أبو سعيد
طفولتي في مدرسة دار الأيتام ، ولما بلغت الثامنة عشر دخلت المدرسة العسكرية فتنمى عملي وتدرجت وظيفتي 0في الثلاثين تزوجت من شيماء ابنة فلسطيني يعمل مترجم في دائرتي ، في السنة الأولى جاء سعيد وفى السنة الرابعة سماح 0 بعد تقاعد والد زوجتي وحصوله على الجنسية فتح مدرسة أهلية للبنين و البنات ، غدت شيماء مديرة القسم الأنثوي ، وهو مشرف عام و مديرا لقسم الذكور . طبيعة عملي التنقل و مشاركة الوفود المسافرة و القادمة اجتماعاتهم وجولاتهم وكنت استعين بوالد زوجتي في بعض المهام ، غير أني شعرت بالحرج وهو يمارس ضغوطه علي حتى أضاعف المكافأة . و يتدخل حتى أرفض طلبات من يعرف 0 مع الوقت أصبحت شيماء وهي ترى سعيد فتى و سماح عروس تتجاهل وجودي فكانت تهمل رأي في أمور المنزل وحاجة الأسرة0 وقد ورثت المدرسة بعد والدها الذي وجد مقتولاً داخل ورشة مهجورة لأصلاح السيارات في شارع معارض السيارات حيث يكثر العاملين في هذه الورش من الفلسطينيين و جاليات أخرى من شرق آسيا اعتنت شيماء بوالدتها فأشرفت على زواج شقيقاتها الثلاث وابتعاث أخويها لدراسة الطب في إحدى دول شرق أوربا . سعيد التحق بكلية الاقتصاد و الإدارة و سماح وهي في السنة الثالثة ثانوي خطبت و قبل ظهور نتائج اختبار الثانوية العامة كان زواجها من ابن زميل في العمل . في جولة تفقدية على أحد المواقع الحدودية تعطلت بنا السيارة ، كان السائق معي فقط لم يشعر أحد بتأخرنا ولم نكن مستعدين لهذه الحالة 0 البرد القارس يلدغ جسمي ، والهواء الذي يحمل ذرات الرمل يصفع سيارة الجيب ومسام الغطاء تصدر أصوات متناغمة 0لأ أدري كيف غفيت 0 صحوت على ثغاء أغنام وهرج أشخاص لا أعرفهم السائق ميت، تلفت حولي الأشخاص و الماشية يبتعدون وقد خلت العربة من كل شيء ، نقلت السائق إلى صحن السيارة وأدرت المحرك 0 وصلت إلى الإدارة وهناك اتهمني أقارب السائق بقتله 0 سبب موته كان لدغة أفعى عثر عليها الأطباء ميتة في سرواله . اهتزت معنوياتي و شعرت بالإرهاق و العجز 0 دخلت المستشفى فأحتار الأطباء في علتي حدثت الأخصائي النفسي عن طفولتي و مدرسة الأيتام وعرفت أن لي آخ 0أيضا دخل معي المدرسة ولا أدري مصيره تذكرت مقتل والد شيماء سألني الأخصائي عن عماد0 أنكرت معرفتي وفي أثناء الحديث عرفت آن عماد شقيق شيماء رفض العودة وشكل فصيل فلسطيني لمقاومة اليهود في دمشق و أبحاثه و مقالاته المنشورة في الصحف والكتب تتهم وطني بالعمالة و الخيانة شعرت بحاجتي للنوم . . أحلم في صحوي والمنام آني أمص الحليب من ثدي امرأة سترت وجهها بغطاء أسود شفاف ، وأن أخرى كانت تأخذني إذا شبعت ، تذكرت أخي الذي كان بكاؤه يملأ الدار وغرف مدرسة الأيتام و تسابقنا على الدرس و النجاح وحرص العاملين في المدرسة على أن نشعر بأننا في يد أمينة . قالت شيماء الرجل جن كانت تحادث أمها وقد أغلقت علي باب غرفة النوم سماح تأتي لزيارتي كلما سمحت الظروف لزوجها . سعيد رغم وجوده معنا في الدار نادراً ما يدخل الغرفة آلتي أجد في داخلها السكون والأمن ، فكنت أتناول طعامي الذي تحضره شيماء عندما تكون في الدار0 وان كانت الخادمة هي التي تقوم ، بذلك لم تنقطع زيارتي إلى المستشفى 0 أصبح عملي بعد أن ترفعت مسئولاً عن قطاع الإنتاج في مصانع الدائرة التي تجمعها رقعة واحدة على بعد مائة كيلو عن الرياض ، فضلت الإقامة في بيت الضيافة الذي يستقبل الزوار و القيادات العليا 0 انقطعت صلتي بشيماء حتى وصلني استدعاء من المحكمة لطلب الانفصال ادعت إني لم أعد قادرا على أداء واجبي كزوج 0نسيت ذلك وأمام إصرارها على تحويلي لطبيب للكشف كان الطلاق حتى لا نخرج عن نطاق غرفة القاضي 0 بعد هذه الصدمة سافرت في مهمة عمل إلى بلد عربي وراجعت الأطباء عرفت أني فعلاً وصلت إلى هذه الحالة 0 طلب مني زيارة طبيب نفساني لأن ما أعانيه ليس مرض جسدي ، أستقر في ذهني وقد تجاوزت الخمسين الاستقالة ، غير آن الإدارة رفضت ذلك فأخذت إجازة سافرت فيها إلى جدة 0 أشعرت فرع إدارتي بالمدينة بمكاني وعلمت أن الرئيس سوف يزور الفرع فكنت من المستقبلين ، ولما اختلى بي عرف رغبتي في الإقامة في هذه المدينة و تكوين حياة جديدة 0بعد أيام قدم لي أحد المراسلين مضر وف مغلق بداخلة صك تملك إحدى الوحدات السكنية آلتي تمنح لكبار المسئولين ، وصك أخر لقطعة أرض بمساحة أكبر هدية شخصية من أملاك الرئيس في المدينة . أقمت عليها أسواق تجارية وهجرت المسكن إلى شقة في عمارة بجوار السوق . تذكرت مدرسة الأيتام التي أدخلني بها خالي أخذت أسال عن مصير المدرسة و ملفاتها حتى وصلت إلى بداية الخيط 0 سافرت إلى الرياض حيث تكدست الأوراق تعاطف أحد موظفي الأرشيف معي عثرت على بعض أوراق ملفي عرفت أن خالي كان زوج أمي تخلص مني ومن أخي بعد أن التحق جندي بالأمن في مكة المكرمة ، ومن الكشوف عرفت أن أخي هرب من المدرسة سافرت إلى قرية أمي و زوجها ، لم أجد من يعرفني وان كان اسم أمي و عائلتها دليلي وعرفت أن أبى أحد عمال مزرعة والدها ، اختفى و تزوجت ابن خالتها . عدت إلى شقتي خائباً ووجدت معالم زيارة سعيد و سماح لا أدري كيف استدلا على عنواني غير أن المسئول عن أحد المحلات أخبرني أن سيدة زارت المحل وأخذت فاتورة بما شرت ولما ذكر اسمي سالت عني وكأنها تعرفني تكررت زيارتها للمحل ترددت في الاتصال برقم الهاتف الذي دونته في دفتر على مكتبي الأول هاتف ثابت في الطائف 0 والآخر نقال جربت الأول لم يرد أحد و استعملت الآخر فجاء صوت توهمت أني اعرفه فعرفت نفسي بأبي سعيد 0 أنها تما ضر أخت شيماء عرفت أمري مصادفة 0 تقيم في الطائف منذ خمس سنوات 0 حتى الآن لم ترزق بأبناء رغم مرور عشر سنوات على زواجها . شيماء تزوجت بآخر ، أسرته من قرية والدها التي احتلها اليهود عام 1948من فلسطيني الشتات . شقتي في الدور الأرضي نوافذها تطل على مساحة صغيرة من الأرض قمت بزرعها ببعض الزهور ، ويعتني بنظافتها عاملة حبشية تحضر يوم بعد يوم تغسل ملابسي وتنظف الشقة 0. جاءت تما ضر ، رن جرس الباب لما فتحته العاملة الحبشية وزعت نظراتها بيننا واختفت 0 أخذت تحدثني عن حياتها ، وان أخاها عماد عاد مع العائدين إلى فلسطين برفقة المنظمة كمسئول إعلام وأخاها عبد الله التحق بمدرسة شيماء الأهلية بعد تخرجه من الجامعة ، أما أختها الثالثة فقد رزقت بعدد من الأولاد وهي تقيم مع زوجها في الدمام 0سعيد تقدم للعمل مدرساً في مدرسة نائية في قلب الصحراء 0بعد آن شربت الشاي نهضت ، دعتني لزيارتها والتعرف على زوجها الذي يعمل في البنك الأمريكي . تبدل حال العاملة الحبشية بعد زيارة تما ضر ، أخذة تعتني بشكلها وتهتم بتوزيع الأثاث داخل الشقة والحرص على إبراز ذوقها في العناية بالستائر واللوحات الفنية والصور المعلقة على الجدران ، كما قامت بإبدال الكرسي الذي اعتدت التمدد عليه في غرفة الجلوس ، وأنا أستسلم لأناملها التي تتلمس ألم مزمن في كتفي الأيمن يشتد حتى يصل أسفل ظهري ، وقررت النوم في غرفة الضيوف حتى أجد الإفطار وكأس الحليب 0 ذات ليلة وأنامل العاملة تمارس طقوسها في ملاحقة أوجاع ضهري ، رن الهاتف كانت تما ضر تتحدث عن مشروعها الحلم فأخذت أضحك ، تجاوز التدليك الأماكن المعتادة تغلغل فسرى خدر في أعماقي فنملت أطرافي ، لا أدري متى نمت وكيف تركت غرفة الجلوس ، تلفت حولي غطيت جسدي العاري ، باب الغرفة مشرع ، صوت العاملة ينساب رخيما بأغنية تسكن أعماقي ، وجدتها في المطبخ بادلتني تحية الصباح ، تناولت كأس الحليب والإفطار ، وصلت مكتبي متأخر 0 عدت في المساء وجدت باقي الإفطار مكانه في غرفة الجلوس تجولت في الشقة لا أحد حملت أطباق الإفطار إلي المطبخ ، بدلت ملابسي . أعددت كوب شاي ، جلست أمام التلفزيون أتابع ما يعرض حتى نعست ، تأخر قدوم العاملة الحبشية حتى شعرت برائحة الغبار 0طلبت من أحد العاملين إحضار أخرى اعتدت النوم حتى الظهر في أيام الخميس0 حيث أسهر مع مجموعة من الأصدقاء إلى ساعة متأخرة نلعب البلوت و نتعشى في أحد شاليهات البحر ونمارس السباحة عندما يكون القمر في كبد السماء . جرس الباب يرن كنت أحلم تكرر ، نهضت بقميص البيجاما وسروالي القصير كانت تما ضر لما شاهدت0 ملابسي ضحكت 0 خلعت عباءتها تهدل شعرها 0فتحت حقيبة يدها وأخرجت مجموعة أوراق نثرتها على الطاولة أخذت تحدثني عن مشروع مشغل الخياطة . دخلت الحمام غسلت وجهي وغطيت جسدي، لم تكن في غرفة الجلوس سمعت صوتها وحركتها في المطبخ عادت تحمل الشاي وقنينة ماء أخذت أقلب أوراقها 0 رن هاتفها الجوال قامت تاركة الأوراق قالت وهي تفتح باب الشقة أنها سوف تعود بعد غروب الشمس 0 ارتفع أذان العشاء وإذا بالباب يقرع كانت تما ضر انهارت باكية على أحد مقاعد الجلوس عرفت أن سائق عربتها اصطدم بسيارة أخرى وتم حجز السائق ، تركت رأسها ينام على صدري 0سرت ابتسامة خفيفة على وجهها أخذت أمازحها . أحد الأصدقاء أحضر عاملة إندونيسية تعمل في مشغل خياطة تديره زوجته . زارتني ابنتي سماح و جاء سعيد لقضاء أيام من إجازة نهاية العام الدراسي قبل سفره إلى الخارج ، بعد سفر سماح ناقشته في عمله أخذ يبكي على كتفي تذكرته طفلاً عندما أعاقبه كانت دموعه تنهار وهو يلتصق بي تركته يبكي حتى نام 0 جهزت الخادمة،الإفطار جلسنا حول طاولة الأكل تحدث عن حياته وشعوره باليتم تحدث عن المدرسة وكيف أنه كان يعرف بين أصدقاءه بسعيد الفلسطيني ، عرفته على عمال المحلات التجارية ذكرته بطفولته وكيف كان يبكي كثيراً0 جلسنا حتى ساعة متأخرة من الليل على البحر ، عرفته على الأصدقاء في منتزه بحري عاتبه البعض على انقطاعه سافر غير أنه عاد بعد أيام0توسط له بالنقل فكان أن جاء اسمه في قرار خاص . تما ضر وهي تقوم بشراء ما يحتاجه مشغلها همست أني تلك الليلة كنت الإنسان الكامل تذكرت شيماء و عجزي . خطبت لسعيد ابنة أحد الأصدقاء 0جهزت سكنه بما لم يحلم به حضرت شيماء حفل الزواج كانت أكبر من سنها 0 قالت شيماء ونحن نجلس على طاولة في منتزه بحري ضمت سعيد وزوجته وتماضر0انها تنوي شراء شقة حتى تكون بجوار ابنها ، قام سعيد أخذ زوجته حتى يركب معها أحد الزوارق لم أعلق على الأمر .
16/9/1422هـ
التعليقات
مصطفى مراد
Public Anonymous User
10/3/2004 7:06:42 AM
هذه القصة نموذج ممتاز للقصة القصيرة جدا. ما نجده هنا هو قصة متكاملة حدثا وشخوصا ونهايةً موحية، وليس مفارقة مقحمة او فذلكة ايجازية. اسعدتني قراءة هذه القصة.
مصطفى مراد
Public Anonymous User
9/22/2004 7:06:42 AM
قرأت قصتك أمس، أول ما ظهرت.. وقلت صلِّ على النبي. ولكن، ومع كلّ ذلك، ومع كلّ شيء، كيف يمكن الصمت حقا؟!... ما بذهلني يا استاذ محمد منصور الشقحاء هو ظهور هذه القصة في ايّ موقع ادبي او شبه ادبي او ربع ادبي. ويذهلني ايضا ان تكون حاصلا على كل هذه الجوائز (الله يبارك) وانّك حاصل على شهادة تقدير من امير الرياض شخصيا (با سلام!) ويذهلني ايضا انّ عدد الكتب المكتوبة فيك يبلغ سبعة كتب.. هذا عدا الدراسات في مواقع اخرى. ولأنّ الحكي ببلاش فانني اهديك مرة اخرى "يا سلام" اخرى" و"الله يبارك" اخرى، ولا اريد جزاءً ولا شكورا، ولا حتى دفعة على الحساب. (في قصتك 15 خطأً نحويا، واحداث تكفي لرواية من 7 مجلّدات).