[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
قصة الرواية رواية القصة 
التاريخ:  القراءات:(7264) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

قصة الرواية 

رواية القصة

                                                            إلى يوسف المحيميد

 

 

بعدما أجهد الكاتب نفسه، وشحذ قريحته في اختيار اسم متميز ونادر لبطلة روايته ، وقع على اسم ظنه غير متكرر في مجتمع يغلب البياض على أهله ، مجتمعٍ لا يرغب في الحديث عن الألوان ، ويمنع الخوض فيما وراء خطوط التماس الملونة.

عندما اطمأن الكاتب إلى اختياره اسم عائلة البطلة ، والشخصيات الأخرى في الرواية ، دفع بها إلى المطبعة ، ووصلت إلى أسواق الكتاب ومنافذ البيع، وبدأت الرواية في الانتشار ، وسعت الصحف لرفع سقف الكلام لشعور عام ،غير أكيد، بارتفاع سقف المحاذير، وأُفردت للعمل الصفحات تلو الصفحات بالتعليق والقراءة والنقد المتضامن وإبراز ما تميز به العمل الأخير عن أعمال الكاتب السابقة . ذاع صيت المبدع أكثر، وراج اسمه وطلبت رواياته الأخرى .. بل إنه دُعي إلى أكثر من لقاء أدبي بسبب انتشار عمله الأخير في الأوساط الثقافية وحتى الاجتماعية ، وعدّت من أهم روايات الموسم .. لكن هذا لم يدم ، إذ ما لبث الكاتب أن فوجئ أن عائلة حقيقية تحمل اسم بطلة الرواية ، رغم حرصه الشديد على اختيار الاسم بالنحت ، لكن الأمور سارت على غير ما توقع وبوغت في أحد الأيام باتصال على هاتفه المحمول :

-        أنتْ م ع ؟

-         نعم ، تفضل .

-        أنت لك كتاب في المكتبات غلطت فيه علينا وشهرت ببناتنا وشوهت  صورتنا.

-         من أنت ، أنا لا أعرفك ؟

-        لا يهم تعرفني ، يكفي أن تعرف إساءتك لعائلتنا، وستعرفنا من ردّنا!

-         يا أخي ، أنا لا أعرفك حتى أسيء لك أو لأحد من عائلتكم ، ترى فيه سوء فهم أو التباس في الموضوع .

-        الكتاب موجود في السوق ، وحنا تعرضنا للتشهير والبذاءة .

فوجئ الكاتب بحدّة الرجل ، وإصراره على كلمتي ( البذاءة والتشهير ) أكثر من مرة، ولم يجد بداً من التأكيد بحزم :

- أنا لا أعرفك ، ولم أقصدكم ، وليس لي مصلحة في ذلك ، ثم عرض بأدب : أقترح أن نتقابل لأوضح لك بعض الأمور .

- رد الرجل محتداً :

- ليس بيننا مقابلات ، أنا أعرف مكانك ، وأعرف كيف آخذ حقي منك عاجلاً أو آجلاً ، وسأرد اعتبار العائلة بالشكل الذي أراه !

  أسقط في يد الكاتب ، ثم هوت السماعة فلم يسمع إلا انقطاع الخط .. استولت عليه حيرة ،وابتسم ساخراً : عجيب !

سرح ببصره بعيداً ، وجلس برهة في مكانه الأثير:غرفة مكتبه؛ دارت به أفكار عديدة نحو حيادية دليل الهاتف الذي اعتمد عليه وخلوه من هذا الاسم .. أما إصرار الرجل على أنه مقصود شخصياً بالإساءة فقد فاجأه تماماً ؛ ثم وصل إلى : كيف لشخص يبدو من بعض كلامه أنه متعلم أنْ يصر على هذه الأفكار؟ أيُّنا المحارَب : الكتاب كقيمة، أم شخص الكاتب ، أم الإبداع كتعبير حر ؟!.. شعر بدُوّار خفيف يلف رأسه ، عندما وجد أن الرجل أقفل – مع قفل الاتصال – أيَّ باب محتمل للحوار واللقاء لإزالة اللبس ...

وقرر أن يهيىء نفسه لمصاعب مقبلة ، قد يكون التهديد الواضح أولها ، وحدّث نفسه: ترى  لو اتجه المتّصل إلى محكمة ؟ هل لديه أدلة .. هل يمكن أن يقدم ما يثبت دعواه ، ثم تساءل ساخراً : أية محكمة هذه ؟

هل في قاموسه محكمة وحقوق ودعاوى واضحة؟ هل له دلائل على ما يقول لو قال ؟

هل تتحول الدعوى أمام المحكمة إلى قذف وتشهير ؟ وهل سيحتاج الأمر إلى محامٍ ودفاع ؟

ثم دفع الأوراق التي كانت أمامه مفكراّ :

هل يكمل العمل الجديد أم يتوقف حتى تنجلي هذه السحابة التي يبدو أنها ليست عابرة ؟

وقبل أن ينهض من أمام مكتبه والشاشة متوقفة عند صفحة بيضاء، ومضتْ في رأسه فكرة نحو السفر: يخرج مع شخوص الرواية الجديدة إلى خارج البلاد للنزهة و.. إكمال الأحداث ،واستدرك البارقة الرائعة: لم لا تكون الجزء الثاني من العمل الذي حقق له الشهرة والمتاعب معاً؟ صرخت عيناه ببريق نشوة .. ردّد: والله فكرة ، نزهة لأبطال عمل جديد خارج الحدود .. ويلتقي شخوص الرواية دونما حذر أو مراقبة .. هوت يده بقوة على طاولته، وكزّ بأسنانه على شفته السفلى ، وغادرته ابتسامة السخرية ، ليبتسم هذه المرة في انتشاء !

ما إنْ حطت الطائرة ، حتى بحث (م ع) عن مرافقيه- أبطال الروية الجديدة الذين وجدهم بدؤوا يخرجون عن وصايته ، رآهم قد سبقوه إلى تبديل ملابسهم ، البطلة وصديقتها ، مثلاً ، كانتا قد تصرفتا في العباءة وتوابعها عند أول خطوة على أرض الطائرة المحايدة ، وقبل الجلوس على المقعد المخصص لكلتيهما..ولم تقلع الطائرة ، وتغادر ساحة المطار بحرّية، حتى كان(م ع )يشاهد الرؤوس تعانق الهواء بانتشاء تهتز معه الهاماتُ ، فتتحرك خصلات شَعر عانت الجمود والثبات طويلاً.. ورأى الجميع يرتشفون هواءً جديداً خارج صحراء الحبر والأوراق وسط اندهاش الكاتب الذي تسلل إليه شعور مفاجئ في صعوبة إعادة تجميع هؤلاء لإكمال العمل ، وسيكون الموقف الأصعب عند العودة إلى أرض الوطن !

عاود الكاتب لملمة أوراقه وشخوص عمله الجديد ، وأعطى أوقاتاًً للنزهة على البحر ، وخصص وقتاً للسهرات في أماكنها المعتادة ، ونظم جلسات المسبح والمطعم وغيرها .. الكاتب نفسُه وَجَد قلمه يتنفس بعمق ، ويعيش أجمل لحظات الكتابة أَلَقـاً وصفاءً .. أوقات من البهجة  والهناء لم يعرفها من قبل بهذا العمق ..مرت الأيام سريعاً، وكأنه ساعات...!

عندما قرر العودة إلى أرض الوطن ، وجد أبطاله وشخوص عمله الروائي موزعين بين البحر والملهى والمسبح وغرف الفندق وشوارع المدينة الحية البعيدة ..جلس وحيداً في المطار حتى أفاق على النداء الأخير لرحلته التي سيعود فيها وحيداً مخلفاً وراءه توقاً جديداً للحياة، وروايةً قد تطول.

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007