[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قرية المريخ !! ( للأطفال ) 
التاريخ:الخميس 26 يوليو 2001  القراءات:(14184) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  
ناصر الولد الصغير ، ذو الجسم النحيف الخفيف ، ركض لمدة طويلة ، ركض حتى تعب ، وعندما تعب جلس قليلاً والتفت .. كانت دياره بعيدة ، شاهد لمعان المركبة الفضائية في الشمس ، قام و ركض بكل قوته ليلحق بها : ( إنه حلمه الكبير الذي راوده طويلاً ، أن يسافر و ويطأ تربة المريخ الحمراء ..) ، كانت المركبة تتلألأ مبتعدة ، وهو يحاول الطيران ؛ للحظة أحس أنه عاجز ، وكادت تفر من عينيه دمعة ، ولكنه صرخ منادياً صديقته الريح :

- يا ريح تعالي ..بسرعة تعالي .. يا ريح !‍

لحظات والريح تلفه بردائها و تحمله خفيفاً مثل صقر ، الأرض تبتعد ، والمركبة اللامعة تقترب ، هاهي .. إنه يلتصق بها ، أغمض عينيه ……ذلك ما قالت له صديقته :

- ستحتاج إلى عينيك في المستقبل !

ربتت على خده بنسمتها الخفيفة ثم عادت إلى الأرض لتلعب مع الأشجار و أمواج البحر .

لا يدري ناصر كم بقي طائراً ، ولكنه شعر فجأة أن ريحاً ملونة - برتقالية أو حمراء تقريباً - تضعه بهدوء على تربة المريخ الحمراء الناعمة .. أوه..

- يا للفرح !

هكذا هتف …تلفت في كل الجهات ، ولم يشاهـــد غير ( سوجورنير* ) تفر من أمامه كخنفساء حديدية صغيرة ، وتلفّ لتختفي خلف الصخور .. قرر- بعد تفكير قصير - أن يأخذ الجهة الأخرى : ( تذكر قول جده الكبير : إذا احترت فالتفت .. ! ) استدار ، و مشى بشكل لين ، حتى تجاوز الكثير من الصخور و الحفر وبعض الأودية الصغيرة الجافة ، تراءى أمامه ، الآن تل متوسط الحجم ، بدأ يصعده على مهل ، أحس بسعادة غامرة ، لكنه أحس - وسط السكون المطبق - بأصوات بعيدة ، وعندما أشرف على قمة التل شاهد من تحته نهراً صغيراً وعلى ضفته قرية ، انحدر بسرعة حتى وصل إلى النهر ، و وقف مندهشاً : كانت مياهه ملونة ، بل أنها خيوط ماء ملون تجري بهدوء تام . قال في نفسه سأغامر و أتذوقها : شرب من الخط البرتقالي فإذا هو ماء برتقال ، كان بجانبه ماء أحمر فإذا هو ماء الفراولة ، ثم ماء التفاح ، ثم غطس يده في ماء أسود فإذا هو ماء الباذنجان : كانت آلاف المياه الملونة لفواكه و خضار ، و أشياء لا حصر لها ، ضحك لنفسه وقال :

- لو درى بها صاحب البقالة لصنع منها المثلجات !

في هذه الأثناء وجد نفسه وقد قطع النهر دون عناء :

- نهر صغير و غريب ! ‍‍.

قال لنفسه .

القرية الآن أمامه ، استغرب أن يرى الكثير من الرجال الجالسين ، كانوا يرونه دون أن يثير ذلك أي حركة لديهم .. تقدم إلى أولهم وحياه ،فلم يرد . أومأ له بيده فرمش الرجل بعينيه ، ولم يتحرك . كان ناصر جائعاً ، ولذلك فقد أخذ صبره ينفد ، وبدأ يصرخ في القوم الجالسين دون حراك ..دار عليهم بصراخه ، وفجأة رأى مجموعة من الرؤوس الصغيرة ، تطل من خلف أحد البيوت . اقترب منها فهاله حجم الأذنين الكبير لهؤلاء الأولاد : أذنان مدورتان كطبقين في كل رأس ، التفت إلى الرجال الجاثمين في أماكنهم : فشاهد لكل منهم أذنين مدورتين كطبقين صغيرين … أصابه خوف مبهم ، وحب للمغامرة ، و شيء من الغضب ، فركض نحو الأولاد بكل قوته … حتى إذا وصلهم حياهم و هو يلهث :

-أنا ناصر .. من هناك ! .

و أشار إلى المدى الواسع حيث الأرض الزرقاء معلقة في أقاصي السماء ! .

فتقدم ذو أكبر طبـقـين في رأسه وقال :

- أهلاً ... هل شربت من ماء فواكهنا .. وخضارنا ؟

- نعم ‍!

- ما رأيك !؟

- أنتم محظوظون . فلستم بحاجة إلى الشراء أو الطبخ .. إنكم لا تشترون هذه الفواكه .. أليس كذلك ؟

- نعم ولكننا مللنا منها ، لقد أكلناها طوال السنين ‍،أنتم في الأرض تعملون .. ألا ترى إلى آبائنا الجالسين ؟

- ! ؟

- إنهم يجلسون هكذا من دهور !

- ألا يعملون ؟

- إن عملهم التأمل ! ‍

- كيف ؟

- إن هؤلاء هم مجلس القرية .. مجلس الحكماء ‍!

- حكماء ؟ ولكنني حدثتهم و لم يردوا عليّ !‍

- آه .. ألا تعرف أن ما من حكيم في هذه القرية إلا و هو أصم ؟

- أصم؟

- نعم ، إن عاداتنا تقضي أن يقوم كبير القرية يثقب طبلتي كل من يريد أن ينضم إلى مجلس الحكماء !

- كيف؟

- يدعوه إلى النوم ..

-إلى النوم؟ كيف؟

- يحضرونه ، ويجلسونه : ثم يبدؤون العزف له بأبواق خاصة حتى تترنح رقبته - بعد أن ينام رأسه ، و يصبح ثقيلاً مثل الحجر !

-ثم ماذا؟

-يقوم كبيرهم بخرق أذنيه .. فيفرّ مذعوراً من الألم ، ويظل يصرخ . ويصرخ حتى يخر في الأرض .. إن مات نُفِيَ ، وإن عاش قضى بقية وقته في سكون تام !

- كيف يُنفى الميتون ؟

- يُرمون خارج هذا الكوكب !

-و الألم .. ماذا تفعلون لمن تثقب أذناه ؟

- هو حياتنا ..لكن الحكيم ينساه بعد أن يتعمق في رؤية الأشياء ..فليــس لديه ، الآن ، غير عينيه . هكذا يقولون !

-و لكن هل يوافق جميع الرجال على ذلك ؟

- اسألهم بنفسك ، فلست غير طفل !

- و لكن لماذا هذه الطريقة العجيبة ؟

-يقول كبير الحكماء : إن الدنيا ضجيج ، و الأصوات ملهاة تصرف الحكيم عن التأمل و التفكير في الأمور الكبيرة !

- آه ..

كان طفل بجانبه ، يهمس بطبقي جاره :

( انظر إلى عينيه ، إنه يستغرب أن ينبذ الموتى خارج المريخ ، قل له : أننا نقذف بهم نحو الشمس ليحترقوا ، و بعضهم يتساقطون على الأرض كشهب ملتهبة .. هل نسأله ؟ ) ، استدار الإثنان إليه ، وقالا ساخرين :

-يا ناصر .. ربما كنت أحد الذين رماهم الأجداد ‍!!

استدار ناصر ليعود ، فاستوقفه أحدهم :

- لا تغضب ! . نود أن تبقى معنا هنا طويلاً .

- شكراً ، لا . . لدي مدرسة ؟

-مدرسة ؟ ما هي ؟

-إنها المكان الذي أتعلم فيه .

-هل هي عملك ؟

-نعم إنها عملي ‍!

-ما لونها ؟ و هل بها نهر ملون ؟

صرخ أحدهم بقوة :

- لماذا لك أذنان صغيرتان ؟!

ردّ بسرعة :

- إنني أسمعكم بقوة !

و انهالوا عليه بأسئلة لا حصر لها ، كان الرجال الجالسين بجوارهم يهزّون رؤوسهم بصمت ، و هم يتأملون .. نظر في ساعته ، فرأى وقت عمله يقترب ، ودّ لو دعا بعض هؤلاء الأولاد للعودة معه ، ولكنه قال في نفسه : ( ماذا يحصل لهم عندما يرون فواجع أرضي ! ) ، قال لهم :

- وداعاً !

صرخوا جميعاً بقوة :

- لا .. لا .. لا ..

سألهم باستغراب :

- ماذا تريدون ؟!

قال أحدهم :

-أرنا ما في جيبك !!

صاحوا جميعاً :

-نحن نرى البذور .. أعطنا البذور .. أعطناها .. و علمنا الزراعة !!

لبسه سرور لا يوصف ، أحس أنه مزرعة كبيرة واسعة ، غنية .. ومليئة بكل الأشجار ، و الثمار ، والجميع فيها يأكلون .. والطيور تأكل وتغرد ، والحيوانات .. حدق بعيداً ، فرأى قرص الأرض موغلاً ، وباهتاً ، ود لو بكى .. لكنه نفض نفسه بعزيمة ، وقادهم إلى النهر .. قسمهم إلى مجموعات و وزع عليهم البذور ، وعلمهم كيف يسقونها .. و مع اقتراب المغيب قال لهم :

-وداعاً !

هزوا رؤوسهم ، و اصطفقت آذانهم … صفّـر ناصر لصديقته الريح الملونة ، حيث كانت تتلاعب فوق الرمال الحمراء ، فجاءته راكضة كغزال ، وضعت أمامه سريراً مرصعاً بنجوم صغيرة لامعة ، نام فوقه ، قالت له الريح : أغمض عينيك .. لمح مجموعة من الأطفال تندس في سريره ، وتغمض عيونها .. ابتسم ثم أغمض عينيه ، و قال لصديقته : سأحلم بنهر صغير ملون ، هزّت رأسها موافقة .. طار ، و طار .. وعندما فتح عينيه ، كان شبح المركبة الفضائية يقترب عائداً من الأرض ، هنأ نفسه قائلاً :

-لقد سبقتها !

تلفت حوله فلم يشاهد غير أشباح أطفال بعيدين ، هناك في آخر الشارع ، ربما كانت آذانهم كبيره ، قال لنفسه ( سأتأكد من وجودهم غداً في غرفة صفي ، أو في المدرسة ) ، تذكر أنه رأى اثنين أو ثلاثة من قبل ، بل وكانت أذنا أحد المدرسين كبيرتين ، ضحك بصوت عال ثم جذب غطاءه ، و أغمض عينيه و هو يقول :

- كيف للإنسان أن يعرف ما سيفعله الأطفال في المستقبل ؟؟‍‍!

الدمام - الأربعاء 18/9/1997 م


( سوجورنير ) هي فتاة حديدية ، ولدتها العربة ( باثفايندر ) على سطح المريخ يوم 4/7/1997م .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007