[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أسنان الغزال أسنان الغزال
التاريخ:  القراءات:(8542) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

أسنان الغزال

   ما أصعب أن يستيقظ صبي صغير كسعد يتمطى الخوف في وجهه.. يتذكر صوراً قريبة بعثرها الصحو ، عندما راحت يده الملآى بتراب الأمس تفركان عينيه .. يوشك على البكاء ، شيء مروّع يسقط في داخله.. أشياء صغيرة فقدها للتوّ ، هل كان منها الحذاء القديم - الجديد ، ولعب  النهار وشمسه الآفلة

وسادته.. روائح ما بعد الصحو ؟  يتحسس ملابسه ..تواصل يده البحث عن شيء خفي سقط في أثناء الحلم .

* * *
**

   كان سعد يتناول فطوره بسرعة .. الخبز كان ناشفاً في حلقه .. يمضغ بحذر دون أن يقرر ذلك ، يحس ندباً فتياً بين الطعام .. الحليب ساخن ، يستحث الهواء ، يخرج عبر شفتين مرتعشتين ، يحدث زوبعة صغيرة .. يده تقبض على الطاقية ، عندما فاجأه سؤال غليظ : لماذا رأسك مكشوف ؟ تزداد سخونة  الحليب ، الخبز يعترض تنفسه ، ترتعش حافة الفنجان المثلومة .. يلامس أسنانه بصوت يوقظ جوابه ، يبلع ريقه والسؤال :" طيب بعد الفطور"

 

* * *
**

   شيء ما يشده للسطح ، يخرج مهرولا ً .. يصعد الدرج الحجري ، كانت الشمس قد  صعدت خلف بيوت الجيران أعلى  البيوت ، تتساقط أشعتها دافئة فوق رأسه الحليق.. يفتح طاقيته الحزينة ،  شجرة المشمش تعلو في الفناء صفراء .. تسقط ورقة تحت شمس ناصعة تختبئ وراءها الأيام.. يثقل  التردد  داخله كجبل عنيد ، يجأر السطح تحت أقدامه ، تدور ورقة أخرى صفراء قٌبل أن تلامس الأرض .. شيء أليف يغادره بعيداً ، ترى هل يعود؟ ردد " لم أر في حياتي أسنان غزال! أهي كأسنان جدي المبتسم ..." تمتم ليقوي يده التي تنطلق في الهوا صوب الشمس وكمن يرمي بآخر شيء يملكه ، ولآخر مرة ، راح يترنم :"  يا عين الشمس خُذي...."

 ابتلع الشروقُ بقيةَ الكلمات ؛ ينحدر إلى أسفل، ودمعة تودّ  لو تجد من( يهيّضها).

   تعود الطاقية لرأسه خوف السؤال الحارق ، في قلبه تتهاوى قطع ألم حارة تُنبِت شمساً قادمة يحملها الصباح.

* * *
**

 يشرب حليبَه أبيض كل صباح .. يودعها عند الغروب، ويمضي صيف آخر، تواصل الشمس عريها السنوي .. وتنقله خطوات إلى كرسي بارد في مدرسة القرية، سعد يجلس وحيدا في حوش المدرسة، التلاميذ يتدفؤون لصق بعضهم ساعة الفسحة، كبار يأخذون قسطا أكبر من الشمس ، والظل ينتشر تحت الأشجار وأعمدة الملعب وبجوار الجدران ، تتغامز عليه عيون تلاميذ السادس، يضحكون عاليأ ، ضحكاتهم  تصل الشمس التي تثقب الظلال هنا وهناك ، ولا تتدخل..

- أين أسنانك يا شاطر؟

- لا تنساها في البيت!

- هل نمت بجوار أمك فـ ...؟!

أصواتهم ثقيلة كخطوات اقترابهم . نظراتهم قبيحة، عيونهم مثل كلاب مسعورة ، آه يكرههم، لكن أسنانهم تلمع كالمرو الأبيض.

                                  

 

 

* * *
**

   يعود الصبي ذات يوم ، مثقلاً بالكتب والأناشيد التي بدأ ينساها، ينتبذ الغداء والعائلة .. ينزوي.. ينثر حقيبته.. وإذ تشرق شمس بيضاء في ا لصفحة الأولى .. طفل يرقب الشرق ، بينما أوراق صفراء متناثرة هنا وهناك.

* * *
**

 

 

   الخميس ، يوم جديد للشمس- هذه الصديقة! يصحو سعد باكراً ، كمن سيذهب للدرس، سيداعب  الصباح بانتظارها، نساب هادئة .. يختار أجمل المواقع ليجلس مادّاً خيوط نظراته نحوها، يستلقي تحتها ظهراً ، يصغر ظله حتى يختفي تحت قدميه ، بينما تتربع ظهر السماء، ينصهد جسده تحتها، ناثراً حروفه عبر جبروت المسافة:" أرجوك سنتي.."

    تأخذه إليها بخفاء موغل كحبائل عنزة ترقد في بئر الطفولة اليائسة إلى غد مجهول ..يسحبه تنائيها لا إلى قعر قصي ، إنما نحو أعلى جبال المغيب.

ينكشف  له كمّ التوحّد الهائل الغائر في أعماقه .. ما الذي يعود منه في وقت عديم...

 ساقان يجرجهما مثقلتين بالركض والاختباء .. يدخل فراشه، يدس  جسده وأسنانه: ينام .

* * *
**

يستيقظ بعدج أحلام بيضاء .. يسري القمر صافياً الليلة، تشتاط  رغبة ظامئة تملأ جفاف  فمه، أدار لسانه ، سقط في فجوة يعرفها جيداً ، ينسل ضوء القمر عبر شقوق النافذة السميكة ، صرخ ، ربما في أعماقه ، النائمون حوله لم يروا القمر..

هذا البهاء الليلي ، تسحقنا الشمس معه بلا رحمة!  هل فقد شيئاً عزيزاً هذا القمر؟

                                 

* * *
**

  في صباح مدرسي.. تنتزع الشمس الأولاد .. تأخذهم بحدة ، سعد نائم في فراشه.. لم توقظه الضحكات المجلجلة في أذنيه .. وأمه تحمل دفء يديها لتجمع أوراق الليل الصفراء المتساقطة تحت شجرة المشمش في الفناء ، وتذكرت صَحَواته القمْراء فانطلقت تبحث عن ابنها الذي اندفع يوغل في المغيب.

 

من مجموعة ( خطوات يبتلعها المغيب) 1997م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007