[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
جــــيران 
التاريخ:  القراءات:(5730) قراءة  التعليقات:(28) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : سمير الفيل  
جـــــــــــــــيران



جعران مقدس


اشترت سميحة جعرانا مقدسا من حجر الصوان . جاءت به من الأقصر بعد أن تجولت في معبد " الكرنك " ، ووقفت تتأمل البحيرة المقدسة ، وتتطلع نحو المسلة الجرانيت الشاهقة التي هي بعلو مئذنتين .

قال لها الفتى النوبي الذي باعه إياها : ضعيه في صدرك ، وسيحفظك من كل شر.

ضحكت من كلامه ؛ فهي لا تستريح لمثل هذه الخرافات ، فما هو إلا حجر أصم لا فائدة منه غير أن يكون للزينة .

كان الجعران صغيرا ودقيقا وعليه نقش غائر بالهيلوغريفية ، وفي طرف منه ندبة صغيرة كالغمازة في خد حسناء .

بعد يومين من عودتها كانت تلبسه ، وفيما أمها تخطو بسبت الغسيل لتنشر الملابس المبتلة فوق السطح زلت قدمها ،وكُـسرت .

بعد يومين آخرين عاد أبوها الباشكاتب سليم محمولا على سواعد زملاء قلم الحسابات بعد أن أصيب بارتفاع ضغط دم جعله على شفا الموت .

فكرت في أن تتخلص من جعرانها المقدس ، لكنها رفضت أن تستسلم للجهل والأقاويل المريضة .

في سابع يوم ، وبينما كانت سميحة تسير في ممشى حديقة الأندلس تعرفت على سعيد ، وكان شابا وسيما يقول للقمر قم وأنا أجلس مطرحك . من أجلها استأجر قاربا صغيرا راح يحرك مجاديفه في دربة وتعود .

كانت نزهة العمر ورفقة لا تنسى . لم يعدها بالزواج ولا بأي شيء سوى بحب بريء طاهر بلاحدود.

لم تفهم معنى كلماته إلا عندما استسلمت لضوء القمر في نصف الشهر العربي ، فتعرت له وتدحرجت على حصيرة من " السمار " فوق سطح مكشوف لكنه أعلى من عمارات الجميع.

فراشة حرة تطير في كل اتجاه ، ووعود كنهر عسل مصفى لا ينفد ، أما يدها الطرية فقد استسلمت ليده الخشنة تماما .

بعد أن قبلها وقبلته ،وسرت بينهما نار صعب أن تنطفأ أخذوه في الليل الغطيس لأنه منفلت العيار ولا يحترم الحكومة ، يتكلم في السياسة ، ويدوس في " الحلل " ! .

بكت كثيرا ، وهي تتلمس الجعران الذي كان يحلو له أن يلمسه في مكمنه بين مفرق النهدين.

كانت أمها تعرف أن ابنتها واقعة في غرام الشاب الذي لم يغادر سجنه ، كلمتها ناصحة : فضيها سيرة .

طرق جارهم الشاب الأسطى يحيى السمكري بابهم ، ودخل دخولا شرعيا ومعه طاقم شربات ، وملبس محشو بالفسدق ،وقرطاس مليء بكل ما لذ وطاب من أنواع المكسرات . وضعه بأدب على منضدة السفرة المواجهة للصالون . زغردت أمه وهي تجس العروس ، وتتأمل تضاريسها من فوق وتحت .

قرأت الفاتحة ، وكانت سميحة طيلة الوقت ساهمة تفكر في ظلمة السجن ، في نزهة المركب الصغير ، في ضحكته التي تشبه بساتين المانجو .

بعد أن خرجوا جميعا . خلعت السلسلة المعدنية من عنقها ، نظرت بتمعن للجعران ، ثم ألقته بأقصى ما تستطيع من النافذة.


تونـــــــة.


" تونة " المقطوعة من شجرة عملتها في ساعة عصر. خرجت عن طوع عريسها ، وأقسمت أنها سترمي بنفسها من البلكونة إن لم يطلقها الآن ، وفورا.

دخل وراءها حجرة النوم وشدها من شعرها ، وهددها هو الآخر انه سيكون آخر يوم لها في البيت لو رفعت صوتها في الحارة .

الناس بصت ، وحبال الغسيل أبعدتها أيد لحوحة، ومن كانت تنقي الأرز تركت ما بيدها لتعرف سبب المشاجرة ، أما ثروت نجار المسلح فقد كان واقفا في البلكونة بالصدفة يدخن سيجارة في هواء ربنا.

تصله الأصوات المرتفعة ، والنحيب المتكتم ، وفي مواجهته تماما توجد بلوزة نبيتي مشجرة تحجب الرؤية وإيشارب مشغول بالقصب ، و" جونلة " سماوي فاتح من التويد .

سمع تونة تصرخ : لا أطيقك.

أتاه الرد الحاسم : لن أتركك يا فاسدة .

وبخ نفسه أن يسترق النظر ، وجاءت أمه تلومه . همست في أذنه : ضع في عينيك حصوة ملح وأغلق باب البلكونة.

كادت السيجارة تحرق يده وهو يخبرها أنه سينتهي من سيجارته ، ويدخل فورا.

في لحظة أن قرر الدخول بهر عيناه قبتان من نور مروع.

كشفت تونة صدرها تماما ، وهي تصرخ: أتركني.

صدر بض أبيض شاهق مشوب بحمرة خفيفة وزغب ناعم.

جرى العريس وغطى ببلوزتها ما انكشف.

كانت لحظة كونية رجت صاحب السيجارة من الأعماق فصرخ دمه في الشرايين ، ولم يدر بنفسه إلا وهو يتمتم : يا رب البشرية أغثني .

أعطى ثروت ظهره للمشهد كله بعد أن شعر بروحه تصعد إلى أعلى أعلى. كان الانكشاف تاما وهائلا .

حين خرجت إلى البلكونة لتستجير بأولاد الحلال كان هو الرجل الوحيد الموجود هناك فالكل في الورش أو الوظائف ، أما هو فراجع من سفر بعيد . جاب فيه بلاد اليونان .

طلقها الرجل ، وجاء الأعمام من بلد بعيد فشحنوا عفشها في لوري كبير، ولم يرها أحد منذ هذا اليوم.

بعد عام ونصف بالتمام والكمال جاءت عروس لتسكن في شقة أم ثروت ، لم تكن هناك زفة أو مزيكا . فقط زغرودة خجلى من الأم ، وكانت يد ثروت ترتجف وهو يكشف غطاء التل عن وجه تونة ، كي يقبلها بفرح طاغ.


عقد ماس .


انطلقت الزغاريد من بعد صلاة العشاء واستمرت ترن في الحي جمعة بحالها، ولم لا وعواطف السايح قد تقدم لها عريس قيمة وسيما ، ومعه المال بالكوم ، فهو مريش ولقطة .

العريس عاش في الرياض عشرين عاما ، منذ كان في الخامسة والعشرين ، ولم يفكر في الزواج لأنه كان يخطط لجني الثروة ، والربح في التجارة ، ومعلوم أن تسعة أعشار الرزق في التجارة الحلال الزلال.

فتحي قمصان أسمه ، ينتظره أبو العروسة في الشباك ، ويراه قادما في سيارة ضخمة مكيفة ، وبها مقاعد فخمة كمقاعد السينما القطيفة الحمراء.

يوم قدوم فتحي حسبوا له ألف حساب ، فلابد أن يكون البيت آخر روقان ، والعفش القديم يمكن تلميعه ، لكن المشكلة في كراسي السفرة لا تزيد عن أربعة ، والله يعلم كم شخصا سيأتي ليتناول الطعام ، يحلها من لا يغفل أو ينام.

تغلق عواطف الباب على نفسها حتى لا يدخل عليها أحد ، وهي تخلع ثوبا وترتدي آخر ، وبعد أن تغلق " سوستة " الفستان ، تتمشى في حجرتها وتلمح ظهرها في المرآة البلجيكي التي دخلت بها أمها من ربع قرن.

الكل يحسدها على العريس الأبهة ، وأمها تنقر الباب فتدير المفتاح في الثقب ثم تغلقه بسرعة ، وهي تنصحها أن تزيد الكحل ، وتضاعف " البنكيك" ، وتصبغ شفتيها بأحمر فاقع .عواطف تمانع مرة وتوافق مرة ، وسبحان من يهدي النفوس، ويجمع الطير على أليفه من سابع سماء .

أم عواطف ندرت أن الزيجة إن تمت فسيكون لسيدي البدوي قاروصة شمع وإطعام تسعة مساكين طعاما فيه الأرز واللحم ، والخضر نوعان.

زغدها زوجها بعد أن خرجت من الحجرة السحرية : إطلبي منها أن تخلص ، نريد أن ننتهي قبل أن " يفشكلها " أولاد الحرام

" اللهم صلي على النبي " شهقت أم العريس ، وهو بدوره لمّ كرشه الخارج من بنطلون مقلم بخطوط طولية لتزيده طولا . فشخ ضبه ، ومخط في منديل حريري أصفر : إحنا تحت أمركم .

بعد أن رنت الزغاريد المعتبرة دخلت العروس بالصينية الفضية المنقرشة التي اقترضوها من الجيران .كانت تخطو كأنها تتعلم المشي ، وانكسفت أن تنظر ناحية العريس الذي احمرت صلعته ، لكنه كأي عريس ابن حلال مؤدب ، وضع رأسه في الأرض ، ثم رفعها ، ورمقها بإعجاب وشوق : اتفضلي أقعدي.

أكلوا "البيتي فور" ، ولهطوا "الجاتوه "، ولما جاء دور المياه الغازية وقف فتحي واقترب من العروس المنتظرة ، ثم أخرج من جيبه عقدا رائعا يومض تحت أشعة المصابيح الكهربائية . قالت أم ثروت ، مزهوة بذوق ابنها : ماس من الأصلي وحياتك.

ابتسم العريس ،وأجهز على الصحن الموجود أمامه فارتفع كرشه بمقدار بوصتين.أما أم العروس فقد همست للأب المذهول من جمال العقد الماسي : ابنتك صبرت ونالت. ذرية طاهرة صالحة يا حاج.

كلام كثير قيل ، وكان العريس يبدو متأففا من بعض الذباب الذي دخل من النافذة ، فرح يهشه بصوت فيه احتجاج وتبرم .

قامت العروس متهادية كأنها تختروان لتعد العشاء فأقسمت أم ثروت أن هذا لن يكون ، فهي تعرف الأصول : " العزومة " بعد كتب الكتاب. لكنهم استغاثوا بالست الطاهرة أن يعملوا خاطرا لها فبقوا وأكلوا وتحلوا .

نامت البنت والفرحة تقلبها على الجانبين . فتحت عينيها لترى الكون أجمل . جرت العائلة كلها عليها حين صحت ، جسوا وقلبوا في قطع الماس التي رصع بها العقد . كان البريق قد خفت بسبب دخول الشمس، وليس يتحد الضدان .

لم تطق الأم صبرا ، لبست ثيابها على عجل ، وأخذت في طرفها العروس الجميلة ، وراحوا لسوق الصاغة ليثمنوا الصيد الثمين . وضع الجواهرجي العقد في كفه ، وركّب عدسته في محجر عينه الشمال ، ابتسم في استسلام ، هز رأسه : عقد حلو . لكن فصوصه عيرة .مجرد زجاج مشطوف !

ربتت الأم على كتفي ابنتها التي شهقت في حسرة : يأخذ حاجاته ويغور . والله لو أنه حط عشرين جنيها ما حزنت .

واستها الأم : العريس يا ابنتي طلع فالصو!



رغاوي صابون


كان باب الشقة مفتوحا ، وهي تجلس على كرسي الحمام أمام طست الغسيل ، موسعة ما بين ساقيها لتدعك الأساور والياقات . ثمة طيور تتهادى في سماء صافية تعرفها مع قدوم برمهات . هذا شهر يهمس في أذن البنات أن يتجملن فالرمان طاب واستوى . لكنها ليست بنتا على أية حال ، هي ست بيت وزوجة كاملة العقل والدين ، لذا تضع المؤشر على حديث الشيخ الشعراوي . وتستأنس بكلامه دون أن تفوتها شاردة أو واردة . زوجها راح الخليج بعد فترة قليلة من الزواج ، وهي وحيدة في شقة طويلة عريضة . تنتظر شقيقتها التي هبطت السلم لتحضر برشام صداع ، وتركت الباب مواربا فأتت ريح شرقية وسعت الفرجة قليلا قليلا ، وهي منهمكة في غسيلها .

نزل أخوها الذي يسكن معها هو الآخر من الفجر إلى عمله ، وهي تعيش في ظله وعلى حسه ، لكن الصداع جعل حالتها صعبة ومحزنة . صداع يبدأ من الرأس ويلف ليمسك العنق كطوق جهنمي مرهق . كانت تفكر في زواج لم يدم سوى شهرين قبل أن يتركها عروسا ليحسن دخله ، وطفل لم يأت بعد . حدثت نفسها : كله بأمر ربنا .

انتبهت ليلى ليد تجوس في شعرها . كانت أصابع خشنة وقصيرة ومقصوصة الأظفار . ليست يد أخيها الناعمة طويلة الأظافر ، ولا هي يد بعلها الذي لم يفعلها سوى مرتين ، وكان يكتفي بأشياء بديلة أكثر أهمية في نظره . وجمت للمفاجأة . ألقت نظرة على مقعد خيرزان خال في الصالة الواسعة . كان ظله مشبوحا بميل خفيف يميز شمس هذه الساعة . فزت ورغاوي الصابون تعلو معصميها . إلتفتت إليه مستنكرة فعلته . أما هو فقد كان مغمضا عينيه مستمرا في حلمه البعيد الذي لم يفق منه .

دفعته بقسوة : من أدخلك هنا؟

طلع صوته بصعوبة: أصل .. الشيطان شاطر .

لاحظت أن صدره يعلو ويهبط ، وحنجرته لاتسعفه بالكلام : البيوت لها حرمات .

أطرق في الأرض بنظرة جائعة : أعذريني يا ست ليلى .

وبخته بنبرة لا عاطفة فيها : أخرج بسرعة .

سوى شاربه القصير ، والتفت إليها مسترحما : هذه لك . من فضلك خذيها .

مد يده بوردة حمراء . كانت وردة جوري مضرجة بدم غزال مذبوح توا : لست محتاجة لوردتك هذه.

ثم انتزعتها من يده ، وبسرعة دفعته بيدها دفعة قوية فصار على العتبة . نظرت نحوه محتجة : وردتك سأمزقها مائة قطعة .

بالفعل امتدت يدها تقطع البتلات ،وتقذف بها في وجهه: لولا ملامة الناس لصرخت ، وفضحتك.

صعدت خطواته إلى بيت العائلة الأعلى بطابقين ، وبعد أن صارت وحدها خرجت فلمت أوراق الزهرة التي اختلطت بتراب ناعم ، وقربتها من صدرها ، ثم صفقت الباب في يأس مرير!





كتبت هذه النصوص مساء 24/ 9/ 2006.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007