[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الهروب الأبيض 
التاريخ:  القراءات:(7716) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

الهروب الأبيض

                                                                            إلى نورة

عندما ألجأهما المطرُ والليلُ إلى الغار، كان الوقتُ أصيلاً ، سبقتْهما سحابةٌ دَلّتْ مراسيها ، وراحتْ تسكبُ مَطَراً غامراً متواصلاً كالإبر المفضّضة مندفعةً من آخر العِشْق السماوي للأرض  لساعتين دونما توقّف ، استمرت الغيمةُ في لقاء يَليقُ بعصاري الجبالِ الظامئة دوماً.. مع اقتراب الليل كانت العتمة خافتةً ، وقطراتٌ ما تزال تتساقط من أغصانِ الشجِر الندية.. عبر المدخل الوحيد – الطريق الضيق نحو الغار .

الغار مكان الأنبياء والرعاة والقتلة والعشاق والصعاليك .. ولم يكونا مجتمعَين أيَّا من هؤلاء ! هو ، هي ، ضميران غائبان حاضران في قلب جبل ، مطاردان لا يليق بأي منهما سؤال الآخر ، قبل الاطمئنان له ، وبعثرة الشكوك في صمت المكان وهَدْأة الليل .

المكان ممتدٌ في الزمان ، موحشٌ في قلبَيْ اثنين شاخصين في أواخرِ نهارَ آفل ، مكانٌ جمعهما بمصادفة ،كأنما هو اتفاق أزلي نبتَ في اللحظة عينها . كان الغار مَأْمناً لكليهما ، انتهى  الآن أمرُ الليلة الأولى ، باتا يفكران للغد وما بعد الغد ، أما اللحظة ذاتها ، فقد كان أمرها محسوماً ثابتاً كصخرة المدخل ..

على الأرض آثار سباع ، وبقايا عظام ، مفاجآت يمكن أن تظهر  في أية لحظة ، روائح لا تجعل المكان يبوح بأسراره من أول وَهْلة ، كيف يكشف مكنوناته لاثنين جاء كل منهما محملاً بسر الأسرار .. لن يبوح لهما قبل أن يبوحا له ببعض ما لديهما ،أحد قوانين الطبيعة الخالدة !

آوى الاثنان دون ترتيب ، حيث الليلُ والمطرُ مجتمعان في الخارج .. تخيّلَ وجودها حاشداً كالمطر ، ورأتْهُ ليلاً ينذر بما بعد الخطر . وجدا نفسيهما في الداخل وكفى . آوى ولابد له أن يتحرك  - إلى أحد الجانبين ، وأخذت هي الجانب الآخر من الغار ؛ السقفُ صَلْد مبقّع بالنتوءات التي لا تكاد تُرى .. والعمق يُجاوز خمسة أمتار في المدخل ينتهي بعرض يسير دون المترين ، كان تجويفاً يشبه القطرة الموشكة على السقوط ، بينما شجرة عرعر مكوّرة الأغصان متسامقة نحو الأعلى تتوسط المدخل ، منحنية قليلا ًومبتعدة عن الصخرة بحثاً عن الضوء ..

خيّرها بإشارة خفيفة بين عمق الغار والمدخل ، مدخل التجويف الصخري الضيّق بسبب الصخور الناتئة من الجانبين . قالت: " ستحاصرني " . هكذا دون مقدمات ، غَضَّ طرفه متراجعاً إلى الوراء ، وقال موجِزاً وبصوت جَعَله عادياً : " إذن أنا في الداخل " . قالت :  " والسباع "؟ قال دون رفع بصره كثيراً : " سبحان الله ! ممّ أنت خائفة ؟ "  تنهدت بألم ممزوج بارتياح داخَلَها مع سماع تسبيحه ، وبدت تتجه إلى موقعها في عمق الكهف ، وأردف : "  سَبْعُ في الداخل وسَبْعٌ يأتي من الخارج "  كمن أُسقط في يدها ، صمتٌ دام لحظات ، راحت تجلو المكان بعينين راجيتين غائمتين ، وقد خالجها تسليم متردِّدِ وبقلق : "أنا في الداخل وأنتَ ..لاكْـ .. ، لكن ، لا "..، واصلت : " كلانا في الداخل" . قالتها خاطفةً الخجلَ إلى أول حدود الكلام ."أنتَ إلى اليمين وأنا إلى اليسار.. "  كانت ( أناها) عذبة ترقرقت كنسمة تنداح عبر شفتين أظمأهما الوصولُ . ظمأ قادم من براري الخوف ليرتوي قليلاً بالاطمئنان إلى المكان ، وخوف احتواه الليل مع رجل غريب معها الآن في الكهف . تناهت قطرات ندى عبر الأشجار القريبة ، وفاح هواء رطب مُخْضلّ ببقايا السحاب !

استقرا في مكانهما المعزول عن عالم الأحياء ، المكان المغروز وسط الكائنات التي أسدلت مع الليل ستارَ الهدوء الحذر. كلما تقدم الليل ببطء .. تساءل في أعماقه : هل من سباع هنا ؟ أمطرودة أم مطاردة ؟ يبدو له في هذه اللحظة على الأقل .. دفاع الرجل عن المرأة أحق أنواع الدفاع مشروعية عبر التاريخ .. هالته مبالغته في الأمر ! ولكن في وجه من يدافع ؟ أليس طريداً أيضاً ؟ أليس خَطَراً عليها كما تبدّى من المشاورات  بينهما لتوزيع المواقع المخصصة للمبيت ؟ وتجاهل الفكرة الأخيرة ، وعاد ليسأل نفسه : أليس تشرده دفاعاً عن شابة أكرهت على الزواج من رجل يكبر أباها سناً ، وعندما سُفح رأيُه بلا هوادة ، وهو الأخ الشقيق حصل ما حصل ! أكان سفحه دم العريس وسيلة صائبة لمنع الأخت من أن تظلّ تسفح دموعها وشبابها طوال عمرها كلما زارها ، أو سألها عن أحوالها..

ظل شارداً في سَبَحاته حتى وصل إلى آخر سؤال يكاد ينفجر معه رأسه .. ساعات تنظر إليه بطرف خفي ، تُكبر فيه روحه المحلِّقة بعيداً . في عفاف، تعايشا أياماً حضَر القلق وغاب ، استوطن التوجس مفاصلها .. لم يكن أمامها سوى خيال الأنثى المرتعد من الرجل أبداً ..  يمتد سيلُ الحكايات الأنثوي عن الذئب الذي يغرز ناباً لا يقتل ، ليدع المهمة لذئاب أخرى .

* * *
**

  في الأيام المنصرمة يخرج ، يستطلع أخباراً عبر الرياح والأصوات البعيدة ..لا حياة تأتي إلا حياة البراري وأصوات الغابة تحته تمور بأصداء هادئة رائقة تتكرر  صباح مساء .. حاول ألا يكون أكثر من رجل  يعيش أياماً غائمة، في مكان ليس له ، لكنه طوّع المكانَ لخوفه ، وطوّع خوفَـه ليألف المكان ، المكان الذي صار هو الرفض ، لئلا يخطف النسر ضحيته إلى الكهف ليفترسها ، باغتَ النسرَ بطلقة مدوية .. واستوطن هو الكهف الذي صار مأوى لكلّ من يعترض على ميزان مجتمع مقلوب .

                                        

* * *
**   

   بدأتْْ تألف المكان ، بعد أن كانت عيناها تتسمران على الشقوق في جنبات الكهف ، متأملة ظلمة المكان ما إن تبدأ الشمس بالزوال ، زال عنها الشعور بخطر وشيك ..أصبحت تنظف أرضية الغار صباحاً بمكنسة شَجَرية أعدتها من أغصان العَرْعرة الشامخة في المدخل ، ولكن من يكنس الهواجس والوحدة القاتلة !

     نجح هو في ألا يكون إلا هادئا مؤمناً بعمق زادته الخلوات الجبلية رسوخاً ، وإن تحركت هواجس بعيدة عبر زفرات القلق وانتظار المجهول .

     كان سقف الكهف لوحده عالماً من الصمت والترقب .. الأمان والخوف ، العجز حيناً والصبر والانتظار أحياناً كثيرة ، كان عالمها البعيد قاسياً ، عندما تركته وراء ظهرها ، تشعر لوهلة أنه أرحم من ليل الجبل وبرودة الخوف ، ووحشة الرجل المستأنس ! وعادت لسؤالها الصامت في الليلة الأولى : تهربين من رجل ليرميك القدر بين يدي رج ل.. ولكنه بألف رجل قالتْ. صمتتْ عن سؤالها، لتفسح مجالاً للماضي القريب الصارخ بداخلها يعوي صلباً جارحاً . الماضي يجاور المستقبل الغائب بعيداً عن ناظريها وعن انتظارها ، عبر تهيُّؤَات القلق الذي لا ينتهي، بعيدة وخائفة وقد رمى بها الهرب بعيداً عن مهد نشأتها  ، لكنهما – الماضي والمستقبل بدآ يمثلان زمناً واحداً ! هكذا جادت الأزمنة بأيام  تشعر بضياعها فيها ، لتجد نفسها في اللحظة الصاخبة بين زمنين جائرين، والحاضر أهونهما.

" لمَ لمْ أسأله عن سبب مجيئه إلى الجبل " خشيتْ إثارته ، أو ربما – قالت – قد يفهمها خطأ ، قد يعتبر سؤالها تدخّلاً منها في مالا يعنيها . أجّلتْ الأمر للأيام القادمة إن كان لها مزيد .. ترى بم تشبّه الرجل ؟ بماضيها الخائف العنيد ؟ أم بالمستقبل المهدَّد الغامض ؟ وَيْحي ! إن سؤالي هذا يعني أن الرجل صار حاضراً أتهيأ لاستقباله بنسيان الماضي ! واصلتْ : يا لي من مجنونة ضائعة في انعدام الأزمنة ! وكأنما أفاقتْ من سكرات بدتْ لها مرعبة مطمئنة ولذيذة ، حتى ولو كانت محاطة بسؤال قد يكون الأخير: أتُرى الرجل يستسلم لمثل هذه الأفكار نحو النساء ؟ وقالت في أعماقها :" يا لخبث المرأة "!

عاودت الهروب من طرح أسئلتها الحَيْرى ، هل عليها أن تنفض جدران فكرها من  الأسئلة الشقية التي لم تكن إلا شكلاً من أشكال التحول ، هل عليها أن تمحو خواطرَ انجذابٍ تلبستْها بسبب وحدتِها القاتلة ؟

لامت نفسها عليها كثيراً ، بعد أن ثَابتْ إلى واقعها الجاثم بصمت لا حراك فيه . أتراها تنتظر أخباراً جديدة عندما يخرج للاستطلاع نهاراً ويعود أصيلاً ، تنتظر أفكاراً وحلولاً تتنامى في مخيلتها الخالية ككهف غامض ، كغار لا يدخله حتى الرعاة . وجدت نفسها تبلور أفكاراً أكثر من أن تنتظرَ أخباراً من ديار المهجر ، استأنست بانقطاع أخبارٍ تركتها وراءها .. صارت هي خبراً لا تريد سماعه ، المهمّ أن يعود الرجل .. وعندما يعود ، لا يتكلم إلا قليلاً .. يبدو استئناسه بالمكان أمراً خاصاً بخيالاتها ، متوثب يَشْويه القلقُ ، كما يشوي الوَبْر الذي صاده صباحاً ، وها هو يقوم الآن بتقليبه على النار في سكون لا يقطعه إلاهرير النار المتباعد.

تراه يفكر في سبب وجودهما هنا ،وجودها معه في جوف صخرة، في جبل معزول عن العالم ، في لحظة توحّد كهذه تشتّتْ أفكاره عبر الجبال وامتداد الصخور ، المكان واحد والهروب يبدو حالتين مختلفتين لكليهما ، ولكن أيسألها ؟ أينتظر حديثَها دونما طلب منه ، لعلها تنتظر أن يسألها ، فكّر عميقاً ، لكن المرأة لا ترمي كامل أوراقها في حال الخطر . عاود : أعرف المرأة، لا تستعذب شيئاً كالحديث عن نفسها ، حتى ولو كان الهروب وأسبابه !

وأكمل بحس رجولي خالص :إنها ،دونما شك ، سوف تنفي عن نفسها أية أفكار مسبقة ، والخواطر التي يمكن أن ترِِد على خاطر رجل ما نحو امرأة هاربة ، لا ، ما تلبث أن تسارع إلى تبديدها ، وتبرير حالتها ؛ ولكن ألا يبدو ارتياحها له ، والشعور بالأمان والثقة تجاهه ، حتى الآن،على الأقل، سبباً للاستمرار في الصمت أياماً أخرى !

أجاب محدِّثاً نفسه بحسرة أطلقها هواءً ضاقت به جبال صَدْره وممرات أنفاسه وكهوف أسراره ورغباته، مرّ الصوت على شفتين أحرقتْهما زفرة ظالمة ونَاسَ برأسه إلى الأمام استعدادًا لألم أو رحيل أو هروب أو مواجهة !

قرّر ألا يداوي جراح الهروب بجراح قيد قادم ! المرأة قيد له في المكان ، لو غادر الغار،لمن يتركها ؟ هربت هذه المرأة فصارتْ طليقةً ، بينما باتتْ له قيداً في هذا المكان المعزول عن العالم. هرب مانعاً الأخت من قيد ، فالتفّ القيد حول رقبته هو،أَسْرٌ لا مرئي قيّد حركته ..وكما يجب أن يعود ذات يوم إلى بيته مقبولاً بعد  تشرّد، مسالماً بعد جناية، وهي _ مازال يفكر _ لابد لها من عودة ، ربما يكون جُرْمُها الهرب فقط ، الهروب من رجل، من أب، من زوج. لو صارحها بهذا الآن ، ستعجب كيف عرف كل هذا؟

 كأي رجل ينزف عمرُه رحيلاً ، كأي إنسان لن يكون علاجُ البعد إلا الاقترابَ الإنسانيّّ الكامل ،لكنه لا يمكنه أن يكون إلا هارباً راحلاً غائباً عن الغار والجبال المحيطة. هو الآن يمارس بُعداً غرائبياً حتى عن ذاته!

تساءلت أية أفكار هذه التي تجعله يسهو بعيداً ، يصمد عالياً كجبل شاهق ، سهوم عميق، يجعل الصيد يحترق كفكرة غاصت في أعماقها ، بدا مشغولاً يحدث نفسه بعمق  ، ولم تستغل هي الفرصة السانحة ؟

أتراه يسألها سرد تفاصيل الهروب الذي تعيشه الآن ؟ أتراها تطلب منه عرض أسباب هذا التشرد والقلق الذي يغزو محيّاه ، وتكشفه عيونه وحركاته ومراقبته لمدخل الغار والتلال المحيطة به ؟ انتصب واقفاً وسط تخرّصاتها ، رمى الشواء الذي احترق كفكرة تأخر تنفيذها ، قذف به خارج الغار بكل ما أمكنته قوّته ، ودعّها بنظرة عفيفة باسمة ، وانحدر على امتداد الشعيب المجاور باحثاً عن صيد آخر .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007