[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الضباب يولد شمالا الضباب يولد شمالا
التاريخ:  القراءات:(964) قراءة  التعليقات:(4) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : د. مصطفى الضبع  

الضباب يولد شمالا

 

      حين دقت ساعة الميدان مد العجوز الذى يتسمعها يده ودق الجرس المعلق فوقه وعاد يجلس تحت الجرس .. انسابت الدقات فى الآذان المتحفزة امتدت أيديهم للأوراق المقلوبة وانسالت نظراتهم بين السطور الحبلى بالأسئلة شملهم الواقف بينهم بنظراته الحادة .. همس إليهم بكلمات تقليدية تكلف فيها إظهار صوته المشروخ وانسل ليجلس تحت النافذة الزجاجية فى حين جلست الأخرى المكلفة بمراقبتهم معه عند الباب وعلقت حقيبتها فى المقبض .. ألصق وجهه بالنافذة .. لسعته البرودة فارتد يحملق فى الجالس أمامه يغرس وجهه فى الأوراق والأرقام يفك مغاليقها زاحمت نظراته الولد محملقة وعندما لم يفهم شيئا عاد ليغرس نظراته متحاشيا الاصطدام بالزجاج البارد ...

      بدأ الميدان يسرد تفاصيل حركته.. لوح الشرطى الممسك بجهاز اللاسلكى  لزميله الأسمر الذى يمسك الأوراق ووضع صفارته فى فمه ..انسابت السيارات من الجهات الأربعة .. بين العربات تقافز الرجل المقطوع القدم حاملا أطواق الفل .. ابتسم للشرطى فحدجه بنظرات نارية فاتجه للناحية الأخرى .. طفل يحمل حقيبة مدرسية يحاول عبور الميدان مدققا فى الاتجاهات يقف على حافة الإفريز فى انتظار أن يخف سيل العربات والعربات تحاول اجتياز السحب الضبابية القادمة من الشمال ..قطار الصباح يطلق صفارته الزاعقة فيتسلل صداها فى دوائر صوتية حلزونية متباعدة تصل إلى الجالس تحت الجرس فيدرك أنها بداية رحلة القطار للجنوب ويتسمع لها عامل المزلقان فيخرج يديه من جيوبه لإغلاق الطريق وتتنبه لها النساء فى طريقهن للسوق فيسرعن فى السير وتظل الدوائر فى الاتساع متصادمة بأوراق القطن وسعف النخيل حتى تصل إلى النافذة الزجاجية فتتسرب من زجاج الحجرة الدافئة تتخطى الأغطية وتستقر على حافة أذن البنت الصغيرة البيضاء التى تحتضن قطتها فتنتبه من حلم لا تدرى تفاصيله .. دقت ساعة الميدان دقات باهتة رفع الشرطى يده للسيارات ..هم الطفل بعبور الطريق فاصطدم ببائع الفل .. رفع الجالس تحت الجرس يده وعندما سرت قشعريرة باردة فى جسده أعادها إلى جيبه .. أخرج الولد الآلة الحاسبة وبدأ فى التعامل معها .. مط الجالس بجوار النافذة شفتيه والتصق بالحائط طلبا للدفء .. وعندما تسمع همسا خلفه زجر الهامسين بعينيه وعلق نظراته على النافذة ومسح بخار الماء من على الزجاج ..

      علقت نظراتها بالنافذة وعندما صدها الزجاج انتقلت إلى صورته المعلقة على الجدار المواجه.. رأته مصلوبا على الحائط وعندما تهم بإنزاله يبتسم لها .. تفكر في تسلق الحائط إليه وعندما تلسعها برودة الحائط تعود للاختباء تحت الأغطية وتراقبه بنظراتها ..

      صفارة الشرطى توقف سيل العربات التى تربض مغلفة ببخار الماء الثقيل يشعر الجالس عند النافذة بالتجمد يفرد قدمه فتصطدم بالولد المنهمك فى ضرب الأرقام على الآلة الحاسبة يحدجه بنظراته الحانقة فيعيد قدمه إلى مكانها ..يرتعد واقفا ويأخذ فى التجول وعندما يصل إلى الباب يجد الجالسة هناك تستند برأسها إلى الباب ممسكة المقبض وعندما يقترب ليسألها أن تفسح له الطريق ترفع يدها اليمنى ملوحة بالدائرة الذهبية حول إصبعها فيعود إلى مكانه ملتصقا بالنافذة ..

 

      تهب عاصفة شمالية فتتطاير الأوراق من يد الشرطى الأسمر يحاول زميله اللحاق بالأوراق لكنها تتطاير بين العربات المتثاقلة فى سيرها ..

      ينكمش الجالس عند النافذة .. يخرج أوراقا فى محاولة لقطع الوقت بالكتابة للنائمة فى دفء الجنوب .. ربما تستيقظ الآن وربما فكرت فى الكتابة إليه يحاول إيجاد صيغة ملائمة تعلن إعجابها بالجو الذى يصوره لها لكنها قد لا تعلن عن رغبتها فيه .

 

      تقول له أنه لؤلؤتها لكــنها تتركه للبحر ويظل للإعلان عن مشاعرها توقيت ما يحاول التزامن معه ..

متذمرا ...

        يكتشف الولد خطأ العملية الحسابية فيحدجه بنظراته المتوسلة .. يهرب للنافذة فى الاتجاه المخالف تمر سيارة تحمل لوحة خضراء وعندما لا يجد الشرطى الأسمر الأوراق يخط رقمها على كفه وتجحظ عيناه ..   

غيظا ...

      تخفض الجالسة عند الباب يدها تحملق فى الدائرة الذهبية حول إصبعها تضغط برأسها على الباب يأتى صوتها من بئر عميق .. منذ سنوات ثلاث ولا نجد مأوى للتعبير عن صوت الحياة سافر لبلاد النفط ولم يعد وربما لا ...للمرة الثالث يخطئ الولد فى العملية الحسابية فيصدر أنة مكتومة  ..   

 

دامعة عيناه ..

      يحاول الطفل العبور لكن العربات لا تمنحه الفرصة .. يرفع بائع الفل قدمه متحاشيا الاصطدام بالعربات يتقافز ونوافذ السيارات مغلقة فى وجهه .. تقف سيارة سوداء بالقرب من الشرطى الأسمر ينزل منها ثلاثة يقتربون منه وعندما يرفع يده بالتحية يحملقون فى كفه ثم يأمرونه بركوب سيارتهم .. يلقى نظرات متوسله لزميله حامل اللاسلكى و......

  ينسى .....

      القطار الوقوف على محطاته المعهودة ولكن عند كل محطة تنفصل منه عربة فلا يشعر السائق بها ويسير مطلقا صفارته الزاعقة فتهتز النوافذ ..

 

    آملة أن تراه هابطا من القطار تلصق وجهها بالنافذة المهتزة .. تمسح ظهر قطتها مخفية توترها .. تسمع القطة صوت بائع الأسماك فتنسل من تحت يدها وتهرول إليه .. يخلف صوت القطار هدوءا مرعبا .. تلتقط آذانها دقات الساعة الرتيبة .. تشعر بالوحشة فتحدق فى تقويم الحائط .. تتمنى أن يكون اليوم موعد رسالته الأسبوعية وعندما يصدمها التقويم تمد يدها لصورته ..

      يشتد زحام العربات الهاربة من الضباب .. يرفع اللاسلكى متسمعا رسالة ما .. تأتى السيارة السوداء .. يهبط الشرطى الأسمر محنى  الرأس .. يحملق فى اليد المقطوعة والدماء تشكل بقعا على الأرض السوداء .. ينجح الطفل فى العبور لكنه يتزحلق فى بقعة الدماء فيتهاوى .. تتوقف حركة الميدان .. ينتهز بائع الفل فرصة التوقف لكن النوافذ المغلقة تصدمه وعندما يرى الصغير ممدا يطوح عقود الفل على الميدان فيستقر أحدها على عنق الصغير فتختلط بالدماء الحارة فتشتعل ..

      يحاول الشرطى استعمال اللاسلكى وعندما تتشنج حركة الميدان يطوح بالجهاز ليصطدم بالساعة المنتصبة فى عناد وينسحب .. كادت الساعة تدق بفعل الاصطدام .. هم الجالس تحت الجرس أن يمد يده ليدق الجرس لكن خيط الجرس ينفك فى يده .

      خمد صوت الجالسة عند الباب .. وكأنها تخرج من كابوس .. ينتفض جسدها .. تخلع الدائرة الذهبية وتنسحب خارجة وعندما تكتشف انغلاق الباب توجه له لكمة من قبضتها وتصرخ متألمة ..

للمرة الـ ....

      يكتشف الولد خطأ العملية الحسابية فيلقى بالآلة الحاسبة فى اتجاه النافذة الزجاجية .. تتطاير شظايا الزجاج فى وجه الجالس هناك ..

      القطار لا يتوقف .. تنفصل آخر العربات .. تتكاثف طبقات الضباب خلف زجاج النافذة فتكون طبقة معتمة .. تلمح البنت البيضاء لؤلؤة تنحدر من عينيها فتمد يدها فى محاولة لمنعها من التدحرج .  

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007