[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
رسمت الشيطان 
التاريخ:  القراءات:(6993) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد فالح الجهني  

.

.

.

رغم مرور 20 عاما على حصتين مدرسيتين، مازلت أذكر جيدا تلك اللحظة التي فاجأنا فيها الأستاذ "عويص"، معلم التربية الفنية، بموضوع جديد وغريب. طلب الأستاذ "عويص" منا جميعا، أن نرسم ..الشيطان.

 

كان الأستاذ "عويص"، رغم اسمه ورغم أنه وافد من أعماق صعيد مصر، رقيق المشاعر مرهف الحس، صاحب لمسة جمالية بارعة وريشة عبقرية. ملأت لوحاته الآسرة ردهات وصالات المدرسة في تلك السنة التي قدم فيها إلى مدرستنا. احتل الأستاذ "عويص"مكانة كبيرة لدى مدير المدرسة في ذلك العام، فلم ينقضِ الفصل الدراسي الأول، حتى تحولت المدرسة إلى "أتيلييه" مفتوح شاع خبره بين معلمي التربية الفنية ومشرفيها على مستوى المدينة. لم تكن اللوحات من إبداع الأستاذ "عويص" وحده، وإنما كانت بإشراف منه على الطلاب الموهوبين الذين رعاهم وغرس فيهم القدرة على الإبداع الفني وتذوّق الجمال.

الشيطان الأكبر:

كان "سعد" شديد التأثر بأبيه المهووس بالحديث في السياسة الدولية، وكانت الثورة الإيرانية في تلك السنوات في أوجها، وكان الزعيم الإيراني "آية الله خوميني" في حينها يصف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها الشيطان الأكبر. ولذلك فقد سارع سعد برسم صورة للشيطان رجل بلا وجه يرتدي قبعة راعي بقر غربي. وعندما سأله الأستاذ "عويص" عن سر هذه الصورة وهذا الإيحاء، لم يصرّح "سعد" بمقولة الخوميني، وإن كان قد لمّح بها، ولكنه قال أن ما أوحى له بتلك الصورة هو مقولة يكررها "إشفاق" العامل الباكستاني في متجر بالحي. كان "إشفاق" يعيد ويزيد، باللغة العربية المكسرة، في كلام طويل عريض فحواه أن الولايات المتحدة ودول أوربا الغريبة هي  سبب كل مشكلات العالم، وأنها تبتز الشعوب، وأنها لا تريد مجرّد إسقاط الكتلة الشرقية، وإنما تطمح إلى السيطرة على العالم ونهب خيرات الأرض والشعوب، وأنها تريد نشر الفساد والرذيلة من خلال السينما والفنون والإعلام، وأنها تسعى لغرس ثقافة الاستهلاك المادي والفكري والمعنوي لكل ما تنتجه من أفكار وسلوكيات وسلع ومنتجات. ورغم ذلك فقد كان "إشفاق" يركب سيارة أمريكية قديمة من موديلات الستينات، ويستخدم أجهزة كهربائية يحرص على أن تكون أمريكية أو أوربية الصنع حتى لو كانت مستخدمة من قبل. وكان "إشفاق" يختم طروحاته عن شيطان الغرب بجملة موجزة ومركز هي: "أمريكا مخ شيطان!!".   

الشيطان الأحمر:

تناقلت المدرسة في ذلك العام إشاعة مفادها أن مدير المدرسة أصيب بمرض السكري، فظننت أن لزميلي "يوسف حمد" دور - ولو كان بسيطا - في ذلك؛ فقد كان "يوسف" حدثا كثير الحركة مثيرا للشغب والمشكلات السلوكية في المدرسة بشكل شبه يومي. لم يكن يمض أسبوع واحد لم يكن "يوسف" قد دلف فيه مع أحد المعلمين أو وكيل المدرسة أو المرشد الطلابي إلى غرفة المدير مُدانا بمخالفة للنظام المدرسي أو تعد على أحد زملاءه أو استفزاز لأحد المعلمين أو إخلال بسير الدروس ... كنا نسمع ونحن في الفصل صوت المدير وهو يتعالى "أي يوم أغبر أتى بك إلى هذه المدرسة؟!" ، " أنت مصيبة حُذفت عليّ!!"، " أنت معجون بماء الشياطين"، " أنا متأكد بأن أبيك لم يذكر الله في تلك الليلة! ليته استراح فأراحنا!!"؛ بالطبع لم نكن ندرك وقتها كنه العبارة الأخيرة التي قالها مدير المدرسة مرات عديدة.

في الحصة التي طلب منا الأستاذ " عويص" فيها أن نرسم الشيطان، لم يكن "يوسف" حاضرا، فقد كان موقوفا أمام غرفة المدير، بانتظار حضور ولي أمره، الذي طلبته المدرسة هاتفيا، لإطلاعه على الجريمة التي ارتكبها يوسف أثناء الفسحة. كانت جريمة "يوسف" قد أصبحت خبرا مشاعا في نهاية ذلك اليوم الدراسي. فقد كان مدير المدرسة يعقد اجتماعا بهيئة التدريس أثناء الفسحة، وكانت غرفة المعلمين خالية من كل شيء تقريبا، إلا من إبريق الشاي الذي تعوّد فراش المدرسة أن يعدّه للمعلمين في بداية الفسحة وصندوق من الطباشير الطبي الملون وبعض كراسات التحضير الخاصة ببعض المعلمين. كان الطلاب في الفسحة في فناء المدرسة، ما عدا "يوسف" الذي تسلل إلى غرفة المعلمين وارتكب جريمته. عاد المعلمون إلى غرفتهم ولم يتبق من الفسحة إلا دقائق، فارتشفوا فناجين الشاي على عجل، ولم يبقوا في البراد قطرة واحدة. وعندما همّوا بالانطلاق إلى حصصهم طلبوا صندوق جديد من الطباشير؛ فقد نفذ صندوق الطباشير الموجود في الغرفة. ومع بداية الحصة الرابعة، وعندما أراد الفراش غسل براد الشاي، اكتشف أن البراد كان مليئا بشيء آخر غير أوراق الشاي السوداء المطبوخة، سرعان ما تبيّنه الفراش، فقد كان قاع البراد مليئا بأصابع الطباشير الطبي الملون التي لم تتحلّل تماما.

ولما أشارت أصابع الاتهام إلى "يوسف"، أيقن الجميع بأنه سينكر إنكارا شديدا كعادته. لكن "يوسف" وقد هُدّد بالاتصال بالشرطة ورفع بصماته والتحقيق هناك وإحالة القضية إلى الأمن، رضخ للضغط مقدرا أهون الضررين، واعترف بما ارتكبه. سمعنا يومها صوت المدير يلعلع في ردهات المدرسة أثناء جولته اليومية في آخر اليوم الدراسي : "منذ أن عرفت الدنيا، وأنا أسمع بالشيطان الأحمر، وها قد امتد بي العمر حتى ابتليت به ورأيته رأي العين!!"؛ كان "يوسف" وإخوته وأبيه أصحاب بشرة حمراء لافتة للنظر، جعلت والد "يوسف" يلقب في الحي وفي البلدة كلها بـ "حمد النصراني".

الشيطان الأسمنتي:

بدأت ملامح لوحة "معاذ" تتضح، إذ بدا أن صورة الشيطان التي شرع "معاذ" في رسمها بسيطة ومعبرة ورمزية، حيث كانت اللوحة تمثل شاخص جمرة العقبة في المشاعر المقدسة بمكة المكرمة. نادى الأستاذ "عويص" "معاذا"، الذي كان طالبا متدينا، وطلب منه إبراز لوحته أمام الطلاب.  علّق الأستاذ "عويص" على لوحة "معاذ" وذكّر بأن مناسك الحج ترتبط بأحداث سيرة نبي الله "إبراهيم" عليه السلام، أبو الأنبياء،  وابنه "إسماعيل" في مكة المكرمة والمشاعر، في فترة سبقت نبوة "محمد" صلى الله عليه وسلم.

سأل الأستاذ "عويص" "معاذا" إن كان قد حج بيت الله الحرام، فرد "معاذ" بالإيجاب، ثم سأله عن شعوره وهو يرمي الشيطان، فقال "معاذ" أنه لم يرم الشيطان وإنما أدى منسكا من مناسك الحج. واسترسل "معاذ" في وصف رحلته لحج بيت الله الحرام، وأبدى استغرابه من بعض الحجاج الذين يجسّدون الشيطان في هذه الشواخص التي بنيت من الحجر والأسمنت. ووصف "معاذ" أحداثا بأنها طريفة، وإن كان يستهجنها، شهدها عند رمي الجمرات؛ كالحاج الذي يبصق على الجمرات، والحاج الذي يرميها بالأحذية القاذورات، والحاج الذي يسبها ويلعنها، والحاج الذي يسألها لماذا أفسدت أولاده؟، وذاك الذي يسألها لماذا فرّقت بينه وبين زوجته؟ وذاك الذي يسألها "لماذا خربت بيته؟"....

أخيرا سأل الأستاذ "عويص" "معاذا" مستفسرا كيف واتته فكرة هذه اللوحة؟ فكانت إجابة "معاذ" متوقّعة ممن يعرفه جيدا، فقد كانت وجهة نظر "معاذ" أن رسم الشيطان وسائر ذوات الأرواح حرام ورجس من عمل الشياطين!.

الشيطان الناعم:

كان "عودة" قد رسب وأعاد في سنوات الدراسة الابتدائية الثالثة والرابعة والسادسة، وكذلك أعاد في سنوات الدراسة المتوسطة، وعليه فقد كان من الطبيعي أن يكون "عوده" أكبرنا سنا بشكل ملحوظ، سواء في بنيته الجسمية أو في صوته أو في خشونته. كان "عودة" قد تعرض للتوبيخ من كثير من المعلمين بسبب الرسومات التي وشم بها أماكن متباينة من جسده، كما أن طاولته مليئة بالرسوم والنقوشات الجميلة التي يتقنها عودة ، والتي تمثل في الغالب صور قلوب من مختلف الأشكال تخترقها أسهم كيوبيد من مختلف الأحجام والطرز، وصور لعيون نسائية كحيلة وعيون باكية وصور لفتيات رشيقات ونساء غامضات، علاوة على أبيات الشعر الغزلي المخطوطة  التي تزخر بها أغلفة كتبه وكراساته. كان الجميع موقنا بأنه لو كانت في المدينة مدرسة متخصصة بالفنون لكان "عودة" الطالب الأول والمتفوق فيها بلا منازع.  

جلس الأستاذ "عويص" على مكتبه في الفصل، متأمّلا اللوحات في طور التكوين للطلاب القريبين من مكانه، ولكنه نادى فجأة "عودة" الذي يقبع في مكانه الأثير في الركن الخلفي الأيسر من الفصل، طالبا  منه أن يريه ما رسمه. أغلق "عودة" كراسته التي لم يجرؤ أحد من الطلاب أن يرمقها بنظرة؛ فعودة كان شريرا وشرسا في آن، وكان في هذه الحصة تحديدا متكتّما على ما شرع في رسمه. اخترق "عودة" الفصل من آخره إلى صدره، استجابة لنداء الأستاذ "عويص" حتى جلس إليه.  

كان مجلسي في الفصل متوسطا، وكان كفيلا بأن يجعلني أدرك أن هناك حديثا هامسا يدور بين "عودة" والأستاذ "عويص". كانا قد فردا اللوحة بينهما، وكان الأستاذ "عويص" يبادل نظراته بين لوحة "عودة" وبين وجهه، كانت عينا الأستاذ "عويص" تلمعان وتنمان عن نهم شديد وهو يتبسم لعودة بود وتفاهم ظهر أنه عميقا، وبدا أنهما قد اتفقا على شيء ما، حيث هزّا رأسيهما في نهاية المقابلة، ثم قام الأستاذ "عويص" بانتزاع لوحة عودة بعناية من الكراسة ودسها في كراس التحضير، ثم أشار إليه إشارة بيده، أدركت تماما بأنها تعني "ارسم فكرة غير هذه ومختلفة عنها تماما".

شيطان الماضي:

كان أمين المكتبة في مدرستنا تلك، شيخا كبيرا وفيلسوفا مهذارا، ذا لحية بيضاء طويلة تغطي صدره، وغضون عميقة تشكل ابرز ملامح وجهه، حتى بدا أنه قادم من أغوار زمن ماض سحيق، يرتدي نظارات سميكة، وكان محدودب الظهر بشكل لافت، برّره الكثيرون بأن "الشيخ أحمد" قد أفنى عمره في القراءة العميقة في مختلف العلوم والفنون المتعلّقة بالماضي والتاريخ القديم جدا، دون أن يكون له إنتاجا فكريا أو أدبيا ولو مقالة في صحيفة. وكان للشيخ "أحمد" ابن في فصلنا، يبدو شارد الذهن أغلب الوقت، وكأنما يستمع لأناس غير موجودين في الواقع ويأنس بهم، ومع ذلك كان "مختار" ابن "الشيخ أحمد" شديد الاعتداد بنفسه متكبّرا ليس له خليل أو صديق.   

ولما كانت اللوحة التي رسمها "مختار" ابن "الشيخ أحمد" تتمثل في صورة كتاب قديم بجواره ريشة نعام ودواة حبر، كان تعليق الأستاذ "عويص" الفوري على هذه اللوحة "أن ابن الوز عوّام". واستطرد الأستاذ "عويص" سائلا "مختار" بهزل عن سر هذه الفكرة وهل هي صورة لكتاب سحر أو شعوذة أو طلاسم، لكن الأستاذ "عويص" سأل "مختار" جادا: " ماذا تعني بهذه اللوحة؟". تأكدنا بأن "مختار" شديد الاقتناع بهواية والده ومهنته وأفكاره ونظرياته الكثيرة التي يطلقها كلاما لا كتابة. فعن "مختار" عن أبيه "الشيخ أحمد" : " أن من المؤلفين شياطين، ومن القراء شياطين، ومن الكتب رسائل بين الشياطين. وقد يكون المؤلف شيطانا في وقت لا يكون القارئ شيطانا، وقد يكون القارئ شيطانا في وقت لا يكون المؤلف كذلك، ولكن الكتاب لا يكون رسالة شيطانية خالصة إلا إذا كان المؤلف والقارئ شيطانان خالصان". ثم صمت "مختار" وأخذ يواصل رسم لوحته بهدوء غير عابه بالأستاذ وبقية الطلاب وكأنه وحيد في غرفة الفصل.

هرش الأستاذ "عويص" رأسه وهو ينظر إلى "مختار" المنهمك في مواصلة الرسم، ثم هز الأستاذ "عويص" رأسه باندهاش وذهول وأخذ يبتعد عن مختار بخطوات مضطربة على الخلف، وهو ينفث نفثات خفيفة، مكررا بصوت هامس لا يكاد يسمع .. بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم...

 الشيطان الصامت:

وقف الأستاذ "عويص" عند طاولة "منصور"، الذي يجلس بجواري، منهمكا في رسم لوحته، وكانت لوحة "منصور" تمثل فما مفتوحا ولسانا أفعوانيا طويلا يمتد منه. أبدى الأستاذ "عويص" إعجابه بلوحة "منصور"، وسأله إن كان يرى في اللسان شيطانا كامنا يهوي بالبشر في جهنم سبعين خريفا؟ فهز "منصور" رأسه نافيا. سأله الأستاذ "عويص" إن كان يرى في اللسان مفرقا بين الأخوان والأحبة؟ فهز "منصور" رأسه محتارا. سأله الأستاذ "عويص" إن كان يرى في اللسان حصانا إن صانه المرء صانه وإن هانه أهانه؟ فهز "منصور" رأسه نافيا. فسأله الأستاذ "عويص" إذن ما تقصد بهذه الصورة الرمزية؟ زم "منصور" شفتيه في إشارة إلى أنه لا يدري بالضبط لماذا رسم هذه اللوحة وكيف واتته الفكرة.

هنا وجّه الأستاذ "عويص" سؤاله إليّ أنا مستغربا: " هل زميلك هذا أبكم؟"، وكان زميلي وصديقي  "منصور" قليل الكلام إلى درجة الصمت، لا يطالب بحق، ولا يشهد لأحد بحق، ولا يلوم أحدا على شيء، ولا يتدخّل في شيء البتة، وكان هذا سلوك جميع أفراد أسرته. أعطيت الأستاذ"عويص" فكرة  عن "منصور" وأبيه وإخوته. ووضّحت له أننا نلقب عائلة "منصور" بـ "عائلة بني صامت". وقلت للاستاذ "عويص" و"منصور" يسمع ويبتسم أنني عندما أزور "منصور" في بيته نرتشف الشاي في أقل قدر ممكن من الحديث، وكان أباه يدخل علينا فيصافحني ويهز رأسه مرحبا بي بدون أدنى كلمة، وأجزم من خلال زيارتي لمنصور بأنني لم أسمع كلمة واحدة تتردد في منزلهم، من امرأة أو طفل أو فتى. لقد كانت أسرة "منصور" عائلة تعيش في صمت مطبق، بدون أن يكون لدى أحدهم عاهة في لسانه أو في سمعه. بل أنهم يوم أن ظلم أحد إخوتهم زوجته وأهلها لم يتدخلوا في خير أو شر، ويوم أن ظلم أحد أبناء عمومتهم خادمته لم يتدخلوا سلبا أو إيجابا. نصحني الأستاذ "عويص"، وقد أدركت فيما بعد ما يرمي إليه، أن أتزوج مستقبلا من "عائلة بني صامت".

الشيطان الفقير:

كان معظم زملائي في المدرسة يغبطون "سلطان" على أمر لم أغبطه عليه أنا؛ لعلمي وعلم قلة من الناس بأمور لا يعلمونها. المعلوم للجميع أن والد "سلطان" من أغنى أغنياء البلد، وأنه يسكن في فيلا فاخرة تقف أمامها آخر موديلات السيارات، وأنه وعائلته يختفون بمجرد حلول فصل الصيف إلى بلدان بعيدة باردة.

أما المعلوم لدي أنا، فهو أن والد "سلطان" يتبع قاعدة بغيضة هي قاعدة "الحلال ما حل في حسابك البنكي". كان والد "سلطان" مرابيا جشعا للغاية، على استعداد لبيع أي شيء مقابل المال. كان مصاصا للدماء بشكل مفزع. فعلى سبيل المثال: استقدم والد "سلطان" العشرات من العمال، الذين تستر عليهم قانونيا، وأطلقهم في البلد لا يعرفهم إلا في نهاية الشهر عندما يدفعون له المكوس ويأخذ منهم الجباية عن اسمه الذي منحهم إياه. وكانت لوالد "سلطان" أساليب أخرى مبتكرة في جمع المال، إلا أن الأغرب في والد "سلطان" هو تبرير كل تفاصيل نشاطه الاقتصادي الجشع والابتزازي بفتاوى دينية، مفصلة تفصيلا خاصا، أصدرها  علماء دين غير معروفين على نطاق واسع، وأغلبهم بأسماء مجهولة تماما.

كانت الألوان التي يرسم بها "سلطان" والكراسة التي يرسم عليها من ماركات فاخرة لم تكن بحوزة أحد من طلاب الفصل، ولكن موهبة "سلطان" في الرسم متواضعة، ولذلك فقد أخرج "سلطان" من جيبه ورقة من فئة مالية كبيرة ووضعها تحت الورق الشفاف ثم قام بانتساخها إلى ورقة الكراسة. كانت لوحة "سلطان" عبارة عن ورقة مالية من فئة الـ 500 ريال في وسط اللوحة. ناقش الأستاذ "عويص" "سلطانا" فيما يعنيه بهذه الفكرة: "هل المال شيطان؟" فأجاب "سلطان" بالنفي. "هل حب المال من الشيطان؟" كذلك أجاب "سلطان" بالنفي. "هل هناك أي علاقة بين المال والشيطان؟. قال "سلطان" أنه "ليس هناك سوى علاقة واحدة في رأيي بين الشيطان والمال.. وهي أنك تستطيع أن تشتري كل شيء بالمال حتى الشيطان نفسه!".

سأل الأستاذ "عويص" سلطانا": "إذن، ما الذي دعاك لأن ترمز للشيطان بالمال؟!" فرد "سلطان" على الفور، بأنه قصد من رسم النقود التفاؤل وإبعاد الشيطان عنه وعن أسرته، لأن الشيطان قرين الفقر!.

شيطاني.. وشياطين أخرى:

طلبت من الأستاذ "عويص" أن يسمح لي بالذهاب إلى دورة المياه، فوافق. وأثناء مروري من بين طاولات الزملاء شاهدت رسوما كثيرة للشيطان؛ منهم من رسم سيجارة ومنهم من رسم شيشة و منهم من رسم صورا منقولة من ملصقات جمعيات مكافحة المخدرات ومنهم من رسم رسوما كاريكاتورية لشياطين تشبه البشر ولكنها بذيول طويلة وملتوية تنتهي برأس رمح؛ كالصور التي تظهر في كتب وقصص الأطفال. ورسومات أخرى كالذي غطى الصفحة بلون أسود والذي رسم كتلة مشتعلة من النيران وأولئك الذين رسموا صورا لحيّات وثعابين تنفث السم الزعاف من بين أنياب الرعب...

عدت من دورة المياه فوجّه الأستاذ "عويص" إليّ لوما شديدا، حاملا كراستي بيده، لافتا نظري إلى أنني لم أخط خطا واحدا، وحصتيّ التربية الفنية المتتاليتين لم يتبق منهما سوى ربع ساعة. بررت تأخري في رسم الشيطان بأنني كنت أتابع مناقشاته مع زملائي إضافة إلى أنه لم تواتني فكرة مناسبة.

تصادف وقوفي أمام الأستاذ "عويص" مع مرور وكيل المدرسة الأستاذ "ماجد"، الذي كان مؤمنا بالضرب كوسيلة للتربية وحفظ النظام المدرسي. دلف الأستاذ "ماجد" إلى الفصل وسأل الأستاذ "عويص" عن جريرتي، ولما أوضح له الأمر وطلب منه الصفح عني، رفض الأستاذ "ماجد" الشفاعة، وأمرني حازما بأن أفرد راحتيّ كفيّ ليمارس عليهما أسلوبه التربوي الوحيد. انهال الأستاذ "ماجد" على كفيّ بضربات لاسعة متوالية. كنت أرى الشيطان ينساب من عينيه ووجه المتجهّم إلى وسيلته التربوية ليتحوّل ألما يغرس في روحي الشابة بذور الشيطنة. كان في إبهامي جرح تخثّر من يومين إثر كأس زجاجية انكسرت بيدي. نَكَأتْ ضربات العصا جرح إبهامي فانسال الدم من جديد. هنا توقف الأستاذ "ماجد" عن معاقبتي وطلب من الأستاذ "عويص" أن يريه لوحتي التي يتوجّب علي إنهائها فيما تبقى من زمن الحصة.

جلست إلى طاولتي ضاغطا على جرحي النازف بمنديل ورقي. أحسست بالمهانة والقهر. كرهت المدرسة والحياة برمّتها. وسوس لي الشيطان بعبثية الحياة. قرّرت أن أقدّم للأستاذ "عويص" أي شيء فلن ينالني من عقاب أكثر من إهدار كرامتي أمام زملائي وأستاذي. رفعت إبهامي فوق ورقة الكراسة البيضاء، وعصرتها حتى تقطّر الدم منها، فتبقّعت اللوحة البيضاء ببضع من قطرات الدم. أعجبتني الفكرة فواصلتها حتى تبقّعت اللوحة تماما بالدم. قُرع جرس نهاية الحصة فقدّمت اللوحة للأستاذ "عويص"، الذي سألني عن نوعية الألوان التي استخدمتها. كنت متأكدا أن الأستاذ "عويص" سيتبع هذا السؤال بالاستفسار عن فكرة لوحتي وكنت سأجيبه بأن الموضوع عبث في عبث كالحياة نفسها، إلا أنني عندما أوضحت للأستاذ "عويص"  بأنني رسمت لوحتي بدمي الذي كان يجري في عروقي، لمعت عيناه ببريق عجيب، ثم ربّت على كتفي بإعجاب ظاهر.. وخرج.

في الأسبوع التالي وجدت لوحتي التي رسمتها بدمي مغلّفة بالزجاج، ومحاطة بإطار ذهبي فاخر، معلقة في بهو المدرسة الرئيس، فيما تحولت قطرات الدم الحمراء إلى اللون الأسود، وقد كُتب تحتها بخط جميل:

" عنوان اللوحة:الشيطان_ الخامة المستخدمة: دم بشري".

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007