[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
مكابدات الطفولة والصبا 
التاريخ:  القراءات:(5735) قراءة  التعليقات:(25) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  

مكابدات الطفولة والصبا

 

الخوص فوق رأس  أبي

 

في آخر شارع صلاح الدين تعودت أن أذهب إليه . أضع يدي على الشباك الحديد المشغول بزهور لوتس من السلك . هناك صبارات على الحواف ، وحدبات تحيط بي من كل جانب.

 على مرمى شارعين من مسجد سيدي أبي المعاطي . حين أشعر بالتعب فوق طاقتي من حمل عشرات الأطقم الخشبية على كتفي آتي إلى هنا للراحة .

 ابتسامة أبي ترطب الهجير حولي ، وصوته الذي لم أسمعه إلا هنا يسري عني .

 في مقابر المدينة بالقرب من ترعة الشرقاوية .

 تعودت أن أرتب بيدي أعواد الخوص وأنفض عنها الأتربة . ثم أضعها بعناية حيث ينبغي أن تكون رأسه!

 

بالطباشير

 

كل يوم يرسلني المعلم يسري لشراء ما يحتاجه المنزل . أصعد السلم ، وأكتب داخل القلوب الصغيرة ( سمير ، وكريمة ) . بالطباشير أكتب في صعودي وهي تمحوها حين ننزل سويا ، وتميل نحوي وتتحداني لأنها اطول مني بشبر . داخل عينيها بريق وحيرة . لم أقبلها وهي اكتفت بأن تمسك يدي صعودا وهبوطا وحتى العتبة قبل الأخيرة . تدافع عني إذا ما لامتني أمها لأن سعر الخضار أكثر مما هو معتاد. حين كبرنا لمحتها في سيارة فارهة بجوار زوجها . كانت تبتسم من خلف الزجاج رغم الغبش الخفيف ، وقد شعرت بيدها تمتد نحو حائط في ذاكرتي لتمحو كتابة الطباشير وتهش طيورا بعيدة .

 

ظلام بعيد

 

 في السابعة خرجت لأعمل في محل موبليا قريب . كان المعلم يضع صورا للاعبين كبار. وكنت اختص نفسي بشراء صور ممثلين وممثلات . واحدة وقعت في غرامها . كانت ترتدي ثوبا أحمر بكلوش واسع وتضع زهرة في شعرها . أحسست أنها تبتسم لي وحدي . في الظلام بدأ الشريط يدور ، وكانت تغني بصوتها الجميل . مقعد أخير في سينما " اللبان " وقد ادخرت ثمن التذكرة لأشاهدها عن قرب . قبلت الفتاة البطل ، وعانقته .

  طرقت المقعد في هدوء مريب سيطر على الصالة . خرجت وقلبي مملوء بالمرارة. عند أول منعطف مددت يدي وانتزعت الصورة . مزقتها ورميت بها من فوق الكوبري المعدني نحو النهر . بقيت مزق الصورة طافية . وبقيت أرقبها حتى شملني الظلام.

 

 

البحث

 

كنت في الخامسة . أردت أن أرى الله . سطح بيتنا واسع جدا ، وفيه دجاجات وديوك ، وحولنا أسطح الجيران حيث " دواير " الحمام .

 نمت على ظهري وصوبت نظري نحو السماء . قلت في سري : أنه كبير كبير وسوف أراه حتما .

 عبرت سحابة من الشمال نحو الجنوب . مرّت اسراب من العصافير وكانت تشقشق . الشمس أوجعت عيني . أغمضتها للحظات . دحرجت جسدي على الأرض وكان بلا استواء ، ثم فتحت عيني على زراق مشوب بابيضاض جميل .هتفت وروحي تنسحب لكل هذه الروعة : الله .. الله ..

 

 زجاج مكسور

 

 بدأت أيام الدراسة ، وأصبح لزاما عليّ أن أدبر ثمن تذكرة السينما . فكرت في عدة أمور ، وتفتق ذهني على حيلة عندما مرّ بي بائع الروبابيكيا . كانت العاشرة من عمري تقريبا .

 ذهبت إلى أطراف المدينة ، وبدأت أجمع الزجاج المكسور : ألواح مهشمة  ، وزجاجات مغبرة  ، وقوارير عطور قديمة ، وكلما جمعت كوما توجهت لمحل الروبابيكيا ففرز ما معي ونفحني " تعريفة " . نصف القرش لا يمثل شيئا ، وهذا دفعني لأن أبحث بكل حماس في أماكن مأهولة .

 كانت رأسه تطل من بناية عالية . عرفته . إبن الزناتي تاجر البن وزميلي في الفصل . التقت نظرتي بنظرته . كانت بصته تحمل اتهام إدانة لم أحتمله . هز رأسه وكأنه يكتشف فاقتي  . ونكاية فيّ ألقى ببعض الماء فوق رأسي . صوبت طوبتي باتجاه النافذة المفتوحة حتى آخرها . رأيت شواشي رأسه بينما جسده يختفي وراء الستارة . في انفعالي بدا كل شيء أسود . مددت يدي ألتقط زجاجة مهشمة . مست يدي حافة مسنونة قاطعة  آلمتني . كان الجرح عميقا، والدم يتقاطر نقاطا متدافعة  . هي نوبة بيع أخيرة . فيما أنا جالس في دار السينما أضغط الجرح آلمني أكثرما آلمني  نظرة ابن الزناتي التي تتبعتني حتى المقعد الخشبي في آخر الصالة.

 

سيور ذهبية

 

تسع سنوات أو يزيد قضيتها كبائع أحذية . مهارتي تكمن في إقناع " الزبون " بالشراء ، مع وجود هامش من الربح معقول. فترة تمتد من الظهيرة إلى ما بعد العصر أدير فيها بمفردي محل كبير جدا بمخزنين، وصندرة .

في تلك المساحة الزمنية كانت الشمس تتعامد على ألواح الزجاج بالفترينة فأخرج ، أشب على أمشاط قدميّ ، لأضع ساترا من القماش "الباتستا " المشجر على الواجهة. من خلفه كنت أختلس النظر لما يحدث في محل الحلويات  المواجه لنا . كانت محاسن فتاة تكبرني بأعوام عديدة ، لكنها تبيع المشبك والبسيمة والهريسة وهي تغني بصوت جميل مبحوح .

 في ساعة معلومة تأتي لتقيس شباشبا لن تشتريها أبدا . كانت تحضر معها قطعة الهريسة البيضاء التي عرفت أنني أحبها دون أن أطلبها .

 تضحك بدون مناسبة وهي تسألني : " هل جاءكم  شبشب أحمر بسيور ذهبية ؟ " . أتأمل عينين خجولتين تسرح فيهما طيور تشقشق وأرد بنصف خجل : " طلبك يمكن أن يأتي غدا " . تتقصع وهي تسحب نفسها كشمس أمشير العجولة، و تدندن بلحن بديع لسيد درويش " ياعشاق النبي " .

 مر أسبوع ولم تأت محاسن . عرفت أنها قد سكبت " الجاز " على جسدها ، وأشعلت عود ثقاب لأن أهلها  صمموا أن تتزوج من عجوز ثري . أنقذوها بصعوبة وغطوها بسجادة صوف قبل أن تلتهمها النار .

   طقـّـست، وعرفت مكان حجرتها في المستشفى الأميري . ذهبت إلى حيث ترقد . كان معي زهرتان قطفتهما من جسرخفي بباطن ترعة الشرقاوية  بالقرب من مدرستي.

   زهرتان وضعتهما على الكومدينو دون أن أنبس بكلمة . رمقتني محاسن وهي مغطاة بملاءة خفيفة . سألتني وشعرت بها تبكي : " ألم يأت زوج شبشب أحمر بسيور ذهبية؟ " .

 

يوم " القبض " !

 

قال مدرس الدين : الموت علينا حق .

ونظر لي بالذات وهو يقول بحدة وكأنه يعنيني . أنه لايبقى من الميت غير عمله وولد يدعو له بالرحمة . وكنت لا أحفظ أي دعاء فأحسست بالتقصير الشديد نحو أبي ، ودفنت وجهي في خشب المقعد مستعيذا بالله من شر عصاه الباطشة  .

 طلب منا أن نسمّع بالدور الجزء الأكبر من سورة "البقرة " . أغلبنا نال حصته من الخيزرانة التي تركت في أكفنا خيوطا محمرة ، حتى صارت يدي كقطعة كبد طازجة .

 عندما ذهبت الورشة لم أستطع أن أشتال نصف الطاقم ، فركعت على ركبتيّ وزحزحت القطع الخشبية حتى لامست الجدار ، ونهضت بها في صعوبة بالغة .

صعدت وأنا أرتكن بقدمين ثابتتين ربما أستعيض بكتفي وعنقي عن استخدام كفيّ .

دخل المعلم  الورشة ، وأحس بي  أنهنه في رطوبة الحجرة المطلة على المنور . إشتال عني كل ما اجتهدت كي أحمله فوق كاهلي . سألني محذرا من الكذب عما يبكيني . قلت : سورة البقرة .

 مددت له يدي وأريته الجمر يندس  بين البشرة ، والخلايا والعروق . فمضى نحو الأجزخانة القريبة ،  وأحضر مرهما مطهرا ومسح به جراح يدي  . سامحني هذا اليوم ولم يحمّلني بقطع الطاقم .

 في مساء الخميس وقبل أن أقبض " جمعتي " سألني ككل مرة : كم يوما عملته ؟

 قلت بدون تفكير : أسبوع يا معلم .

عاجلني بمكر لم أعهده منه : ينقص يوما .أنسيت؟

 تمنيت لو أنه لم يرني أبكي ، وقلت في نفسي : ستعلم أمي بتقصيري، وستعاقبني مرتين .

 دس المعلم في يدي " قبضيتي " . حين ابتعدت فتحتها في ظلام مغبش بنور خفيف تحت عامود البلدية  . كانت " جمعتي " كاملة . وددت أن أعود لأخبره أنه قد أخطأ في حسابه . غير أنني لمحته من بعيد يلوح لي بيده أن أمضي نحو البيت ، أما ضحكته التي كانت تصهلل فقد ملأت  روحي بالمسرة !

 

* كتبت هذه النصوص مساء 30/ 5/ 2006

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007