[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
جوع ونخلة محترقة 
التاريخ:  القراءات:(7309) قراءة  التعليقات:(6) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وفاء الطيب  

  أتعبها وأنهك السفر قواها من ( بغداد ) إلى (القاهرة ) كل ستة أشهر 00 قال الطبيب : " لابد من إجراء مسح كامل لعظامك حتى لا يختبيء في دمك وأعصابك وأفكارك 0"  0 وقالت جارتها بأسى : " إن حزنك على ( بغداد ) الجائعة المجروحة هو الذي منحه الفرصة ليعيث في جسدك فساداً فيسق منك أحد نهديك 0 " 0

  (بغداد) الجائعة تبحث عن الدواء والطعام 00 ودواؤها شحيح كلعب الأطفال في ( بغداد) 00 في كل مرة تسافر من ( بغداد ) تنخرط صغيرتها في البكاء ترجوها أن لا تسافر 00 صارت تخاف من رحيل أمها عن بيتهم فقد لا تعود إليه كما فعل أخوها من قبل 00 تعلقت برقبتها وقبلتها كثيراً 000 " خذيني معك يا يمة0 " ولكن كيف ومصاريف السفر باهظة التكاليف وجسدها الصغير لن يتحمل قسوة مقاعد الحافلات ولا ليلة واحدة 00 مضطرة هي للسفر دون صغيرتها دون زوجها المفجوع على ولديه 00 صار لا يهنأ له نوم ولا طعام منذ أن وصل توأماه حدود ( الأردن ) ولم يعد بإمكانهما الرجوع فثمن العودة 00 فادح جدا 0

عندما فحص الطبي الجرح الغائر الذي تركه نهدها المبتور قال لها بصوت كل رفاهية : " عليك بالكثير من الفواكه والخضروات واللحوم !" كأنه يستخف بها والناس في (بغداد ) لا تجد غير العدس والشاي المغشوش !

لكزتها شقيقتها من يدها تستحلفها أن تلتهم حبات البيض المسلوق وأصابع الموز وكوب الحليب المحلى بالعسل من أجل صحتها 00 أنت لن تصدقي أن ( أحمد ) صار كالأرنب الأجرب حيث لم يجد جسده الفتيَ الفيتامينات التي يطلبها في طبق العدس اليومي 00 و(مي) تساقط شعرها الحرير على وسادتها 00 ( حسن ) و(خالد )  يجلسان على أرصفة حدود الأردن يمسحان أحذية المسافرين ويغسلان المراحيض في المحطات ثم ينامان على حصيرة بالية في غرفة منسية بإحدى المحطات 00 دموعها تحرق وجنتيها وحبات البيض تصبح قاسية وصلبة كأحجار الشطرنج وكوب الحليب يصبح مالحاً ممزوجاً الدموع !

بيتها الراقد على حافة نهر ( دجلة) تركته محترقاً يبابا00 تركت فيه ( أحمد ) و( مي ) ينتظران أوبتها 00 ليتها تستطيع أن تخبئ كل هذا البيض والموز وكوب الحليب في أوردتها لتحمله إليها 00 ليت قطيعاً من الخراف السمان يلحق بها فتربطه بسلسلة إلى الحافلة فتجره معها من ( عمان ) إلى ( بغداد ) 0 لا ليس القطيع كله 00 ستترك بعض القطيع لتوأمها فقد يداوي البروتين الجرح المفتوح فمه في يد ( حسن ) بعد أن قطعته سكين حادة لأحد المسافرين 0 لا شيء يجبرها على الترحال سوى هذا المرض الذي نهش نهدها وشيئاً من إبطها الأيسر 00 ينقطع قلبها وهو تمر على ولديها كل ستة أشهر في (عمان) بالحافلة وهي في طريقها إلى ( القاهرة ) 00 أنهك الكيماوي جسدها ورحلة العذاب البرية تجهز على الباقي من ضعفها 00 في كل مرة يترك لها ( أحمد ) حصيرته البالية ليتكوم مع توأمه وتنام معها بعين مفتوحة ترسل الدموع كالشلال00 يوماً ما ستصحو فتجدهما غريقين 00 تجفف عبرتها وتنام 00 تحلم بالتمثالين الجميلين وهما على مقعديهما في المدرسة بعيداً عن أحذية المسافرين ومراحيض المحطات 00

في محطة المسافرين أبصرت رجلاً مقطوع الأذنين يبكي بلا دموع 00 أرعبها منظر أذنيه المقطوعتين حولهما ضماد كثيف 00 الأطباء في ( بغداد ) يقطعون الآذان السليمة ولا يقدرون على بتر لوزتين مريضتين أو زائدة دودية ملتهبة 00 ليتهم يبترون جوع الأطفال وخوفها على ولديها 00 منظرهما بلا أذنين سيفتت كبدها 00 ومنظر الراكب الباكي بلا دموع يطرد النوم من عينيها فتصحو 00 رباه أخشى أن أعود إلى (بغداد ) بتوأمين مقطوعي الأذنين وبنهد مبتور 00 جوع ونخلــة محترقة !

كان الطبيب المكتظ عافية يثرثر عن قيمة اللحوم والحضروات في مرحلة مرضها القادمة 00 شكرته بعنف على نصائحه الثمينة وتحسست بحرص النهد الصناعي الذي دفعت فيه كل ما تملك حملت الكيس بحرص وخرجت 0


 


1/3/1419هـ   المدينة


 


 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007