[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
نزهة؛أو فارس الأحلام 
التاريخ:  القراءات:(7621) قراءة  التعليقات:(2) تعليقان  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

                                                               نزهة      أو فارس الأحلام                                        

 

فتاة التسعة عشر ربيعاً ، لن ترافق العائلة هذه المرة ، قررت البقاء في المنزل لوحدها، كان غربياً طلبُها البقاء ، أو قل رفضها ما اعتادت مع الأسرة التي  تكون أكثر أفرادها إلحاحاً على النزهة ، تساءل الأبُ عن السبب ، وقال لنفسه : لا أمانَ لبنات اليوم ، ثمّ عدّل قوله وطرد شكه : لا أمان على بنات اليوم !

وجّه اعتراضه على الأمر الغريب ، بل المباغت ، نحو المرأة بجواره ، بدورها الأمُّ دعتْه للتحرك بالسيارة ، وترك البنات وأمورهن لها ، كانت تريد أن تختصرَ أيةََ تفاصيل مملة وقت الخروج . كانت الزوجة – أمها- تستعجل مغادرة البيت إلى مشوار النزهة الأسبوعي بعيداً عن .. لماذا ؟ وهل ؟ وأخواتها .. أشعرته بأن لا خطر عليها : " الدار أمان ، والهاتف موجود ، تتصل عند اللزوم" وبنبرة أعلى " دعها لنفسها يا أخي " ثم أردفت: " أكيد ما يخلو الأمر من خصوصيات بنات ، مع بعض أشغال البيت"

فهم الأبُ الإشارةَ الأخيرة بأنه العشاء ، إذاً ، سيعودون والعشاءُ جاهز ، وفَهِم أكثر ، بل اتسع خاطره وانشرح لفكرة أنها قد تخلص أمها من بعض الأعمال فتتفرغ له أكثر !

ما إن سمعت غلق الباب الخارجي ،حتى فتحت روحها .. طوحت بيدها في الهواء مُنْدفعةُ ، يلاحقها شعر بنيّ طويل .. وتراكضت خطواتُها .. واهتز الصدرُ المخبوء نابضاً بحياة تدفقتْ فجأةً في أطرافها ، وشعرت برَكَضاتِ خيلٍ جامحِ في دمِها المستقبِل لحياةٍ جديدةٍ وجريان حاسم .

لمستْ بإصبعٍ واحدةٍ زِراً أسودَ ،  فانداحتْ موسيقا أخّاذة حملتْها عبرَ براري مجهولة ، شعرت بخطاها ترحلُ بها  إلى نُزهة قوامُها اللحظة .. كان وقعُ أقدامها يلامسُ برفقٍ خائفٍ مرة ، ومجنحٍ مرة أخرى ، كانت تلامس أراضيَ  تطأها البنتُ العذراء للمرة الأولى في حياتها .

رحلتْ ، وتناءتْ بابتعادٍ مجنَّح عن كل ما يمت لمكانها بصلة ، لم تتمنَّ جناحين فهما مثبّتان في كتفَيْها النشيطين ، ولم تصبْها رهبةُ ارتفاع ،لأنّ لحظتَها جعلتْها تشعُر بأنها تطير منذ أمد بعيد إلى آماد سحيقة ، لم تشعر بدوار بحر ، لأن عينيها بحران تجيء إليهما كل مياه العالم .. علوّ وامتداد ، براري وأدغال ، بحار وخلجان يضربُ موجُها في رفق.

رحلةٌ خلفَ الأبواب تعيشُها من علوّ ذاتها وامتشاق روحها حدَّ الانعتاق .. فكان الغيم البعيد والسماء الفسيحة حدودها المرئية .

دارتْ في مكانها دورات استعراضية يحملُها صوتُ روحِها ونداءُ أعماقها نحو المجهول.. وبَسَمت عيناها ، وانفرجتْ شفتاها بسعادةٍ تغمرُ داخِلها فيفيضٍ إلى الخارج ، الخارج الذي بصورة غير متوقعة ، يبارك الشعور الذي لا يدري صاحبه عن سببه شيئاًً .. لا يدري سوى أن عليه أن يعيشه حتى الثمالة !

اندفعت إلى المغطس فملأته ماءً ، ثم شَغْشغت قليلاً بالماء . فتطايرتْ دموعُ الفرحِ على الجدران .. واستقرّت  قطراتٌ فضيةٌ على خدّين يملأهما حبورِ حياة متدفقة ، وعلت موسيقا مائيةٌ ومشاعرُ جامحة .

كان كافياً عليها أن تقدّر أن المياه المندفعة عبر سماعة الدُّش معروفَة المصدر والاتجاه ، نحو جسد وجدَ نفسه وجهاً لوجه مع  لحظته المصطفاة دونما اتفاق .. يكفيها معرفة مصدر الماء ، نازلاً عبر الجدار بلونه المفضل لديها ، يجري في أنابيب ممتدة من خزان السطح الذي دفّأته الشمس هدية منها للجسد المخبوء دماً صاهلاً وسعادة متدفقةً عبر شعيرات الجسد الغض .. لن تشغل نفسها كثيراً بما اشتعل في أعماقها من رغبات مجهولة  .. يكفي أنها متوحّدة بقلبها النابض وجسدها اللعوب تحت الماء .

وجدت من العَبَث إضاعة الوقت في التمدد في الماء ، ولو كان دافئاً ، فسحبت السلسال ، ليندفع الماء المحبوس مغادراً عالمها ، منتشياً إلى آخر قطرة ، مستمتعاً إلى آخر لحظة بقدمين ناعمتين .. ورشت الجسد المتحفّز للانطلاق بدءاً بالوجه ، أطلقت الماءَ كرشاش مَطَريّ ناظرةً إلى رعشة جَسد يترجرج بزهوِ طائر .. واصلتْ سكبْ الماء المشتاق لجسد روّضته الموسيقا القادمة من غرفتها ، والماءُ القادم من أعماق الحياة إلى أعماقها ! بينما وزعتْ حركَة كفّيها فركاً وملامسةُ : حول غُضُون أعلى الصدر وَوَسطه وبين الفخذيْن مستسلمةُ للذة الماء وروعة اللحظة المتوقّدة.

في هذه الأثناء ، ودونما توقع ، رّن الهاتف ، فلم تُعره اهتماماً ، حدثت نفسَها : قد تكونُ الأسْرة تطمئن عليّ ، لا داعي ، سأقول لهم : كنتُ بعيدة ، لم أسمعه .

طرق الهواءُ خفيفاً النافذةَ القريبة ، ارتفع بصرُها قلقاً " أكان عليها أنّ تعلن أنّ الخارج يمارس سوءاته الفضولية ؟ كما أن للروح والجسد أن يمارسا الحضور المتوثّب قي الأعماق.

عاودت ترش وترج جسدها تحت ماء الصيف ، سمعت هذه المرة طرقاً يسيراً على الباب القريب ، باب المدخل المطل على قسم العائلة في المنزل السابح في هُجُوع .. كان الصوتُ حركةً تشبه وقعَ أقدام وَجِلَة .. اتبعها سريعاً حَمْحمةٌ تتهيأ للابتعاد خوفاً من انفراج باب غاضب، أو نفور وجه طارد !

تجاهلتْه كما تجاهلتْ ما قبله ، لكنها ، قلّبت تفكيرها السريع بين قلب يقول :

-  " من هناك يا ترى ؟ "  وبين حواسّ تعمل بعقل ؛ وتؤكد : 

-  " لا خوف ، فالباب مغلق ، بل ثلاثة أبواب .. "

بادرها سؤال " وماذا عن الباب الرابع ، ألا يمكن أن يكون مفتوحاً في هذه اللحظة ، باب يَعْدل آلاف الأبواب ، باب واحد لا يجدي معه " – قالت بصمت –" إغلاق كلّ الأبواب"

فاجأتْها الجرأةُ المباغتة في دفع باب مغْلق ، أكانت تظنّه غير موجود ، من قال لها إنه مُوصد إلى الأبد .

لكأنّ ما سمعته ، ما قالتْه موجود في ورقةٍ عابرة قرأتها قديماً ، سطر واحد فقط عن شيء كهذا ، لا تذكر أين مرّ بها ذلك السطر ، السطر الذي استوطن ذاكرتها وبقى محفوظاً ، ليخترق لحظتها.. يطرقُ السطرُ الحاضرُ الآن عالََمها داخلاً دون استئذان .. كانت الكلمة الأولى تقف على بوابة عالمها تدفع بقية الكلمات إلى أعماقها ..

كان السؤال مباغتاً حدَّ اللذة ، لذة اكتشافِ جديد ، وكانت الموسيقا والسطر الوفيّ الحاضر في وقتهِ لُُحْمةَ اللذة وسُداها .

كانت مفاجأةً مرتجاة ! كمنْ ينتظرُ شيئاً لا يدريه ، لكنه صحا على حدس خفي بوصوله ، وأن انتظاره لا يخيب ، إنه اليقين الذي انقلب حالةً استعداد لذيذة ، هو الشعور الذي يجعل المرءَ يهْدهدُ على خواطره التي لم تكن تعمل عبثاً .. عندها يتأكد المرء – الفتاة هنا -  أن ما نسميه مصادفاتِ الخارج ليست سوى انتظار القلب الغارق في يقينه .. وليس أدل على ذلك من أنّ الروح كانت – منذ زمن – قد مدّت بساط البهجة وبسطت للحظة المرجوّة سجادة المجيء.

كان الباب الرابع يُطرق إذن ، وكانت البنتُ الواقفة على نهاية عقدها الثاني من عمرها الشفيف ، العمرِ المغموسِ في ألق الاكتشاف .. كانت قد لبستْ ملابسها الداخلية الضرورية .. وصارت الآن تعيث في شعرها دفئاً بالمجفف ، مجفف الشعر ذي اللون الأسود ، ذي الرأس الشبيه برأس حصان جامح .. كان ينفثُ الهواء ساخناً مفسحاً لشعرها الطريق ، ليتراقص مبعثراً ماءه على المرآة .. بينما موسيقاها لا تزال تصدح وتشق الطريق لخطواتها عبر أدغال وسهوب جديدة ،تَتَكَشّفُ أمامها مع كل خطوة  قارةٌ مكتشفة لن تزيدها تفاصيل الجسد المتراقص وأفياؤه الندية إلا روعة إثر روعة واكتمالاً فوق اكتمال .

أكملت الشابةُ لباسها الذي عنى لها ، في لحظة خاطفة من لحظات فكرها ، استعداداً للطريق ، أكثر منه ستراً لجسدٍ يفوح بالقول الثابت من تحذيرات أم ولّى زمنُها أو ربّما عاشتْه كيفما شاء لها قدرُها .

والبنتُ في معترك الجسد .. ومرآتها محايدة ومتآمرة في آن ، عبر مرآتها تظهر  نظراتُها الخجولة ، لكنِ القابضة على يقين اللحظة .

ربطتْ شعرها على شَكْل ذيل فرس ، وانبعث وسط صخب موسيقاها صوتُ أقدامِ خَبَبٍ لحصان جامح علا صهيلُه ثُمّ هدأ ( قرأتْ مرةً أنّ الفرس لا تصهل ) الحصانُ صاهل في دمها الآن .. وتراقصت من جديد ، فأخذ شعرها الحر يرتمي ذات اليمين وذات اليسار.. واندفعت في غرف المنزل وممراته سعيدة بالأماكن الجديدة التي لم تكن مواطئُ الخطواتِ إلا مكاناً عابراً لها .. بينما ما تزال ترسم تفاصيل قارتِها الوليدةِ ٌ بكاملِ تضاريسها وثمارها اليانعة وينابيعها الدافئة .

صارت  محفوظةً في أعماقها ، وفي خطواتها وصفاء نظراتها الزرقاء .. محفوظة في كل ذلك ، لكنها ما تزال تَتَشَكّل من جديد ، وتَتَكَشّف كل لحظة أمام عينها جليّة حدّ اللمس ، مُبْهجة حدَّ اللقاء ..كجزيرة فاتنة تلوح لبحار ، ترتفع أمامه في الأفق هادئة بعد يأس واغتراب.

كانت تنطّ وتنطّ من غرفةٍ إلى ممرٍّ إلى مرآة جدارية .. وكأنّ البيتَ غيرُ البيتِ الذي تعرفه .. البيتِ الذي بدأ يتسع لقفزها ، كانت خطاها وكأنما توسّع أبعاده .. أو تمد جدرانه إلى الأمام .. نحو لحظتها القادمة .

لم يكن البيت الذي تعرفه، بممراته الكابيةِ والخشوع المقِيت الذي يجبُ أن تصْلب حياتها وحيويتها  تحت سقفه، وتدفن نظراتها داخل جدرانه وزواياه كل يوم ، لم تكن تراه الآن.

هكذا ، البنت وجدت نفسها تعيثُ في البيت حياةً ونشاطاً ، وتطير كحمامة تطيرُ من غصن إلى غصن ، ومن فَنَنٍ إلى فنن ، كانت قدماها تحملانها خفيفةً كغزالةٍ سعيدة تشرب الماء وتتجول في مراعٍ خضراء .

ابتعدت قليلاً عن غرفتها .. وكانتْ قد وصلت إلى موسيقاها الداخلية .. موسيقا روحها العالية .. وصار النظر عبر الشُّباك تأخيراً للحلم ، أو انتظاراً لمفاجأة عاجزة عن قول شيء أروع مما أعدتْ نفسها له .

 كان فتحُ الباب ، إنْ وُجد مفتاحٌ لائق بالزمن الحاضر ، كان فتحُه خيانةً لِلحظةٍ طافحةٍ بالتعالي عن مخاطر الأبواب وتعاليمِ الجدران ونواهي الأم ، وحديثها عن الزجاج الذي ينكسر ولا يعود يُجْبر .

تراءتْ لها الأبواب مفتوحةً على مَصاريعها ، وبدت الأقفال مرتخيةً كساعات سلفادور دالي .. وعندما اقترب الفارس ذو الحصان الأبيض .. تَبَيّنت حصانَه بلا قوائم ، ووجهه بلا ملامح ، كان يلهث مجهداً هامداً كحصان لم يعرف إلا حمل العلف .

كان فارسُها المنتظر وضيعاً في خَوَر واستلاب ، بينما حصانُه يبدو مترهلاً بتراكم الأحلام الضائعة على متنه وصهوته الجرداء .. كان ذو القوائم ميؤوساً منه كصاحبه الذي نام عن انتظارها فلم يطرق لها باباً .

هكذا ، الفتاةُ العشرينية ، بنتُ القرن الحادي والعشرين .. تفتحُ الباب الرابع ، وكلُّ الأبواب التي تليه والقارةِ الجديدة.. بينما الفارسُ كان كما تراءى لها ، جسداً خواءً بلا قلب ، وكان حصانه شاهداً على عجز الحكايات عن ضَخّ حياة ، ولو مؤقتة ، في الخَيّال الذي صار خَيَالاً .. صار حُروفاً مبعثرة تحكي عن فارس أحلام لا يجيء .. بينما تنتظره فتاةٌ فتحتِ الباب قبلَ أَوانه .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007