة ناعمة تفرق شعرها البني الطويل من منتصفه، وترتدي حُلّة رائعة من قطعتين حمراوين، أفضتا عن مدى رشاقتها. انثنت الفتاة على الصخرة وجلست بدلال. أرى بوضوح جبينها أبيضا ناصعا نضرا ينشر البياض والجمال في أطراف الصحراء، ويضاهي في روعته لُجين القمر. انهال على مسمعي رطنٌ بدأت الفتاة تنثره وتناجي به القمر. كان رطنا مفهوما في جملته غامضا في تفصيلاته. رطناً كثيرا هو إلى الشعر اقرب. رطناً فاق عذوبتها عذوبة وجمالها جمالا ورقتها رقة. كان رطناً حلوا رائعا آسرا أخاذا. رطناً متواصلا متصلا متناسقا متساوقا. أحسست أن رطنها كان موجها إلى حبيب غالٍ، حبيب بعيد هاجر، فتى تحبّه لكنه فتىً ناسيا قاسيا. كان رطناً يجعل من كل من يسمعه يتمنى، أمنية يشتريها بعمره، أن لو كان ذلك الحبيب الذي تناجيه الفتاة. لم تتوقّف الفتاه عن نثر رطنها. ولكنني سمعت نشيجا خلفي، فالتفت لأجد الرجل البائس الشائن خلفي ينفخ في جمرات غافيات، جمعهن أمامه، لم ألحظهن من قبل، ولا أدري من أين جاء بهن.

- 9 -

واصلت الفتاة نثر دررها ورطنها المفهوم جملة الغامض تفصيلا. بينما أخذ الرجل يتجوّل ويجمع أحطابا جافة من أطراف الواحة ويكومها فوق الجمرات اللائي كدن أن يرمدن تماما. ثم صار الرجل ينفخ في الجمرات نفخا يسمع منه صوت رئتيه وهو يشحذهما. في لحظة تعالى لهب النار واستعرت في الحطب، فاكتست الواحة لونا ناريا أحمرا. انتصب الرجل وانتشى كميّت دبّت فيه الحياة من جديد، وبدأ يدور حول النار المشتعلة. توقف الرجل عن الدوران وصوب نظراته تجاهي بابتسامة تنم عن شهوانية وشبق مفرط. كانت النار المشتعلة بيني وبينه تماما. قدّرت أن نظراته لم تكن مسدّدة إلى بل تتجاوزني إلى حيث الصخرة خلفي والفتاة الحسناء، التي توقفت في هذه اللحظة عن رطنها الآسر. يمّمتُ غربا حتى أتمكن من ملاحظة الفتاة والرجل معا. ذهلت من جديد!! فالفتاة وقفت ومدت ذراعيا نحو القمر حتى تصوّرتُ أنها ستندفع إلى بؤرة القمر كالسهم إلى قلب النيشان. بلغ مني الذهول مبلغا كبيرا حين بدأت الفتاة الحسناء تنسلخ إلى نصفين يسقطان جانبا عن امرأة فاتنة الجسد، صارخة الأنوثة، ترتدي غلالة خفيفة تشف عن جسدها الباذخ الفتنة. أرخت المرأة الجديدة رأسها وبدأت تسكب نظراتها على جسدها ومباذلها. قهقه الرجل عن يساري وصفّق فانحدر من أشجار النخيل أقزام قميئون بلا عدد. انتشر الأقزام على أطراف الواحة. وأخذوا يتقافزون في حركة فوضوية، بينما أخرج الرجل من جعبته دُفّا كدفوف الغجر، وشرع ينقر عليه نقرا سريعا متواصلا بإيقاع راقص، في الوقت الذي يواصل فيه نظره الشبق إلى المرأة الفاتنة. بدأت المرأة تهتز وتتلوى كالحية في رقص خليع ماجن. خلط الرجل نقره على الدف برقص يستجيب لرقص المرأة. كان الوضع مغريا بالرقص، فأخذت بدوري أرقص رقصة حربية في وسط الواحة مستخدما الذراع الفولاذي، بينما واصل الأقزام حركتهم الفوضوية حول أطراف الواحة الصغيرة.

- 10 -

قبل أن تكتمل نشوة الرقص، توقف الرجل عن النقر على الدف، واستل سوطه من جديد، وتوقفت المرأة عن الرقص، لتنسلخ انسلاخا ثالثا مثيرا، أفصح عن نيلشانا الأولى تقف صارمة فوق الصخرة السوداء، وقد لاحظت الآن أن سائلا أبيضا يقطر من زنديها. أخذ الرجل يعذّب نفسه من جديد بلسعات محرقة. والدخان يعاود التصاعد من جنبيه. يصرخ الرجل بتوجّع ويواصل إطلاق صرخات العذاب الرهيبة، حتى رمى السوط واقترب مني. كاد أنفه أن يلامس أنفي. رائحة البخر الكريهة تزكم أنفي ثانية. شددت قبضتيّ على الذراع الفولاذي. تشجّعت. نطقت بصوت لاهث من تأثير الرقص. سألته:

- لِمَ العذاب؟

- لأجلها (بصوت غامض أجش).

- مَنْ؟!

- الغاية.

- ألها جادّة سابلة؟.

- لا أتبع الجُدَد السابلة كالبهائم.

- ما عدا الجادّة.. مهلكة!

- ولكنها باختياري وبطريقتي.

- ربما نَفَقتَ في غير الجادة كالبهيمة...

- (قاطعني) الحياة مغامرة!!

- لا تقاطعني (قلتها بغضب)

زفر بكراهية. فبصقت بين عينيه. سلّط نحوي سهاما من النظرات الحاقدة، قابلتها بالمثل.

- 11 -

فاجأني الرجل، وقبض معي على الذراع الفولاذي. كان وجهه قريبا من وجهي. انحنى ليواجهني تماما. رائحة البخر الكريهة تدفعني لأن أترك الذراع الفولاذية وأهرب. لكننا تنازعنا الذراع الفولاذي بعنف، في معركة حياة أو موت. أيقنت بأن نهايتي مرهونة بلحظة تتراخى فيها قبضتي عن الذراع الفولاذية، وعندها ستكون نهايتي بسلاحي. لاحت لي أطياف الرفاق الذين ودّعتهم مساء اليوم. كنا قد قضيّنا شهرا كاملا في رحلة صيد جبلية. كانت أياما وليالي عامرة بالحركة والنشاط. فطورنا التمر والقهوة والحليب وكثير من جريش الحنطة المسربل بالسمن. اعتدنا أن نحمل زادا يفوق حاجتنا في رحلتنا اليومية إلى أعالي الجبال. نمسي على صيد وشواء ولبن يأتينا من سكان البادية حول المخيّم. كان شهرا من العافية والرياضة والمطعم المغذّي. أشعر بالعافية والقوة تملأ جسدي. أتنازع الذراع مع الخصم الذي لم أقدّر قوّته. كان خصما بالغ القوّة رغم بنيته المتهالكة. أخذنا ندور في أرجاء الواحة، أشعر في لحظات أن قبضتيّ قد فترتا وأن الذراع الفولاذية أصبحت بحوزة الرجل. إلا أن إحساسي بعضلاتي، التي فتلتها الرياضة الجبلية ودعمتها التغذية الجيّدة، يعيد إلىّ الثقة، فأواصل محاولة الظفر بسلاحي.

طالت المعركة، واطّردت وحشيتها. حمدت الله على النشاط والتماسك الذي منحني إياها الصيد وتسلّق الجبال، فقد كان هناك احتمال – لولاهما -لأن أكون صريعا بسلاحي. لم ندع بقعة من الواحة لم نطأها خلال العراك. أحسست بالأقزام يتكاثرون، ثم يقتربون منا. ازدحمت الواحة. صار الأقزام يلامسوننا بين عاذل، وبين من هو في صفي، وبين من هو في صف الخصم. أطبق على عنقي أحدهم. كنف رجليه حول وسطي. أطبق فكيّه على قَصْرةِ عنقي من الخلف. أحسست بأنيابه تمزق قصرتي. التفت إلى القزم الذي فت في عضدي – بالفعل- لصالح الخصم. فكادت قبضتي أن تتراخى عندما لمحتُ وجهه الذي أعرفه جيدا، وعينيه الصارمتين، غائرتين في محجريهما الساحرين.

- 12 -

إذن.. فنيلشانا ليست محايدة، هاهي تطبق على مؤخرة قصرتي بفكيها وتكنف رجليها على وسطي، وتزيد من حظوظ الخصم ظفرا بالسلاح. الواحة تزداد ازدحاما بالأقزام، يختلط فيها الحابل بالنابل، ليس هناك من شك بأني أواجه خصمين صريحين، من أمامي ومن خلفي، لولا أنني لمحت نيلشانا، وبحركة مقصودة لم يلمحها غيري في خضم الفوضى، تدس شيئا في جيب ثوبي الجانبي. كان فعلها العارض هذا كفيلا برفع روحي المعنوية. تضافرت العافية والغذاء والنشاط والدفقة المعنوية العارضة التي سكبتها نيلشانا في روحي. دفعت الذراع الفولاذية إلى الأمام بقوة وعنف وبسرعة خاطفة، ثم سحبتها بذات القوة والسرعة،لأجد الخصم منحنيا أمامي يملأ كفيه من رمل الواحة في وضع مكشوف. انحسر الأقزام عن دائرة ضيّقة في وسط الواحة. أخذت نيلشانا طرفا من دائرة الموت. حاول الرجل النهوض وهو يغمغم. هويت بالذراع على جبهته في اللحظة التي حاول رفع فيها هامته. أحدث الذراع الفولاذي دمغة غائرة في جبهته. لم ينز الدم من مكان الدمغة، إنما انهمر صديد أصفر بغزارة ليغطي وجهه. تراجعت إلى الخلف. وقف الرجل على مسافة مني، وأصدر صوتا مخيفا كان خليطا من خوار البقر وعواء الذئاب، كان للصوت صدى مرعبا رغم الفيافي المحيطة. لاحت لي فُرجة في دائرة الأقزام تؤدي إلى مركبتي. كان مقدار الرعب الذي ملأ قلبي، كفيلا بأن يجعلني في لحظة، ممسكا بعجلة قيادة المركبة، سائقا لها بتهوّر، فوق الصخور والرمال باتجاه الطريق المعبّدة. كان المشهد المنعكس في مرآة المركبة الأمامية كفيلا بأن أواصل طريقي الرملية الصخرية نحو الطريق المعبّدة، بكل ما أوتيت من مهارة وسرعة. كان الرجل منتصب يلعن ويشتم والصديد ينهمر من دمغته. ونيلشانا واقفة بجانبه، ولكنها لا تسنده. كانا بارزين في وسط الأقزام. حركة الأقزام الفوضوية مستمرة من حوليهما في قلب الواحة. بدت الصورة لي معكوسة في مرآة المركبة الأمامية: قوس أشجار النخيل إلى يساري والصخرة السوداء على يميني؛ إلا أن القمر كان في قلب المشهد، تحيطه النجوم المتلألئة .

(13)

أحسست وكأن المركبة قد توقفت عن المسير في اللحظة التي انتظمت فيها على قارعة الطريق المعبّدة، ففرق بين طريق معبّدة وصحراء صخرية رملية مليئة بالأخاديد. كنت أزيد من السرعة إلى أقصى حد ممكن، رغبة في الابتعاد قدر الإمكان عن الواحة وأرضها.

ربما لهلعي.. رأيت نيلشانا تجلس بجانب خصمي، الذي رأيته قائدا لكل المركبات التي قابلتني على الطريق، أراهما مسافرين يعقباني إلى الواحة في غاية السرور والانسجام، يتمايلان طربا على صوت أغنيات تنبعث من مسجّل مركباتهما، وفي اللحظة الخاطفة التي يقابلانني فيها على الطريق يسخران مني ويرمقاني بنظرات شامته وحاقدة؛ فكنت أميل إلى يمين الطريق في كل لحظة تقابلني فيها مركبة. حتى وصلت إلى محطة للمسافرين على الطريق. كان المناخ في محطة المسافرين مريحا؛ مركبات وأطفال ونساء، أناس في المطعم، وأشخاص في المتجر، وغيرهم في المقهى، ورجل، أعاد الطمأنينة إلى روحي، يصلي من الليل في المصلّى المكشوف. فبتّ حيث بات الرفاق الذي سبقوني إلى هذه الاستراحة.

جئت بالرفاق إلى الواحة في صباح تلك الليلة، كانوا يدلّلون على أنني قد نزلت في واحة للجن بآثار أقدامي دون أية آثار أخرى للرجل أو للأقزام أو لنيلشانا. بالفعل كانت آثار أقدامي بارزة في كل مكان من الواحة. آثار أقدامي وحدي هنا وهناك وهناك... شكرتهم. ذكرت الله وحمدته. أقسمت ألا أبيت بعدها في أي مكان إلا ذاكرا لله متعوذا به من الشياطين. تفرّقوا من حولي بينما بقيت أتفحّص واحتي البارحة. في لحظة التفتُّ فيها جانبا أحسست بألم في قصرتي. استحضرت عضة نيلشانا. لمست قصرتي بكفّي. تلمّست أثر أنيابها. ضغطت على مكان العضة. عدت بكفيّ وعليها أثار للدم تنبئ عن وجود جرح ملموس. تداعت إلى ذاكرتي تلك اللحظة الخاطفة في خضّم الفوضى، تلك اللحظة التي دسّت فيها نيلشانا شيئا ما في جيبي. لحظة دهرية، شككت خلالها عشرات المرات بأن الواحة ليست واحة جن وأوهام، أُخرجت من جيبي قارورة عطر أبصرتها بعينيّ! ولمستها بكفيّ!! فتحت القارورة. شممت عطرا غامضا موحيا لم أشم شبيها له من قبل. تعطّرت به كثيرا..سألني الرفاق كثيرا عن المتجر الذي ابتعت منه هذا العطر. أمضيت أياما أبحث في كل محلات العطور، في كل البلدان وفي كل المدن، عن عطر شبيه، فيسألني البائعون بنفس الدهشة والاستغراب نفس السؤال. شهرا بعد شهر، يتناقص العطر في القارورة. أقتصد في العطر. ولكن لابد للعطر أن ينقضي. بقية باقية من أثر العطر تبقّت في القارورة. أيام وتتلاشى الرائحة تماما وتتبقّى القارورة بلا رائحة.... القارورة؟!!

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007