[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
امرأة سيئة السمعة 
التاريخ:  القراءات:(7622) قراءة  التعليقات:(32) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : وفاء الطيب  
 

لا يحق لي أن أبغض ( نوال ) من أجل خالة (نفيسة) .  ما ذنبها إن كانت أمها بومة يبغضها كل من عرفها . كنت طفلة في الثامنة عندما  رأيت  أمها في منامي تتحول إلى بومة تنعب في الخرائب وتلتهم الجرذان . كان ذلك عندما ضبطتها خالة (نفيسة) تتسلل إلى مخدع أمي في غيابها وبيدها مقص كبير ، ولم تخرج إلا بعد أن أتلفت سجادها الفاخر . يومها لم يصدق روايتي  أحد . اتهموني بالكذب . وحتى روايتي بأنها هي التي تسللت   إلى السطح لتحطم  كل المصابيح  بعصا في يدها لم  يصدقني أحد 0

كنت لا أطيق رؤيتها  لأنها تبغض أمي .

لم تكن أمي شريرة ولا سيئة الأخلاق ، كل خطيئتها  أنها جميلة ، هادئة الطباع ، و خلوقة ، لا تعبأ بالمشاكل التي تحدث بين الأقارب.  كانت أمي بيضاء البشرة ، طويلة الشعر ، ممتلئة  القوام ، في حين أن خالة (نفيسة) على العكس من ذلك تماماً ، غليظة الملامح ، داكنة البشرة  و لها جسد مكتنز جدا  . أسنانها كبيرة وبارزة  ، تخيفني  كلما ضحكت ، مع أنها نادرا ما تضحك ، لا أراها  تضحك إلا في ولائم العزاء. كانت أمي كلما رأتني برفقة  ابنتها ( نوال ) تذكر لي المثل القديم بأن البنت لأمها .

رددته مرارا عندما فاتحها أبي بشأن خطوبة ( زياد ) لـ ( نوال ) .  أبي يرى أن لا يبقى أخي في غربته دون امرأة تؤنسه وأمي لا تعارضه لكنها ترى أن كل البنات يصلحن إلا ( نوال) .  وخطبت أمي ابنة الجيران . كم أرثى لحال (نوال) التي اعترفت لي أكثر من مرة بحبها الطفو لي  لزياد . مسكينة ! كم كانت تليق بمكان ( زهرة ) لولا أمها .

ورأيت خالة (نفيسة)  يوم خطوبة ( زياد) تتسلل بخفة إلى مخدع أمي، فالكل منشغل باستقبال المدعوات .  كانت تتفحص الغرفة جيداً بعينيها الماكرتين كأنما تبحث عن جرذ سمين لتنقض عليه . لا أعرف بالتحديد ما الذي كانت تنوي عليه . لكنه ليس خيرا على أية حال .  لا خير يرجى من امرأة رمى بها زوجها كخرقة بالية لأنها لا تفتأ تزور المشعوذات والدجالات في بيوتهن ، وتنفق عليهن بسخاء مقابل خراب البيوت العامرة.  سمعت زوجها  يروي  لأبي  قصصها مع  بيوت الدجالات . كان يتحدث اليه بحرقة ويندب حظ عياله الذين لا ذنب لهم حين  طلقها طلاقا بائنا  0

ولكن من يصدق ؟ هل يعقل أن يكون قلبها أسود إلى هذا الحد ؟ ماذا تفعل في مخدع أمي ؟ ما الذي تنوي عليه هذه المرة ؟ فتحت درج التسريحة بهدوء ؟ هل أتنحنح كي ينكشف أمرها أم أنتظر لأرى ما تفعله تلك المرأة سيئة السمعة ؟ دست شيئا بيدها تحت سرير أمي ثم فرت من الغرفة كأنما هي أرنب مذعور تطارده بندقية صياد حاذق ،  واصطدمت بي عند الباب .  كلانا ارتعب من الآخر 0 كان وجهها مخيفا وهي تحاول تصنع الدهشة وتسأل عن ثوب الصلاة ، وكدت أقول لها أننا لا نترك ثياب الصلاة  تحت السرير . وما إن انفض الحفل حتى كنا نقلب غرفة أمي عاليها سافلها .  ووجدنا شيئا مبهما ملفوفا في خرقة صغيرة متسخة . قامت أمي بحرقه  و استحلفتني  أن لا يعلم أبي بذلك 0

كانت السنة الأخيرة  لدراسة زياد  الذي يحضر الدكتوراه في الهندسة .  أمي اشتاقت له ولـ (زهرة) ولولديه . ستة أعوام في بلاد الغربة ، وأمي تنتظر رجوعه  بصبر أيوب . لو كانت تستطيع العيش في مكان غير بيتها  لسافرت إليه ، لكن مكالماته الهاتفية كانت تربط على قلبها وتبعث فيها الرجاء بعودته . وحين عادت ( زهرة ) بولديها دون (زياد) فقدت  أمي صوابها .  روت لنا زوجته كيف أنه  تغير كثيراً في الأشهر الأخيرة . ترك جامعته  وأصبح يقضي وقته معتكفاً في شقته يقرأ الكتب الروحانية ثم يزور  أوكار بيوت قارئي  الكف والورق . صار مدمنا على  القهوة وأشياء أخرى  ، يصرخ  في نومه  من الكوابيس .و لم يعد يقرأ القرآن . يدخن بشراهة و يجلس  على كتب السحرة  بالليل ثم ينام بالنهار . بكت أمي لأجله كثيرا . وبكت ( نوال) لأجله عندما نقلت اليها أخباره  . نسيت أن  أمي حذرتني من  أن تعرف ( نوال ) شيئا فتخبر أمها .

عاد أبي ومعه جسد ( زياد) . ذقنه طويلة وملابسه متسخة وعيناه غائرتان لا يعرف أحدا  ولا يسلم على أحد . بكت أمي في حضوره أكثر مما بكت في غيابه ،  فقد كان حاضر البدن غائب القلب  والروح . أبي لا يفارقه . يقرأ القرآن بجانبه آناء الليل وأطراف النهار ، يغسل صدره بماء زمزم ويستعيذ له من شر الشيطان الرجيم .

بعد أيام  جاءتنا خالة نفيسة  تمشي على غير استحياء . برزت أسنانها المخيفة وهي تنخرط في ضحكات هستيرية متصلة .  قبلتني ثم قبلت أمي بشدة وكأنها تبارك لنا في حفل زواج . لا تريد أن تتركنا وشأننا تلك البومة 0

المدينة المنورة

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007