[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أبي و بورخيس* قصة لم تكتمل
التاريخ:  القراءات:(13644) قراءة  التعليقات:(15) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : جـبـير المليـحان  


 


في هذا العام [1]كنت أقرأ لبورخيس كتابه ( المرايا والمتاهات )[2] ، و وجدته يقول في  ( حكاية الحالمين) [3] ، ما نصه التالي :   


    (( يروي المؤرخ العربي الإسحاقي هذه الواقعة  :


(( يحكي رجال ثقات [4] ( والله وحده العليم القدير الرحمن الذي لا تأخذه سنة و لا نوم ) أنه كان بالقاهرة رجل ذو ثروات ، وكان مبسوط اليد متحرراً فأضاعها جميعاً عدا بيت أبيه . و اضطر إلى العمل لكسب قوت يومه ، فأُرهِـقَ حتى فاجأه النوم ذات ليلة تحت تينة بحديقته ، فرأى في المنام رجلاً مبتلاً يخرج من فمه قطعة نقود من ذهب و يقول له : (( ثروتك في فارس بأصفهان ، فاذهب وابحث عنها )) . استيقظ الرجل عند الفجر الموالي ، و شرع في السفر الطويل ، فواجه أخطار الصحاري ، والسفن ، والقراصنة ، وعبدة الأوثان ، والأنهار ، والسباع ، والرجال . و وصل إلى أصفهان أخيراً ، لكن الليل داهمه عند سورها فاضطجع للنوم في باحة مسجد . وكانت بجوار المسجد دار ، فشاءت حكمة الله أن تعبر المسجد عصابة لصوص و تدخل الدار . و استيقظ القوم النائمون بفعل جلبة اللصوص ، واستغاثوا ، و صرخ الجيران أيضاً إلى أن اتجه ضابط عسس تلك المنطقة هو رجاله إلى المكان ، ففر اللصوص بجلودهم عبر السطح . أمر الضابط بتفتيش المسجد فعثر فيه على الرجل القادم من القاهرة ، فأشبع ضرباً بهراوات الخيزران حتى كاد أن يهلك . بعد يومين ، استعاد الرجل وعيه بالسجن ، فاستدعاه الضابط وقال له : (( من أنت و من أي أرض جئت ؟ )) أعلن الآخر : (( إنني من مدينة القاهرة الشهيرة ، واسمي محمد المغربي )) . سأله الضابط : (( ماذا أتى بك إلى فارس ؟ )) فاختار الآخر جانب الصراحة وقال له : (( أمرني رجل في المنام أن آتي إلى أصفهان ، لأن بها ثروتي . أنا الآن في أصفهان وأرى أن الثروة التي وعدني بها قد تكون الضرب الذي أشبعتني إياه )) . لم يتمالك الضابط نفسه ، إزاء هذا الكلام ، من الضحك حتى برزت أضراس رشده ، ثم ختم قائلاً : (( أيها الرجل الأخرق السريع التصديق ، لقد حلمت ثلاث مرات بدار في مدينة القاهرة ، في قاعها حديقة ، و في الحديقة ساعة شمسية ، و وراء الساعة الشمسية تينة ، و وراء التينة عين ماء ، و تحت عين الماء كنز . بيد أني لم أصدق هذه الأكذوبة . أما أنت ، يا نسل نكاح الغفلة والشيطان لا ريب ، فخرجت تائهاً من مدينة إلى مدينة ، لا يدفعك إلا إيمانك بحلمك .لا أريد أن أراك بعد الآن في أصفهان . خذ هذه النقود و امض )) .


أخذ الرجل النقود ، وعاد إلى وطنه . و من تحت عين ماء حديقته ( التي هي عين حلم الضابط ) أخرج الكنز الدفين . هكذا باركه الله وأجزاه وأثنى عليه . أن الله كريم ، لا تدركه الأبصار . )) .


(  من كتاب ((  ألف ليلة و ليلة )) ، الليلة 351 )  [5]


 


هكذا ، قال بورخيس ، أما نحن : أنا وأخوتي ، فكنا نعرف هذه القصة منذ عقود ، وإن كانت بصيغة مختلفة ، ففي قريتنا[6]، حيث تغيب عنا شمس كل يوم من بعد العصر مباشرة ، تاركة حمرتها القاتلة كالبكاء ، على حواف جبل أجا الكبير الذي يخيم على النخيل والمزارع بالليل .. و يأتي بالظلام والبرد والمطر والرياح و الجن وعواء الذئاب وسط الليل الكبير ، كان أبي ، يجمع قشعريرة خوفنا ، و يطعمها دفء النار ، ويدس ، وسط ظلام الليل ، تحت أجفاننا النوم مثل الحكايات ،  و يوسد رؤوسنا الصغيرة المتعبة من عمل المزرعة القاسي ، القصص .. قصصه[7] التي لا نهاية لها ، مثلها مثل الليل الطويل ، كانت القصة التالية إحدى وساداتنا .. القصة التي قالها بورخيس نفسه ، هل أخذها عن والدي ؟! هل التقطتها أذناه عبر مدى الأزمنة ؟ أعني بورخيس ، ربما مرت نغمات القصة إياها منسربة عبر هواء التاريخ من فم أحد أجدادي ، عندما كان يحكيها لأطفال ما ؟! ربما كانوا بعض أحفاده الذين تشعبوا في قرى ، و وديان الكرة الأرضية ؟! .... ربما كان أبو بورخيس ، أو جده أحد هؤلاء الأحفاد .. ربما .. لكن أبي لم ينطق لنا اسم بورخيس كما نطق لحنه ، و بورخيس ذاته لم يكتب اسم أبي في قصته السابقة مع أنه كتب قصته .. إذن : لم  يكتب أبي القصة ذاتها إلا في ذاكرته الواسعة ، ولم يقل لنا من أين جاءت بها هذه الذاكرة . لقد كنت وإخوتي نظنها من أقوال جن الجبل الكبير ، الواقف أمامنا منذ الأمد ، حيث تقع بعد نهايته القصية الخفية ، المخيفة حدود الدنيا ، و ما بعد ذلك سماء و سماء و سماء


هذا قبل أن أعرف بورخيس ، أما الآن ، في هذا الوقت بالذات ، فلا شك عندي بوجود بورخيسٍ ما في أحد كهوف أجا ، مع أرواح الوعول والذئاب والصيادين ، و أصوات المغنين التي تتردد وسط الجبال منذ آلاف السنين ، هؤلاء المغنين الذين يلحنون همومهم ، وهموم الحياة بألحان الأغنيات الموجعة ، إمعاناً في إخفاء جروحهم ، و اتقاء لنقمة الغد المجهول .. أطلق صوت أغنيتك الحزينة على أضلع الجبل ، يهرب من وجه غدك كل الأعداء !  .. إنهم ( بورخيسيو) الأزمنة في كل مكان ، من الرعاة ، والفلاحين ، والفُلاة ، والمحاربين ، والمارقين ، والعصاة ، والمبشرين بأنواء الأمطار ، و قدوم علامات الخير !!


 إن أبي لم يضع للقصة عنواناً غير اسم صاحبها : (( ابن رواف )) [8] الرجل الفقير الذي يقعد في بيت طين يشبه بيت محسن[9] ، وكانت له زوجة مثل مطيرة[10] تعـيِّره بفقره دائماً ، وكان يملك حماراً ، يقوم بشد عدته عليه مع  الفجر ، ويربط خبزته الصغيرة اليابسة إلى وسطه ، ويضع قربة مائه ، ثم يدعو ربه أن يعينه ويوفقه ويخرج إلى الفلاة ، وهناك يلتقي بمجموعة من رفاقه : رجل وامرأتان في الغالب ، يمشون بحميرهم حتى يصلون إلى أجا ، تمشي الحمير متتابعة مع ريع الصِّـر[11]، الضيق ، حتى يصلون إلى شعيب ذرافة الواسع ، والواقع بين جبلين عظيمين ، يتوغلون وسط الجبال ، حتى يصلون إلى مكانهم المقرر ، بالقرب من النصراني [12] ، يقيدون حميرهم ، ويتركونها ترعى ، ثم يتفرقون في الجبال لجمع العشب ..


 بعد أن تأخذ الشمس استدارتها في السماء ، وتنحدر للمغيب ، يجتمعون ، ويحزمون أعشابهم في الشبكة [13]، ويذهبون إلى الجلسة : يجلس الرجال والنساء في حلقة واحدة ، ويخرج كل واحد منهم زاده ، ويدني شنّة مائه ، أو شكوة  لبنه ، كان ابن رواف يخرج خبزته اليابسة وقد قطع طرفها حتى صارت مثل الهلال ، وكانوا يسألونه عمن فعل ذلك : فيطأطئ رأسه وهو يقول بصوت خفيض وجائع : أكلها الفار!! يضحك رفاقه ، وهم يجلدونه بالألفاظ القاسية ، فكان يبلع لقمته اليابسة مع الماء بصعوبة ، ولكن لا حيلة له أمام الجوع ، فهم يعرفون أنه هو الفأر ، وهو يعرف أنهم يعرفون ذلك ، لقد كان و هو في قمم الجبال يقضم من الخبزة اليابسة عندما يعضه الجوع ...... يوبخ نفسه بعد ذلك كل يوم ، ويعاهدها أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى  ، ولكن الجوع ينقض كل ذلك .. وحتى زوجته ، فإنها لن تقبل أن تخبز له رغيفاً صغيراً يأكله حتى لا ينقص من زهابه ، فهي تعرف أنه يتناول أكله مع رفاقه في الفلاة ، وأن مائدتهم واحدة ، فإن قل زاده أطعموه من زادهم .. لا حل له غير الشكوى إلى الله أن يساعده ، ويحل من كربته إنه سميع مجيب .


وفي ليلة عاد متعباً ، بحيث لم يسمع حتى سباب زوجته ، وندبها المتواصل ، لحظها الذي أوقعها في رجل مثله . فقد سقط في فراشه وراح في نوم طويل ، وفي آخر الليل سمع منادياً يقول له : قم يا ابن رواف .. قم واسمعني .اعتدل في فراشه مذعوراً ، وقال : من أنت ؟ أنا المنابي[14] ؟ ماذا تريد ؟ أريد أن أقول لك : أن رزقك بالشام ..رزقك يا ابن رواف بالشام .. بالشام .. قالها ثلاثاً ، ثم اختفى الرجل الذي يحدثه ، تاركاً إياه يفرك عينيه ، تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولكن صوت الرجل المنادي لا يزال يرن في أذنه .. ولثلاث ليال كان يأتيه بعد منتصف الليل الرجل نفسه ، يوقظه من نومه و يقول له أن رزقه بالشام .. في الأيام التي كان يرى فيها زائره كان يخرج إلى الفلاة سارح الذهن ، ولم تكن حصيلته من العشب ذات نفع ، فكان حماره يعود في أول الركب خفيفاً ، مما حدا بمستأجريه إلى تهديده بحرمانه من حصته من التمر والحنطة .. وقد أوغر ذلك صدر الزوجة ، فكثر سبابها ......، عند عودته في اليوم الأخير .. كانت تقف متحفزة أمام الباب ، و بمرأى من الجميع علا صراخها حتى اقترب الجيران ، حثت في وجهه التراب ، وقالت هذا رزقك ، وأشهدت الحاضرين من القرية أنها ستتركه هو وحماره إلى يوم القيامة ، ثم غادرت إلى أهلها في القرية المجاورة .

في ذلك اليوم ، وجد ابن رواف نفسه وحيداً دون عمل أو زوجة ، أو أولاد ، انتظر حتى فتح سوق القرية فباع حماره ، واشترى صرة زاد ، ونعلين جديدين ، وسار إلى الشام بحثاً عن الرزق الموعود [15]. واجه في سفره الطويل أخطار الجوع والأمطار والهوام ، والجن ، والسباع ، وقطاع الطرق ، ولم يصل إلى الشام حتى بليت نعلاه ، وتشققت أسماله ، وضمر حتى صار جلداً على عظام .. وصل و قد أهلكه الجوع ، وجف حلقه من العطش ..سقط على سور المدينة .. وهو يلهث ، ومن المزارع الواقعة خارج أسوار المدينة كانت


وفود الباعة تمر من البوابة الواسعة دون أن يأبه به أحد ، وفيما هو يهم بالنهوض لدخول سوق المدينة الكبير مرً بالقرب منه فلاح شاب ، يحمل زنبيلاً كبيراً مملؤاً بالعنب . لم ينتبه الفلاح لعنقود العنب الكبير الذي سقط على قدمي ابن رواف . التقط العنقود وكاد يلتهمه من شدة جوعه ، ولكنه نهض راكضاً خلف الرجل : يا رجل .. يا رجل ، لم يلتفت الرجل حتى لامس ابن رواف كتفه ، مد له العنقود :


- لقد سقط منك !


- إنه رزقك !


ومضى الرجل في طريقه ولم يلتفت ، مشى ابن رواف إلى السور ، وهناك انخرط في بكاء متواصل ، كان يقول لنفسه : أأقطع كل هذه المسافات ليكون رزقي عنقود عنب ؟ ثم يجهش في البكاء ! من كثرة بكائه و تعبه غاب عنه السوق بما فيه من باعة وحركة وأصوات ، وبقي عنقود العنب بالقرب منه .. استمر على هذه الحال حتى غطاه ظل رجل قال له بصوت خفيض : ما بك يا بني ؟ رفع رأسه .. كان شيخا كبيراً ، له لحية بيضاء طويلة ، وملابس بيضاء نظيفة ، حدق في وجهه ، فكانت له عينان صغيرتان تختفيان تحت جفنين كبيرين ربطا بكلاليب سوداء تصلهما بالحواجب وتتيح للعينين الرؤية !! كرر الشيخ ما بك يا بني ؟!


نهض ابن رواف من مكانه ، ورفع عنقود العنب أمام عيني الشيخ ، الذي لم يمهله ، وإنما قال له : لا عليك .. اتبعني . تبعه ابن رواف حتى وصلا  منزله . دخلا و سلما على رجل حسن المظهر ، له لحية سوداء  طويلة ، يجلس على كرسي مذهب ،  استغرب ابن رواف


 


والشيخ الطاعن في السن يقبل رأس الرجل الجالس على الكرسي ويده ! صلوا جماعة ، ثم جاؤا بما لذ وطاب .. كان عنقود عنب ابن رواف قد غسل و وضع في طبق خاص ، و وضع أمامه ، وضعه بجانبه ، ثم تجاهله ، وأكل من أكلهم ، تركوه ثلاثة أيام كاملة حتى استراح ، خلالها لم يحدثه أحد ، كانوا يسلمون عليه ، و يبتسمون في وجهه ، ويتحادثون بينهم  وقت الأكل ، وقبيل النوم ، وهو مصغ إليهم . بعد اليوم الثالث ، قال له الشيخ ذو اللحية البيضاء :


-   قبل أن أسمع قصتك أيها الغريب ، اسمع قصتي أنا أولاً : قد تستغرب أن يكون هذا الجالس على الكرسي أخي  الكبير ، انظر .. ترى سيماء وجهه  توحي بأنه أصغر مني ، ألا فاعلم أننا أخوان شقيقان ، وأن أخي هذا كان بارا بوالديه ، أما أنا فقد كنت عاقاً لوالدي و والدتي ، وقد دعيا علي أن يعاقبني الله في الدنيا ، وأن يشملني برحمته في الآخرة ، وبعد موتهما هاجمتني الأمراض ، والعلل ، ولم أترك طبيباً إلا وزرته ، حتى جاء إلى هذه الديار شيخ وقور مكث يصلي معنا شهراً كاملاً ، ولعل أخي الأكبر قد عرض شأني عليه ، فطلب لقائي ، وقال لي : عليك دعوة والد غضوب ، وهذه عقوبتك في الدنيا ، فكفر عن خطاياك ، لعل ربك يشملك برحمته يوم القيامة ! سألته : كيف ؟ اعمل صالحاً ، وبر أخاك الكبير حتى تموت .. من يومها ، وأنا بصحة جيدة  ، لكنني أشيخ بسرعة ، ولعل مرد ذلك لرغبتي في أن أحظى برحمة ربي ! . صمت الشيخ طويلاً حتى ظننته قد مات ، رفع رأسه وقال : ما هي قصتك ؟


حكيت له قصتي كاملة .. فضحك حتى خفت أن يموت من شدة السعال الذي هاجمه وهو يضحك ..  بعد أن هدأ ، قال لي باسماً :


-       أصلحك الله يا بني .. هذه أضغاث أحلام فكيف صدقتها وتركت ديارك ؟


-       إنني رجل فقير ، ولا أملك شيئاً ، وقد جئت أطلب رزقي ، ولكنني لم أتصور أن يكون عنقود عنب !


-   اسمع يا بني .. لقد رأيـت أنا حلماً  يشبه حلمك ، ولكنني لم أصدقه ؟ كان يأتيني    رجل في آخر الليل ، ويوقظني من النوم ، ويقول لي : اعلم يا محمد أن مال ابن رواف تحت مربط حماره ! لقد تكرر ذلك ثلاث مرات .. لم أعرف يوماً أن هناك من يدعى ابن رواف ! من هو ابن رواف هذا ، كيف لي أن أعرفه .. هو و حماره ؟! إنها أضغاث أحلام يا بني .. فلا تصدقها أبداً .. غداً .. يا بني تعود  إلى ديارك ، فليس للرجل غير دياره ، و أهله .


لم ينم ابن رواف تلك الليلة ، وبعد صلاة الفجر أسقط الشيخ في يده كيس نقود صغير ، وأشار بيده إلى السوق ، ومن السوق اشترى ابن رواف راحلة وزاداً ، و نعلين ، وعاد إلى دياره .


عند هذا المقطع كنا نضج وسط نعاسنا ، ونحن نتطلع إلى لحية أبي :


-       هل وجد ابن رواف الكنز ؟


-       نعم ..


ففي الليل كان يحفر في مربط حماره حتى وجد أواني كبيرة مملؤة بالجنيهات الذهبية الصفراء .. أخرج الأواني واحدة واحدة ، ثم ذهب إلى الرجل الذي اشترى حماره ، واستعاده بثمن فرح له الرجل ، مرً على رفيقه الذي كان يخرج معه إلى الفلاة ، ويعيره بالرغيف الذي يأكله الفأر.. جلس معه قليلاً ، ثم رمي في حجره جنيهاً واحداً وقد قص من طرفه قطعة حتى صار مثل الهلال ، وبهدوء قال له:


-       هذا الجنيه هدية السفر مني لك  ، ولكن اعذرني ، فقد أكل الفأر جزءاً منه !


 .. هز رفيقه رأسه مسروراً ، فطلب منه ابن رواف ألا يخبر أحداً بقصة الجنيه الذهبي .. وهكذا مر عليهم واحداً واحداً حتى شملهم كلهم .. في الأيام التالية أقام ابن رواف حفل فرح كبير بمناسبة شرائه مزرعة كبيرة ، وحرص أن يكون في الصف الأول من المدعوين رفاقه في الفلاة ، أجلسهم ، وعندما حضر أعيان القرية ، أخرج من جيبه جنيهاً براقا ، وصار يخلب ببريقه أنظار المدعوين وهو يلعب به في الهواء .. أوقف لعبته ، ثم قال : لقد تغير الزمان أيها الناس فهل تصدقون أن الفئران تأكل الذهب ؟ صمت الجميع ..فأشار إلى الرجلين و المرأة ( رفاق الفلاة ) وقال : اسألوا هؤلاء ! .. فسارعوا إلى هز رؤوسهم بالموافقة ..فقال ابن رواف : ولكن الغريب ـ أيها الناس ـ أن الفئران التي تأكل الذهب تعجز عن أكل الخبز ! ..يقول ذلك وهو يلتفت إلى الواقفين الذين يهزون رؤوسهم بالإيجاب


 


.. يضج الحاضرون بالضحك ، وينسحب رفاق فلاته  خجلا.. وتمضي السنوات والقرية تتحدث عن المنافقين !


يداهمنا النوم ، ويطفئ أبي شعلة سراجنا  الصغير ، تاركاً طيور الأحلام الحلوة ترفرف قرب عيوننا .. تتسلل الأنثى من إهاب أختي الصغيرة ( منيرة ) .. تخرج  رأسها من تحت اللحاف وتطلق سؤالها ، وسط الظلمة ، وسط ضجيج الطيور :


-       و زوجته يا أبي ؟


يرسل إلينا أبي ضحكته النادرة :


-       لقد ماتت من الغيظ !


ثم تأخذنا طيور النوم إلى بلاد بعيدة خلف الجبال العالية حيث تمتد سماء ، و سماء ، و سماء ......

الدمام :13/10/98


* لم أنه القصة بعد؛

ـــــــــــــــــــ



[1] - 1998 .



[2] ـ دار توبقال ـ ط1 ـ 1987.



[3] ـ ص 14 ـ المصدر السابق .



[4] ـ ( ثقات) هكذا وردت في الطبعة ، ولعله خطأ مطبعي ، وهي صحيحة على لغة طيء ، لو قُصِدَ ذلك .



[5] - في البداية ظننت أن بورخيس هو التائه في أروقة ألف ليلة وليلة ، ولكنني و جدته بالقصة القصيرة التي دونها ، قد أدخلني في متاهاته .. احترت في ملاحقة اتساع هذا البورخيس : فقد عدت إلى نسختي الخاصة من مجلدات ألف ليلة وليلة : ( إعداد رشدي صالح ـ دار و مطابع الشرق ـ رقم الإيداع 1015/ 1969 )و وجدت قصة أخرى .. كما عدت إلى نسخة أحد الأصدقاء ( المكتبة الحديثة للطباعة والنشر ـ بيروت ) و لم أعثر على القصة مطلقاً ، بل وجدت في ليلة بورخيس المذكورة: (351)، قصة أخرى مغايرة .. حيرني ذلك ، فقلت : ربما حذفت القصة مع ما حذف من المجلد الأصلي بعد ( موقعة) القاهرة : (( .. تمت إدانة كتاب ألف ليلة وليلة ، في مصر و إحراقه و إحالة ناشره إلى القضاء ( صدر الحكم بمصادرة نسخ الكتاب سنة 1985 ، وكانت قامت بطبعه ((دار الكتاب )) المصرية و اللبنانية و (( مطبعة صبيح )) المصرية .. إلخ ، ـ ص36 من كتاب الأحلام المشرقية ـ عيسى مخلوف ـ دار النهار 1996.. )) .



[6] ـ قصر العشروات ـ 25 كم جنوب مدينة حائل .



[7] ـ يتبارى مع خالنا في قص الحكايات المخيفة لنا ، ولعلها طريقتهما في مواجهة الجن ، والمجهول من الذئاب والغد والجبال ، والمرابين .. وسلاسل الفقر غير النهائية .. ربما كانوا يحتمون بضحكاتنا الخائفة .. ربما !



[8] ـ هكذا نطق لنا مراراً حيث تتكرر تلك القصص مثل الأيام .. فإن شابه اسماً حقيقياً ، لشخص ، أو عائلة في الماضي ، أو الآن ، أو الغد .. فذلك غير مقصود له .



[9] - رحمه الله : شاعر من بدو الجبل ، و من سكان القرية: عاش ، و مات وحيداً ليس له غير شعره ، وجباله ، وقهوته والهيل ، وضيوفه الغرباء ، وحمار صبور كان يسقيه العصير ، ويدلـلـهُ بقطع الحلوى !



[10] - امرأة لها سمعة ( ما ) ، تداولت سيرتها الألسن ، ورحلت إلى المدينة بعد أن شاخ زوجها !



[11] - جادة برية صغيرة يستخدمها القرويون في فلاتهم ، تفضي إلى ريع واسع بين الجبال يدعى ريع ( ذرافة ) !



[12] - ( النصراني ) : أرض سهلية خصبة واسعة بالقرب من قمم جبال أجأ ، بها نخل و ماء ، وليس لها غير مدخل ضيق و طويل يصعد إليها عندما ينتهي شعيب ( ذرافة ) ، و كان سكان قرية قصر العشروات ، و ما جاورها يلجأون إلى هذا المكان أوقات الحروب والحصارات الكثيرة .. فيذهب إليه العجائز و الأطفال ، وماشيتهم ، و يبقون فيه بأمان ، إذ يكفي رجل واحد مسلح لحراسة مدخله الوحيد .. أما لماذا سمى النصراني بذلك ، فلم يخطر ببالنا التساؤل ، ولعلنا سنسأل بورخيساً في المستقبل القريب !



[13] - شبكة كبيرة، شبيهة بشبكة صيد السمك ، تصنع حبالها من ليف النخل ، ترصّ الأعشاب بداخلها ثم تربط ، و يصبح من السهل وضع وسطها على ظهر الحمار و ترك جانبيها يخبان بروائح أزهار العشب في حديث حميم مع أعشاب الفلاة ، في غناء شجي و متعب حتى مداخل القرية! !



[14] - من يأتي بالنبأ !



[15] - لم يذكر والدي من أية منطقة سار ، أو ما هو اسم قريته .. فالمكان غير مهم أمام فجائع الأحداث !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007