[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
أخيرا ..لا أخيراً ...لا
التاريخ:  القراءات:(7785) قراءة  التعليقات:(3) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : ظافر الجبيري  

أخيــراً.. لا

صارت لدى إبراهيم مناعة ضد الأبواق الشامتة والأخرى المعاكسة التي تمر بجواره مطلقة أصواتها البشعة وبعض الكلمات المستفزة  والحركات المسيئة له،ولمن معه، تصدر من أفواه فارغة ،وأيدٍ عاطلة .

لكن ماذا فعل إبراهيم ليسمع هذا من شباب كانوا في يوم من الأيام زملاء وبعضهم أصدقاء؟ لا شيء سوى أنه يقوم بقيادة سيارة العم أبو عبدالله لتوصيل عائلة الرجل الطيب إلى مدارسهم ومشاويرهم .

قبل وصوله إلى هذه المناعة، مر الشاب بمرحلة البطالة ، ثم أعمالٍ غير دائمة، ثم إقناع الأم له بالعمل مع هذا الرجل الطيب، براتب معقول يمهد للمستقبل ، حتى ولو كان المستقبل المنتظر يمرّ عبر بوابة هذه المهنة  التي شعر بها غريبة أول الأمر، ليس عنده فحسب بل حتى داخل الأسرة التي يعمل لديها. كان الرفض سيدَ الموقف في أول الأمر، لكن الأسرة تقبلت قرار الأب لأنه قال:" نجرب ونشوف " وكان الجميع على ثقة بأن التجربة فاشلة وأن الأمور ستعود إلى مجاريها.

    ظهرت أولى البشائر في التأخير؛" هذا المستهتر" كما وصفه الأولاد "عطلنا عن المدارس لتأخره في النوم!" وما يزعجهم أكثر أن الوالد لا يقبل رأيهم في طرده أو الحسم من راتبه . وهو يستلم مرتبه كاملاً، ويوقع التوقيع الذي يعود إلى  آخر سنة درس فيها. لقد توصّل إلى أفضل توقيع يستعمله في حياته ، من تكراره على درس القراءة في الصف الثاني متوسط ، كرر التوقيع عشرات المرات فوق درس (لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد)، وهو الآن يتسبب في تأخير الأبناء والبنات عن مدارسهم ، وحتى في الزيارات والولائم .

المسألة بسيطة كما رآها كبير العائلة، لكن أمّ عبد الله ترى أكثر من التأخير، ترى الشاب مُسْرفاً في التأنق ومتثاقلاً في مشيته أمام السيارة وغير جاد ، يعني في رأيها : "ما يصلح "، لكنها توقّفت عند هذا انتظاراً لما سيحدث.

تسرّب رفضُهم له تعاملاً جافاًًّ، لكنه يشعر بحدسه الخاص أن كثيراً من غيظ الأولاد يكظمونه تقديراً لوالدهم.

 في موقف تالِ طلبتْ من أبي عبد الله – وقد طفح بها الكيل – استبداله وذكرته أنها منذ البداية ضد أن يعمل شاب غير معروف سائقاً لعائلة تخاف على بناتها،  لكن ، أبو عبدالله  الله يهديه، "طيب دوّر على رجّال كبير سن يقدّر المسؤولية " اقترحت . أما الأولاد  فكانوا يلاطفونه أحياناً ، لكنهم ما يلبثون أن يكشروا في وجهه ، ويغيّروا تعاملهم إلى النقيض ، عندما يسبب لهم تأخيراً عن المدارس .. لكن أكثر ما كانوا يضعون عليه عيونهم هو تذكير أخواتهم البنات اللاتي يدرسن بالثانوية والكبيرة طالبة الكلية بالحجاب .. ووضع العباءة على الرأس دائماً ، وتغطية الوجه حتى في الحوش تجنّباً للمفاجآت !

كان شاباً يقارب الثلاثين ،  بشارب خفيف محدد.. شعرُه مصفّف يلمع على موضةِ (الفيديو كليب) .. كان يعتني بهندامه كثيراً ، ويكادُ الهواءُ يخدشُ بَشْرتَه .. ونادراً ما كان يلبسُ الشَّماغَ  قبل وظيفته هذه . كان أبو عبد الله يقابل كل ذلك بالتأني والحكمة .. الجميع له رأي في بقائه أو استبداله .. البنات ( خصوصاً طالبة الكلية والأخرى في الثالث ثانوي) سكتْنَ عن التعليق ، قالت الثانية :" لو طلبنا استبداله فمعنى ذلك أننا رأينا منه شيئاً ، ويجب علينا أن نحدِّد ما رأينا منه منعاً للشبهات ، وخوفاً من التأويلات " ، وردّتْ طالبة الثالث كلية: " إنْ قُلنا يبقى ، فمعنى ذلك شكوكُ ما لها أول من آخر ... "

ردّتِ الأولى : " إذاً خلّينا على الحِياد " ، ابتسمت الكبرى: " إنه سباق ضد الوقت! "

  كان ربُّ الأسرة مدركاً للاعتراضات الكثيرة ، لكنه كان يميل إلى الحديث معه على انفراد في الغرفة الخارجية ، وكانت رائحة الدخان تفضح الشاب أحياناً ، وصوت الموسيقا التي تعلو دونما سيطرة من الشاب على حالات النشوة والعذاب . الآن أبو عبدالله جالس معه في وسط فوضى غرفته ، يجلس الرجلُ الوقورُ قبالته ، يوصيه ويذكره  بالاتزان واحترامِ أجواء العائلة في اللبس والمظهر العام .. وترك التدخين ، وإلغاء فكرة التلفزيون .

كما يذكره بأن عليه أن يسعى للتخطيط للمستقبل ، لأن حياته لابد أن تتغير نحو الأحسن.

يصغي الشابُ – السائق مقدراً كلامَ  الرجل ، يعرف أنه الوحيد  في هذا العالم القادر على الثقة به، وإعطائه فرصةَ الاستمرار ! لكن، مطلوب منه إثبات وجوده واحترام الثقة .. وأخيراً ينطق:

-   " أبشر ولا يهمّك ، من بكرة أرجع للبس الشماغ والعقال ، ولا يكون خاطرك إلا طيب ، تراك في مقام الوالد ، جزاك الله خير " .كان يتمنى في داخله أباً ميتاً يعود للحياة له قلب كقلب  أبي عبد الله!

-   " نعم هذا خُبْري بك ، وفقك الله " ، ينهض الرجل مستعيناً بالله ، يمسك ظهره متألماً كأي رجلٍ في أواخر العقد الخامس ، ينهض مغادراً غرفة الشاب المُحْرَج من اكتشاف أمر التدخين  " ولكن تذكّرْ.. "

التفتَ إليه الرجلُ بعد ما خطا عدة خُطوات نحو الباب : " التأخير ممنوع ، مرّة تصلح جوالك ، ومرة توصّل أمك للمستشفى ، ومرة السيارة تعطلت ، ومرة شباب حلفوا عليك تتعشى .. هذي كلها أعذار ما تمشي " وكزّ على حروفه : " تراني أتابعك دون أن تراني ، فلا تكررها " ارتعب الشابُّ لفكرِة المتابعة هذه ، ولكنّه تجاسر :

-   " أبشرْ طال عمرك ، ولا يهمك " ، ليس أمامه وعلى لسانه غير التأكيد بهذه العبارة التي كررها كثيراً ، لدرجة أنه يخشى الاستغناء عنه بسبب تكرارها دون جدوى !

-   كان صبرُ العم أبو عبد الله عليه يبدو أحياناً بلا حدود ، يقول لهم مرات :" اتصلوا عليه، أَحْرجوه أمام نفسه ، أكيد أنه سيتحسن .. " كانتْ حكمةُ الرجلِ تهدفُ إلى أن يصلحَ من شأنِهِ ، وتحولت الحكمة هذه إلى سرّ مغلق لم يجد له الابن الأكبر باباً يدخل منه إلى تفكير الأب الذي  قال لأولاده إنه يرى فيه بذرةُ صالحة تتنفس أكسجيناً مستعملاً في زحام الشباب : جُلَسائِه ، لو نظر لنفسه فقط ، وترك تَقِْليد غيره، لسارتْ أموره إلى الأحسن . أبوعبد الله  يبدو متأكداً بينما  يدعو الله أن تأتي النتائج سليمة ,وأن تمر هذه الأيام على خير .

بينما كانت زوجته أكثر من في المنزل انزعاجاً  من هذا الوضع الغريب، حتى أنها فكرت بحس الأنثى أن تتنصّت على حديث الرجل مع السائق في غرفته الخارجية التي خصصها له في طرف المنزل، أحاديث تطول إلى ما يقارب الساعة ، هل يقنعه بالعمل وهو لا يريد، في ستين داهية ، وأرسلت بنتاً صغيرة لتتسمّع ، لكنها لم تأت بنتيجة. فلا تجد إلا الأولاد تدفعهم  للضغط على أبيهم، بخلاصة أوجزتها: يعمل بشروطنا أو ليذهب مع السلامة إن كان من أهلها!

* * *
**

العائلة تكبر وتتسع طلباتها، والمشاوير تزداد في الصيف .. والوالد – كما تلاحظ أسرته دوماً– يبالغ في الصبر على السائق ، الذي لم يفرضه أحد عليه ، لا مكتبُ عمل ، ولا المنظمةُ الوطنية للسعْوَدة ،ولا نقابة السائقين، موقف أبعد من دور كلّ هؤلاء يفرض عليه هذا الوضع، يؤكد أمام الجميع على أن الفرصةَ من حق هذا الشاب ، واجهه أحد الأولاد بهدوء ذات مرة : "ربما كان والدُه صديقًك " ، يسقط السؤال كالنصل، بدا السؤال أكبر من عُمْر الولد ،  يرتفع رأس الأب ، وقد بوغت ، لكنه تماسك ، نظر نحو الولد صاحب الاحتمال نظرة ملؤها الرجاء ألا يزيد، و في عينيه ينطق صوتٌ مكْلوم؛ في مرات أخرى يعلنُ الأب : " الزمن ماله أمان ، وشباب اليوم يحتاجون فرصة .." يسمع الأبناء والبنات  كلاماً كهذا عبر وسائل الإعلام ، لكنه يواصل " ضع نفسك مكانه ياعبد الله ، لوجارت عليك الظروف، أكيد التغيير سنة الحياة ، ولا داعي لمقارنة نفسنا بمن عنده سائق من هذا البلد أو ذاك ،علينا من نفسنا ، والوقت يغيّر من لا يتغيّر "

-  "لكن يا بويه "...وبصوت حاسم يريد معه إنهاء الحديث سريعاً:

-       " اسمع مني ، الدنيا تعلمنا جميعاً ، والفاهم ينال نصيبه منها ، اليوم أوغداً " .

 نقاط عديدة سجلها إبراهيم عليّ عن حياته ،السائق الشاب الذي وجد عائلةً سعوديةً تصبر على بعض تقصيره وتأخيره ،كانت رغبته في الرحيل  تساوي إلحاح البقاء  ، رغم أنه يعتبر أن الحظ قد ابتسم له ، عائلة سعودية تنفذ رغبة الأب في توظيف سواق مواطن، شعر بأنه سيدخل تاريخ المهنة من أوسع أبوابه،استعمل القلم الذي يوقع به عند استلام الراتب نهاية كل شهر، جلس مع نفسه ذات مساء ، راجع حياته كلها في ليلة واحدة ،  دوّن قراراته الجادة ، أولها البقاء في الوظيفة، مع العم أبو عبدالله صاحب المواقف التي لا تنسى واستعاد الموقف الأخير أمامه، وشعر بحرج لمجرد التذكّر ، ظهر له الرجل في اليوم السابق أباً حنوناً ، وليس ربَّ عملٍ يصدر الأوامر والنواهي. كانت عائلته في جو قراراته ، والأم التي ضغطت عليه من أجل  قبول أي عمل وهي التي أرسلته إلى هذا الرجل الطيب (لم يفكر أن يسألها كيف عرفت عنه) وافق على هذه المهنة مراعاة لحالتها الصحية ، فاضَتْ رؤيته، وتجلت ساعاته في تسلّيهِ برسوم عبثية تأتي من أعماق َسَرحانه وتفكيره معاً، رسم عيناً تهوي منها عبْرة وعشراتِ التواقيع المكررة!

-       "بأي عينٌ سأنظر إلى المستقبل " كان يفكر، لابد من الوصول إلى الزمن القادم عبر بوابة الحاضر الصعب !

صوت يحاسبه، يَرْدعه عبر المرآة  :

  "  إبراهيم ، تجاوزت حدودك ، لا ، أنسَ الفكرة، امسحْها من فكرك تماماً " لام نفسه أن تطاول إلى هذا الحد ؛ " مدّ رجليك على قد لحافك.."  وندّ صوته مفلتاً من حديث صامت لنفسه إلى صوت نطق معه: " لا تطالع فوق تَتْعب "  نطق التاء الثانية  بضغْط نافر .

ذكّر نفسه: " أنا وين وهم وين " وفكر: الوظيفة هي السبب، يمكن مالي أب ولا عزوة!.

بعد المرةِ الوحيدةِ التي تتبع عيْنَْيْها في المرآة الداخلية للسيارة ،سقط من داخله شيء ، يحاول أن يعرفه، أهو شعوره بوخز الضمير، خيانة الأمانة،، أكان أبو عبدالله يحذر من موقف كهذا عندما قال له: تراهم أَخَوَاتك يا إبراهيم.." لم تلاحظ هي غلطته، لكنه شعرَ أن عيني أبي عبد الله رأتْه ، وانقضّتْ عليه بقسوة .. ومرةً رأى جزءاً من الساق تنحسرُ عنه  العباية والتنورةُ السوداء عند درجِ الكلية ، كانت صاعدةً المدخل .. شهقتْ روحه ، خاف أن يسمع من حوله نبضات قلبه المتسارعة، أو يكون العم علي في مكان قريب يرى كل شيء، عندها تنفضح حسراته على نظرة مستحيلة .

راجع المشهَد في اليوم التالي ، وبّخ نفسه كثيراً ، في المرات التالية غيّر اتجاه السيارة ، ليكون مدخل الكلية في الخلف ، والمرآة مرفوعة بعيداً نحو الأعلى ، نحو سقف السيارة.

لقد شعرَ أن ثقةَ أبي عبد الله اهتزتْ نحوه .. فكّر أن يسلِِّّم مفاتيح السيارة له ، وينسحب من حياتهم .. تذّكر أخته الكبرى في نفس سنّ هذه البنت . لم يكن أبو عبد الله سيئاً معك ، فكيف تخطئ في حق أختك !

كان لابدّ له أن يكفِّر عن خطيئة الأمس وقبل الأمس .. المصارحة ، الاعتذار بصريح العبارة، وبعدها ليتصرف العم أبو عبد الله كما يشاء ، أو الانسحاب تماماً ًدون كلمة أو سبب.

* * *
* * *
*

مع الوقت بدأ أبو عبد الله يشعر بقلة الاعتراضات على السائق .. الذي لم يعد جديداً، صار يسميه " إبراهيم " فقط دون أن يتبعها كلمة " السواق "وصار موجوداً قبل الوقت المحدد في كل المشاوير .

في يوم صيفي تالٍ ، وجد إبراهيم زمنه  يمضى به إلى الأمام ، وتخرّج من تخرّج .. والعائلة تزداد ثقة به ، وهو يراها عائلته الأخرى ..فكر في إحضار عائلته  لزيارة عائلة أبي عبد الله ..أجّلَ الفكرة حتى يجد المدخل المناسب ، وهو يخشى ألا يكونوا مهذبين مع عائلته : مع أمه وأخواته ..كان يريد أن يرى الكبرى ولو بعيون أخواته، ثم مع الوقت تخلى عن الزيارة ، وبدأ يرسم فتاته أجمل الكون تمشي بخطاها المموسقة على أوتار قلبه!

 وساوس قد تؤكدها كلمة استعلاء من هنا، أو عبارة تفلت من هناك بقصد أو بدون قصد، أو  ترحيب بارد، قد يقلب جو الزيارة رأساً على عقب ، ومع الوقت نسي فكرة الزيارة لكنه  لم ينس قول أبي عبد الله الذي تقاعدَ من عملِهِ مؤخراً : هذه عائلتك وبناتي أخَواتك ، عِرْضي عِرْضك، الله الله في الأمانة، تراها تاج الرجل .

* * *
* * *
*

تجرأ وحلم في المنام بيتٍ وزوجة ، وتجرّّأَ عليه الحلمُ في اليقظةِ فوضع ما لم يكنْ في المنام من أحلامه في طريق صَحْوه .

هل أتقدم ، أم أعرف مكاني وقدْري ..؟

صارعتْه الأفكار .. ليس عاشقاً أخذه الوَلَه ، وليس متهوراً تدفعه نزواتُ غيرُ مدروسة.. ولكن ، هل سيطلب القربَ من عائلةٍ تحوطه بالرعاية ، العائلةُ التي أعطته الفرصة ليخدمها مقابل راتب يزدادُ كل سنة . ألا يكفيه هذا قرباُ !

-   " طيب عندها كلية ، وأنت ! " ضحك بهزة رأس ساخرة وذراع دارتْ  في الهواء أمامَ وجهه :" عندك متوسط .. !"

* * *

دار زمنه ، تقّدمت الأيام ، تقدِّم له المزيد من الأحلام   سار به زمن العائلة، ولابد أن يتحرك هو للأمام .. تحسنتِ الظروف ، جَمَع المالَ كرجلٍ ذي مسؤولية .. جَمَع أفكارَه وطموحاته بعقْل .. استجمَع قواه وحزم قراره ، وسيتقدّم إلى أبي عبد الله ، ولكن كيف سيكون ردّه عليّ ؟ كيف تنظرُ إليّ هي .. هل اليدُ التي لا تتقن إلا تحريك المقود وغسيل السيارة كل صباح ، تستطيع أن تتقدم وتطلب يد البنت الكبرى ! الكبرى مرة واحدة .

ربما يرفض طلبه ، أكيد لا داعي لـ " ربما " ..

هل سيتحولُ السائقُ إلى رجلٍ ذي أسرة ؟ هل تقبلُ البنت ؟ هل يستمرُّ في العمل لديهم في الحالتين ..

-  " اعتدل في الاعتناء بهندامك وأمورك "

-  " تراهم أخواتك يا إبراهيم .. "

رنّت العبارتان في ذهنه .. بينهما مسافة زمنية من الصبر ونيل الثقة ، زمن ثالث يعيشه مع أسئلته التي لا تنتهي..نام ذات ليلة فرأى مقاعد السيارة خالية إلا منها، والإسفلت بلون البنفسج وكل الزهور الندية المتفتحة، والطريق خالية إلا من سيارة واحدة، تحت سقفها بساتين العالم ، هل كان في عمله المعتاد؟ أم أنه في رحلة العمر؟ رأى الإشارة توحِّد لونيها الأحمر والأصفر إلى أخضر باسم يدعوه للاستمرار دون توقف ، وحده معها، وحدها معه .. شعر فجأة بخطر يتهددها ، قادته فكرة صريحة لا لبس فيها بالعودة بها للبيت ، ولتتدبر أمرها، فجأة تحولت الألوان الثلاثة الخضراء إلى لون أحمر قان ٍ ،شعر بقوة جبارة تدفعه للخروج من زحام شديد نشأ للتو، وكأنما كانت هي المستهدفة من وراء كل هذا ، وعليه أن يخلصها بأسرع ما يمكن، مدّ لها يده  ، فمدت يدها وانطلق بها يقتحم الأجساد المتكالبة، ويراوغ مرة ، ويَلْكُم مرة ، ويرتدّ ويتقدّم بقوة مغيِّراً اتجاه سيره يمنة ويسرة، حتى خرج من المكان، وما تزال يدُها في يده.. صحا على صياح أحد أولاد العم عليّ ينادي بصوت عالٍ  آمراً إياه بالنهوض بسرعة ،  فقد أخّر الجميع بنومه الطويل، نهض،وحمد الله على أنه حلم ، ليته حلم فقط ! كان شيئاً فظيعاً، نظر إلى كفه ، والعرق يرشح من راحةٍ ليتها تقول شيئاً..! قطع النداءُ العالي بقيةً من نشوة وكثيراً من هلع؛ الصراخ الذي لم يسمعه منذ فترة طويلة بعدما ضبط منبه عقله على جو العمل فقط ، وها هو في عمل حتى في المنام، وأي عمل!

احتاج إلى يومين أو ثلاثة لكي يخرج من أفكاره المزعجة حول الكابوس الذي رآه، هل يسأل مفسراً للأحلام؟ هل هو نذير خطر على البنت ؟هل يحذِّرها أو يحذِّر أهلها،وكيف؟ هل يستعجل بالتقدم إلى العم الطيب؟ هل يستشير أمه أولاً في الموضوع الذي شغل باله منذ طَرَح أمْر الشهادات جانباً ؟ لا داعي أن يُحرج أمه ، هل قرّبه مارآه في المنام من أمنيته أم أبعده عنها وأبعد الفتاة عنه؟

 عليه أن يجسّ نبض العم أولاً، قبل أن يضع المرأة،التي مازالت له الأب والأم ، في موقف لا ترضاه . سيمدّ يدَهُ لعمّه أولاً ، فإن رحّب به، فلتأت معه والدته في المرة القادمة .استقر رأيه على هذا، لينفذ خطواته بكتمان وصمت.

 ها هي اليد تمتدّ للعم أبي عبدالله في المجلس الذي لا يدخله إلا الضيوف ، دخله إبراهيم اليوم معززاً رافعا رأسه وقلبه بيرقاً للفرح القادم، ليس فرحا فحسب، كان يريد أسرة كريمة ترحب به لذاته، وامرأة تعترف برجولته وكينونته.

* * *

أبو عبدالله كاد أن يرفض الزيارة ، تراجع في آخر لحظة، وقال : لماذا لم تكلمني في غرفتك في آخر مرة جئتك فيها ، أو تؤجلها ؟ خشي أن يجرح مشاعره ، ربما كانت أمه دبّرت شيئاً ،والمسكين واقع في شر أفكارها، لكل هذا وافق أن يدخل سائقه إلى بيته، البيت الذي لم يدْعُه إليه في حالة وجود ضيوف، بل إن الأغرب أنه كان يطلب منه أن يذهب لمصالح أسرته في مثل هذه الأجواء، كمن لا يريد له الاحتكاك أو الحديث مع الضيوف.

يده تمتد لعمه الآن بالمصافحة ، اليدُ التي مدّها من قبل راجيأ قبوله في وظيفة سائق، الوظيفة التي دفعته الأم لقبولها والذهاب لهذا الرجل ( لم يسألها لماذا هذا الرجل بالذات) ،اليد التي أعطته الأمل يوماً ستنسحب من كفّه ، ستسحب الأمل بعنف واستعلاء غامض، ستضيع جهود السنوات القريبة هباءً بسبب اليد التي كانت سببًا للحُلم، اليد التي سترمي به في السراب !

كما يتسرب الماء من بين الأصابع تسربت أحلام إبراهيم الواقف أمام عمه، وتجاسر وأسعفته بقيةٌ من صوت ليسال : لماذا ياعمي ؟ امتقع لون الرجل ليبادره :

" لست عمك!" استعدت دمعة حمقاء للنزول، منعها الشاب محدقاً بذهول في الواقف الذي لم يعد له عمّاً، فماذا يكون؟

" اسمع يا ولدي.. " عدل من نبرة صوته التي كادت أن تخونه " شوف يا إبراهيم، أعرف ما تريد أن تقوله، ولكن ، المستحيل هو ما تطلب، وعليك أن تكون جاهزاً لما سيأتي من احتمالات.

ولم ينتظر فهمأ في حياته أكثر من هذه اللحظة :

-  " الأرزاق بيد الله يا بو عبدالله ! "

-   لا تفهم غلط.. لا تستعجل!

-   " فهمت زيادة عن اللازم، أريد أن أذكرك فقط بكلمة قلتها لي من قبل :"لو عندي ولد مثلك كان زوّجته من أحسن بنات البلد ويختارها بنفسه!" كل هذا طلع هلْس !"

-       هذا يا إبراهيم مربط الفرس وألف حصان معه.

    كانا ما يزالان واقفين، لكن الشاب انحنى ووضع المفاتيح التي أخرجها من جيبه  مع أول علامات الرفض ، انحنى الآن ووضعها على الطاولة الصغيرة ذات المرآة ، فرأى وجهاً لشاب لا يعرفه ، وجهاً نزت منه عروق نافرة وكساه حزن عميق، ألقى نظرة أخيرة على الرجل ، التقت عيناهما بأسى يعرف الرجل وحده سببه،وعندما سمع صوت الباب ينصفق ،هوتْ دمعته الآن، واستعاد الشريط من أوله ، شريط الأحداث الذي لم يتوقف منذ ثلاثين سنة .

 

 

 

 

 

 

من مجموعة تصدر قريباً بذات العنوان

 

 

  

 

 

 

 

 

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007