[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
القـط ومفتاح الجـنّـة 
التاريخ:  القراءات:(7475) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وفاء الطيب  

أنا و(منى) غصنان ملتصقان في جذع شجرة واحدة 0 كل منا ينمو في اتجاه معاكس ، ويرى الأشياء من زاوية مختلفة فكأن الشمس حيث تشرق من نافذتي ، تغرب عن نافذتها 0 إننا لا نشهد الشروق معاً ولا الغروب معا0 لكن فرار الغصن من جذع الشجرة أمر صعب 0 سبع سنوات وأنا أتملص من جذعي دون جدوى 0 ما أن يمر يوم أو يومان حتى يشتعل هاتفي بحرارة سؤالها عني ، وعن صحتي ، وعن أهل بيتي 0 تسأل عن مدرستي وطابور الصباح ، وكراسات التلميذات ، والخط الأحمر ، وكل شاردة وواردة على خارطة يومي الفائت الذي لم تسمع فيه صوتي 0

لكنها تغيبت كثيرا هذه المرة 0

لم أتعود أن تغيب عني أربعة أشهر وعشرا كأنما هي أرملة حبيسة أيام العدة 0 ثم فوجئت بالخبر المفجع 0 كانت فعلا تقضي أيام عدتها بعد وفاة زوجها 0 ولم يدفعني ذلك لأن أرفع سماعة الهاتف فأنقل إليها أسفي وحزني ، فلم أكن حزينة 0 ولم تكن هي حزينة أيضا 0 أنا واثقة من ذلك ثقتي بأن ما يمنعها عني آخر أبعد ما يكون عن فقدانها زوجها 0

ما زلت أذكر صوتها لاذعا من سماعة الهاتف يقطر سخرية وربما شماتة وهي تمازحني بعد الأسبوع الأول من زواجها تسأل عن صحة خبر تعييني معلمة في القرية المجاورة 0 كانت تومئ عبر ضحكاتها إلى أن الجنة التي داستها قدماها لا تليق بعاثرات الحظ أمثالي ممن اخترن أن تجرح حواف الورق أناملهن بدل سكين المطبخ 0

تركتني بعدها ليلة أو ليلتين أتخبط في أوحال الحيرة 0 لماذا لا أغامر وأقبل بلاعب كرة السلة وقد جاء يدق بابي وبيده مفتاح الجنة 0 لا ينبغي أن أرفض إغراء الفكرة بهذه البساطة 0 على أن أفكر في عواقب قبولي أو رفضي 0 إذ أن رفضي سيكون أمراً صعبا يحتاج مني  لكثير من الجلد أمام دمعة أمي وبياض الحزن في عيني أبي كعادتهما كما رفضت خاطباً 0 بت أعتقد أنني من الذين يقتادونهم إلى الجنة بالسلاسل قسرا 0

ومازالت ( منى ) تلعب معي لعبة القط والفأر 0 ترمي الشباك في مياهي لتصطاد مني طمأنينتي 0 ثم تراوغني كلما سألتها عن أخبارها وأخبار زوجها 0 تتهرب مني كلما سألتها عن السبب الذي جعلها تبحث هي أيضا عن عمل ؟ ولم تستطع الإفصاح بأن جنتها تصليها سعيراً صبحاً ومساء ؟ 0 فتاة الرابعة والعشرين أصبحت أما لثلاث بنات ، تبحث عن عمل ، ولا تحمل غير مؤهل الإعدادي 0 اتركي ملفك وسوف نتصل بك عند الحاجة إليك 0 تعلم تماما أن رقم هاتفها لا يعني شيئا لأحد 0

أحاول كثيرا أن امزج نبرة صوتي بشيء من التودد ولكنني لا أفلح فطعم الشماتة في صوتها يفسد على محاولاتي في الوقوف بجانبها أو حتى مواساتها 0

هذه المرة كان الرفض صعباً 0 كنت أشبه بجزار قاسي القلب سكينه مصلتة على رقبة أبي 0 كان يتوسلني تارة ثم يتوعدني تارة أخرى إن لم أقبل بموظف شركة الكهرباء 0 أبي لم يفهم أن ما عرفته في جنتي ليس سوى حفنة رموز وإشارات مبهمة لا تشجع أبدا على المجازفة بالدخول فالخروج لن يكون سهلا 0 لاعب سلة طويل كرمح 0 موظف هاتف نحيل 0 شاب وسيم يعمل بشركة الكهرباء 0 صور ملونة على أغلفة مجلات أجهل ما بداخلها 0 لا أعرف شيئا عن محتواها 0 علب حلوى مزخرفة لا أعرف شيئا عن مذاقها 0 لا أحد يرسم لي جنتي 0 الكل يدع لي وحدة فرصة الإبحار إلى الجزيرة ويتمنى لي سلامة الوصول وأنا خائفة 0 قاعة الامتحان في الكلية أرحم بكثير 0 فأنا أعرف تفاصيل ما سأخوض فيه 0 الغوص في رمال الكتب المتحركة أرحم ألف مرة 0 فعندما أنجح يهنئني الجميع 0 وعندما أفشل لن يدفع الثمن معي أحد 0 لن ينبذني الآخرون إن فشلت في معركتي مع الكتب سيلوكونني كقطعة قماش مهترئة إن أنا فشلت مع موظف شركة الكهرباء 0 ماذا يجب ؟ وما الذي لا يحبه ؟ لا أعرف 0 هل يعرف كيف يصفح عندما أخطئ 0 هل يعذر عندما أقصر ؟ لا أعرف 0 هل يحب الطيور والأسماك الملونة مثلي 0 لا أعرف 0 هل يحب الشعر ؟ هل يشجيه ضوء القمر ؟ هل سيجدني سخيفة إن علم ذلك عني ؟ لا أعرف 0 كيف سيتصرف معي إن أغضبته ؟ هل يشتمني ؟ أو يصفعني ، وربما ؟ لا 00 لا 00 ؟ لا أريد أن أعرف 0

كانت كلمات ( منى ) مقنعة وهي تنصحني بألا ألقي للأمر بالا وأن أنصاع لدراستي 0 وكنت مشدودة كالطبل أتلقى ضرباتها المنغمة بإصغاء تام 0 نمت ليلتها مرتاحة لولا أنني حلمت أن موظفي شركة الكهرباء أضربوا عن العمل ظهيرة يوم حار من أيام رمضان 0

وحتى حين علمت أنها اقترنت بموظف شركة الكهرباء دون أن تدعوني 0 نمت مرتاحة أيضا 0 ما شأني أنا إن كانت ترغب في الاقتران بشيء لم يعد يخصني 0 إنه قدرها الذي لم يكن يخطئها 0 تركتها تعتقد كما كان يعتقد الجميع أنها سرقته منى ، فقط لتبتعد عني 0 وعندما كانت تتفقدني في كل عام مرة أو مرتين كانت تحمل معها خبرا سعيدا 0

مبروك 0 قلت لها بمناسبة مولودها الثالث 0 ولم تقل شيئا حين علمت أنه تم نقلي إلى العمل بالمدينة 0

كان صوتها حزيناً يائسا 0 تبحث عن عمل 0 وكأنني مديرة ديوان الخدمة 0 واعترفت لي أن زوجها ينفق كل راتبه على المخدر اللعين 0 يضربها بقسوة وفظاعة أمام أولادها حين يفقد صوابه 0 وكثيرا ما ترضخ له فتبيع من أجله حليها قطعة بعد قطعة ، لتخفف عنها وعن صغارها شيئا من نفثات غضبه 0 لم تحزن كثيرا حين رحل عن حياتها إثر الحادث 0

لكنها عادت معي سيرتها الأولى 0 جاءتني تنفض التراب عن ضحكاتها الهازئة وتقول : ألم تتزوجي بعد ؟

أجبتها بهدوء مفتعل : " ليس بعد 0"

وقالت وكأنما تسخر مني : " أنت لا تصلحين لغير الكتب "

أثارت حفيظتي فقلت دون أن أشعر : " هذا قدري 0 وأنت هل تصلحين لشيء" 0

قاطعتني أياما ، لكنني واثقة من أنها لن تتركني أبدا 0

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007