[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
حكاية أم شريف والبيضة الذهب . 
التاريخ:  القراءات:(5483) قراءة  التعليقات:(17) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

حكاية أم شريف والبيضة الذهب .

 

بقلم : سمير الفيل

 

الدجاجة السوداء باضت بيضة من ذهب . هذا ما تناقله الأهالي وسرى في الحي سريان النار في الهشيم ، ودللوا عليه بالثراء الذي حط على أم شريف فجأة ، فبدل الله حظها من حال إلى حال. وجاء عويس الأعمى فرفع كفه وصاح بأعلى صوت : اللهم لا اعتراض . لكن لابد من حيلة كي نحصل على نصيب هو حق لنا.

سألوه في المقهى : تقصد بيضة ؟

هزأ بأحلامهم المتواضعة : ولم لا نحصل على الدجاجة كلها ؟

طرطقوا آذانهم ، وجاء الشيطان أبليس فجلس على كرسي قش قد تنسل من الأطراف ، واضعا ساق على ساق، ونفخ في الجذوة التي كادت تنطفيء : هلموا يا أنصاري .  حينها فز مسعد الطماع ، ولقب بهذا الاسم عندما طمع في أكلة لحمة رأس فخطف الرأس كاملة وجرى بها نحوالقطار الفرنساوي ، ولم يلحق به أحد رغم جري ثلاثة من صبيان الجزار فقد كان مستموتا من أجل أن تكون له ، فيما بعد سألوه : عيب يا رجل تأخذ ما ليس لك.

 شخر ونخر : هل أنا أحسن من الحكومة؟ والله ـ هي ـ عملتها مع اللوزي باشا ، وفرغلي ملك القطن ، وياسين صاحب مصنع الزجاج ، ولم يحصل أي منهم على سحتوت.

وفي ريف الزرقا طبختها شقيقته ـ التي هي من عرق دساس لأب جحود ـ وظلوا يأكلون ويشكرون من رزقهم بغير حساب ، ولما علمت الأسرة التي كانت تقطن فوق السطوح بأمر الرأس أرسلت طبقا فارغا فملأه الرجل بالحساء الدسم دون نسيرة أو فص أو حتة لسان. من يومها سّمي بالطماع وانتقل اللقب من الزرقا لتلك الحارة ، ولما عاد حط عينيه في عين الجزار متنمرا : ضف ثمنها على الحساب . هل غلطنا في جمل؟

 أم شريف  كانت تطلع السطح ، تهش دجاجاتها والديوك نحو العشة ، وتبسبس لهم ، وبأصابعها تهرد السمك في "الدشيش " و"العجيرة " ، وتغير الماء العكر بآخر صاف . ثم تمد يدها للدجاجة السوداء فتهمس لها في صيوان أذنيها : كيف حالك يا حبيبتي؟

 تنقنق الدجاجة ، وتجري طليقة في السطح . تنقر بمنقارها الحب ، ثم تمسح جناحيها في الطوب الأحمر ، تضحك أم شريف ، وحلمها السحيق في البنت قد تبخر تماما .

 تجلس ساهمة ، وتضرب كفا بكف : زوجي المخلول يريد بنتا . والله أنه يفعل عكس الرجال .

 كل ذريته أولاد وهو يجأر بالصراخ مع كل بطن جديدة :أريد بنتا قلت لك يا وجه المصايب .

 تبكي أم شريف في كمها ، وقد جاءت "الشوطة "منذ عام فقصفت عمر دجاجها كله ، وتصادف ذلك مع حصولها على قطعة أرض كانت قد ورثتها عن أبيها الصعيدي في طهطا ، فباعت الأرض السمراء البعيدة ، واشترت مصاغا ، وحدث أن تم  هذا بالمصادفة ليلة أن هبطت الدجاجة السوداء على الدرج ونقرت الباب الخشبي المغلق  .

 كان المال الحلال بين يديها تعده وتحصيه ، وتحزمه بالأستك كل ألف في " باكو"  ، تركت كل ذلك وضحكت والدجاجة تنقنق: تعال يا وجه الخير . على قدومك ربنا فرجها .

قربتها من صدرها الكلوش المفتوح فنقرت بسذاجة ما يكسو عظمة الترقوة من لحم ،  ولما وضعتها على المنضدة فوق النقود فئة العشرة جنيهات ذات المئذنة الحمراء " شخت " عليها ، فاستبشرت خيرا ، وقالت : هذا نذير كسوة للعيال ، وخير عميم لابد أن يأتي ولو تأخر.

 سارعت بوضع بعض الحبوب وقد جاءت بها من وراء باب المطبخ ، وفيما هي تمسح " برطة " الدجاجة السوداء دخل أبو شريف ،  وتحت إبطه لفة كبيرة . سألته محرجة : خير . ماذا أحضرت معك؟

 كان ينوي نية حمراء فضحك في وجهها : كسوة الشتاء .

 وجمت المرأة وتعالت زغرودة أقلقت منام الأعداء في الطابقين السفليين ، ممن اشتكوا لطوب الأرض من تساقط ماء هدومها المنشورة  على ملابسهم الناشفة  صباح كل جمعة .

أكملت مسح ما لايـُـسمى ، وغسلت يديها ، ولمت رصات البواكي ، والرجل تلكأ في الإجابة عن سبب إحضار القماش في هذه الليلة بالذات. كان قد تذكر إلحاحها في طلب الكسوة ، فاستعوض ربه في مبلغ كان قد ركنه في قاع حافظته واشترى المطلوب تخلصا من فضائحها وصوتها المزعج كبومة لا يبشر منظرها بخير ، لكنه فكر أن يسرح بعقلها : هي التي ذكرتني .

 مد سبابته نحو الدجاجة التي كان لها مع الريش الأسود مسحة ذهبية يندر أن تكون بهذا الجمال مع دجاجة أخرى .

 تأكدت المرأة من هواجسها ، وخافت أن تأتي الشوطة مرة ثانية فتأخذ في طريقها ما تعبت في تربيته من طيور ، وبالأخص هذه الدجاجة التي لها فأل حسن.

 بعد يومين اشترت ستائر بلون الفضة بوردة بمبي وحجبت السطح عن العيون البصاصة من أوله إلى آخره .

 لكن كما يحدث دائما هناك عيون لا ينفع معها هذه الاحتياطات الصارمة ، فمع هبة هواء أو علو جار للداير كي يطـّـير حمامه ،أو صعود عامل كهرباء السلم الخشبي الرفيع لمد أسلاك جديدة ، أو تشعلق ابن الجيران السور المسلح لضبط الطبق  الفاضح المسمى ب" الدش " الذي يأتي بالقنوات العارية  ضبطوها في أوضاع غريبة ، ومناظر لا تخطر على بال .

 تترك أم شريف الدجاج كله بما فيه الديوك وتمسك هذه وتقربها منها وتمرر خدها على ريشها الناعم ، وتكلمها كلاما مخصوصا .

قيل أن الدجاجة السوداء تضع بيضة ذهبية واحدة كل أسبوع ، ويكون موعد وضع البيضة كل خميس في المندرة السفلية ، وهي  قاعة سحرية ضيقة بجدران من الصاج لا يطأها غريب.

 وفي رواية أخرى قيل أن الدجاجة لا تبيض إلا إذا اعتلاها ديك شرس قوي البنية ، عظيم  الهيئة ، لتكون البذرة مضمونة ، ولذا فالعروق اللماعة  تبدو للعيان مع مسحة الذهب في الجناحين وفوق العنق.

 وقيل أن أم شريف تكلم دجاجتها في ساعة معلومة ،  والدجاجة ترد بعربية سليمة لا اعوجاج في حروفها : لبيك.. لبيك.. لبيك .

 ومن أكثر ما شاع وتناقلته الألسن أن الدجاجة تتحول في الدجى إلى طائر خرافي يذهب إلى بحر الظلمات ويعود قبل انبلاج الفجر بزمن مقداره نصف من واحد على المليون. وسبحان مدبر الكون ومقسم الأرزاق ، ومبصر العيون .

 كانت أكثر الأقوال تداولا أن أبا شريف قد جاء بالدجاجة من بلاد ما وراء السند ، وهو يعرف سرها ، ولذلك وضع ترباسا كبيرا على باب السطح لا يفتح إلا له ولأم شريف ، والدليل على ذلك أنهما تشاجرا مع كل الجيران لأن السطح من حق من يشغل الشقة الأخيرة. وهم أصحاب العين ، وملاك البيت كله.

 وكلما ازدادت الأقاويل طمع الناس أكثر وأكثر حتى حدثت الواقعة. في خميس ليلة  مجلوة بالسواد كاد الحظ يعبس في وجه تلك الأسرة المنكودة لكن كاشف الضر ستر ، فقد جاء مسعد  الطماع بسلم مرتفع ، ومن سطح البيت المجاور تسلق ، وقفز السور ، وصار أمام العشة بالضبط. كانت له خبرة سابقة في مثل هذه المناورات الليلية ، فهو سوابق ، وقد تحول منذ سنوات  من مجرم مطارد من الشرطة إلى مرشد لوزارة الداخلية بمرتب ثابت ، لكنه ما زال قادرا على أن يسرق الكحل من العين. سلط الكشاف  نحو الدجاجات المتكأكأة ، وبدربة وسع ليده مكانا بين السلك ، وهبط بسرعة بيده يمسك كنزه الثمين ،  قبل أن يتصايح الدجاج أكثر وأكثر.

 كان رجلان ينتظرانه هناك على الناصية . وبيده كتم أنفاسها ، وجمد يده على منقارها حتى لا تفضحه وتصيح. لا شك أنها الدجاجة السوداء ، نعم هي دون شك ، فريشها ناعم كالحرير وهو حين دس إصبعيه السبابة والإبهام في موضع خروج البيضة الذهبية شعر بصلابة لا حد لها ، بل أن الذهب ومض في لمحة بارقة .

 لما صاروا في مأمن من أي جاسوس أو بصاص أو حاسد والعياذ بالله ، كشف الرجل عنها ومن تحت جلبابه رفعها في الضوء . لطموه في صدره حين رأوها : يخرب بيتك. هذه دجاجة بنية اللون. يا خسارة تعبنا وشقاءنا.

انكشفت اللعبة ، وما كان من أم شريف وزوجها بعد هذه الواقعة  ـ حيث لم يأخذ المجرمون سلمهم وتركوه ليكشف عن القلوب المريضة والنفوس الطماعة  ـ إلا أن سحبوا الستائر ، وشيدوا سقفا متينا ، مع جدران  بنوافذ حديدية تمنع أي سارق من التفكير في اقتحام البيت مرة أخرى . المرأة لم تنجب البنت أبدا . وبقيت الدجاجة السوداء تبيض ذهبا حتى عزلنا ، وبعنا بيتنا بتراب الفلوس ،  ثم لم نلبث أن انتقلنا لحارة جديدة لادجاج في سطوحها ولا ديوك. .

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007