[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
ارتباكات ( 1) 
التاريخ:  القراءات:(5245) قراءة  التعليقات:(15) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

 

 

ارتباكات ( 1)

 

 * قط مرقط .

 

 في هشاشة السكون فاجأني . قط أسود مرقط بالأبيض يتسلل في خفاء مرهق .  تبدو عيناه في جوف الليل جمرتين من النار . أحث الخطى كي أنجو بنفسي . رأيت الشيخ على مقعده تحت شجرة التوت . يتلو من مصحف مجلد آيات من القرآن . فوق الرأس تماما يتدلى مصباح كيروسيني شحيح الضوء . قفز القط نحوي فانحرفت بجسدي بمقدار بوصة . أخطأ الهدف ، لكنني أبصرته يستدير كي ينشب مخالبه في عنق الشيخ الطيب.

 

* كلمة سر الليل .

 

لم أستطع أن انطق كلمة واحدة . حين صرخ في وجهي :كلمة سر الليل . كنت أفكر في الأشهر المتبقية لي في الخدمة العسكرية . عائد من إجازتي الميدانية ورأسي تسكنها هموم كثيرة. أشهر " سونكي " البندقية في وجهي  . ارتجفت خائفا. ليل نجومه تسقط في يدي كعناقيد من العنب الذي لم يستو بعد ، شهقت من الألم ، وسن الحديد المصقول ينغرس في جسدي حتى شعرت به يمزق أحشائي . بالفعل كان سرسوب الدم يشخب في شراييني تحت السرة . قلت مرعوبا: دم . أبعد سلاحه ، ووصلني صوته مشروخا : هو كذلك . أعبر. 

 

* طفـــــــــل.

 

جـرّت السيدة عربة أطفال صغيرة مزينة بزهور صناعية وشبكة من التل . لها ولهة تشبه خطيبتي السابقة . تلك التي تركتني قبل إجراءات الزفاف بأسبوعين بدعوى أنني مفلس . هي نفسها بنفس وسامتها و" حسنة " صغيرة تحت الذقن الدقيق المستدير . بدون إرادة مني تقدمت منها . فوجئت بي فقبضت على مقود العربة بقوة فيما انحنيت أكشف بيدي غطاء التل. كان الطفل نائما لكنه يشبهني كل الشبه.

 

* جــنين .

 

في " الدرب الحمر " كمن لها . لم يكد يراها تغادر البيت القديم في الحي الشعبي حتى ناداها . التفتت نحوه . قبل أن تستوعب المصيبة التي تنتظرها تقدم منها . طعنها بسكين حاد كان قد سنه سنا. سقطت مضرجة في دم غزال أحمر هو دمها . التم عليه أهل الحي وكادوا يفتكون به. لم تهتز شعرة في رأسه وهم يضربونه بقسوة ، و يجردونه من سلاحه. كان يتمتم كالشارد : هي أختي ، وقد غسلت شرفي . تركوه ينحني ويتأمل الجسد الذي كان يرتجف ارتجافته الأخيرة. على الصيحات الغاضبة أطل وجه العشيق من المشربية فأدرك كل شيء . فور أن اقتادوا القاتل لمركز الشرطة هبط مسرعا . أبعد بيده أوراق الصحف المبقعة بالدم. مد يده يتحسس قبة بطنها . كان الجنين ما زال يتحرك.

 

* لعبة جبرية.

 

  أسرعت الأقدام تتلمس طريقها إلى العتبات ومنها إلى السلالم المفضية للحوش . حين دوّت صفارات الإنذار لم تجد البنات وقتا لارتداء ملابس مناسبة ، أما الرجال فقد نزلوا بمناماتهم .

 كان يحبها في النور ، وهي تبادله نظرات صامتة. في ظلام المخبأ امتدت يده تفتش عن حمامتين راقدتين على صدرها في هدوء .بورسعيد طلت زجاجها بالأزرق وشمرت عن ساعديها لتعلن المقاومة . إمتدت اليد أكثر مما ينبغي نحو جسد مستتربثوب خفيف من " الباتستا " . أحرجت أن تنبس بحرف . كانت الكشافات في الخارج تمسح السماء فيما كانت أصابعه تمسح النعومة الدافئة حتى أدرك نتوء القبتين . شهقت في العتامة وشهق. دوت صفارات الإنذار بانتهاء الغارة . أحب تأميم القناة أكثر وأكثر.

 

* أقحوانة.

 

قالت له بطيبة بالغة : أترك قلبي !

 كان حديثها أقرب للهمس ، وفمها يقترب تماما من أذنه . ثمة بثور قليلة على الوجنتين أخفتها بمسحوق تجميل رخيص .

 رد بصدق : لا يستطيع أحد أن يمسك القلب ولا أن يستعمر الدماغ.

 نظرت إليه من أعلى لأسفل ، قاست طوله ، وفكرت أن تعترف له بحبها . لكنها تكره سيجارته المعلقة دوما على طرف شفتيه ، وتكره السلسلة الفضية المتدلية من عنقه والمندسة في شعرصدره الأسود الغزير المبدور تحت عنقه بمسافة قليلة جدا ، وأكثر ما تكرهه أن كل بنات الثانوي يعرفن عنوان هاتفه .

 أخفت عنه حبها ، ولم ترد أن تخبره بالآخرين الذين يخطبون ودها  ،  فقد كان قلبها الأخضر الطري في مرحلة التشكل ، وأمها أخبرتها ألا تخلع شيئا من ملابسها ، وألا تهب قلبها لرجل مهما كان وسيما أو طيبا ، وألا تعود في الليل بمفردها .

 سألته في فضول :هل تحبني حقا ؟

 هز رأسه مؤكدا : طبعا . اطلبي ما شئت .

 ابتسمت وهي تقلب الفكرة في رأسها :  أريد أقحوانة .. بيضاء !

 مط شفتيه بعد أن رمى السيجارة : سأحضرها لك  ولو ذهبت إلى الصين .

 سأل كل الناس عنها ، ولم يجد أحد يعرف شيئا عن الأقحوانة . في النهاية دلوه على محل " الأوركيدا " بالحي الدبلوماسي الفاخر . دخل مترددا وسأل عن أقحوانة بيضاء . أشار صاحب المحل بدون اهتمام نحو مجموعات زهور مشذبة في " فازات " زجاجية وراء حاجز زجاجي شفاف : عندك .. هناك.

 احتارفي المقصود بكلمة : هناك . لم يشاهد  في حياته ولو لمرة واحدة أقحوانة . أرتبك وهو يستل واحدة بيضاء . هز الرجل رأسه وهو يستفسر منه : حضرتك عندك مرض جلدي؟

أعتراه الصمت ، كل ما فعله أن مد يده بالنقود ، وانصرف متحيرا من كلام الرجل . في  صباح اليوم الثالث ، المتفق عليه ذهب في الموعد تماما بدون ثانية تقديم أو تأخير وجد عشرة من الشباب يقفون في نفس المحطة ذات السقف القرميد الأحمر، يتململون،  ويهرشون جلودهم ، وبيد كل منهم أقحوانة .. بيضاء !

 

( كتبت هذه النصوص يومي 27، 28/ 1/ 2006).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007