خطوط رمادية
شعرت بزوال الدفء, تحسست مكانها فلم أجدها, استيقظت فزعاً, خرجت من غرفتي إلى غرفتها فلم أجدها, صوتُّ عليها فلم أسمع جواباً, ذهبت إلى الصالة فإذا هي منكبة على كراستها, حسبتها نائمة عندما رأيتها منبطحة بيد أنها كانت ترسم كعادتها, فعرفت سر عدم إجابتها لندائي عندما ناديتها, اقتربت منها, نظرت إليّ وكأني إلى جوارها منذ مدة طويلة, دائماً أرى في نظرتها إليّ الكثير من المعاني التي لا أفهمها,, لم أحاول أن أُحادثها,, فأنا أعلم مسبقاً بأنها لن تحادثني بما أنها استقبلتني بهذه النظرة, حتى وإن أثنيت على رسمها الذي تعشق, أحياناً أتساءل: ماذا ستصبح هذه الصغيرة؟ فعيناها غابتا نخيل وصمتها جليد كالنار, مما يجعلني أتخيلها في مستقبلها ممسكة بالفرشاة تتحدث بالألوان فأسمعها وأفهمها, أحياناً أو ربما دائماً لا أفهمها, أمها فقط,, هي الوحيدة التي تفهمها, وتفهمني أنا أيضاً, آهٍ على ذكرها أكاد أشم رائحة القهوة قادمة من المطبخ, نهضت قاصداً إياه, لا أدري لماذا راود تفكيري فكرة أن أجدها في المطبخ بشعرها الذي لم ترتبه بعد وبنظرة ترمقني,. صباح الخير, متى جئت؟ أجزم أنها شعرت بمجيئي, أعرف ذلك من دفئها الذي يواجهني بصدودها, الذي يقترب مني بابتعادها, أين تضع القهوة؟ الماء المغلي يكاد يفر من الكنكة , أين فنجان القهوة؟ إنه هناك بوجهه المسود من البارحة ينتظرني لأفرك وجهه وأسوّده من جديد, وهذه الصغيرة، ماذا تريد من إفطاري أبحث في فضاء المطبخ, بقايا عشاء البارحة على جريدة الأمس, تذكرت الفاضل من العشاء الذي في الثلاجة, أحميته على النار ثم أخذته وجزءًا من جريدة الأمس إلى حيث صغيرتي, والتي رفضت إفطاري, وأخذت تنظر إليّ وإلى إفطاري بنظرة خلت معها أنها سترسمني بكل دقة, بقميصي البني المقلم بالذهبي, وشعري المسرّح إلى الخلف, وعيوني المحجلة بالسمار, وشواربي الكثيفة, وذقني الأخضر, سرحت في شكلي المرسوم, أخذتني ابتسامة إلى تذكر الكاريكاتير الساخر بجريدة الأمس, أخذت أتأمله من بين بقايا الطعام, شاب نحيف طويل يقول لأبيه: تبي شي يا يبه, ابطلع مع الشباب للبر وابجي بكرة, يرد الأب الجالس: سلامتك يا وليدي, بس إياني واياك تنام فوق طعس, أنت ناسي العام الماضي يوم يتوطاك راعي الجيب يحسبك داب. أقهقه, فتتطاير بقايا النوم, أجول بناظري الجريدة بحثاً عن لا شيء. عناوين متفرقة, دواء جديد يبشر بنتائج... البرد يقتل 13 شخصاً في ... فلسطيني يعرض بيع ابنه لعلاج ابنته من فشل كلوي... شدني العنوان لقراءة الخبر. ذكرت تقارير أمس الثلاثاء أن أبًا فلسطينيًا لخمسة أولاد عرض ابنه للبيع لتمويل عملية جراحية لابنته المريضة... لم أشأ أن أكمل, كما أني لم أشأ أيضًا أن أتخيل هذا الموقف خشية أن أنتقل إلى تخيل نفسي في مثل هذا الموقف الصعب جدًا, نعم معادلة صعبة, أن تبيع ابنك لتشتري الآخر. قلت لا أريد أن أدخل في هذا الخيال وإذا بي في أعماقه وكدت أصل إلى قعره لولا صوت الهاتف الجوال بنغمته المملة بيد صغيرتي التي أحضرته من غرفة نومي. - مرحبًا - ... - أهلًا بك,, صباح النور -...؟ - أبدًا لم تزعجني,, لماذا لم تتصل على هاتف المنزل أوفر لك؟ - ... - إنها ليست بالمنزل منذ يوم أمس. -...؟ - في منزل أهلها. - ...؟ - لا, لست لوحدي, معي صغيرتي. - ...؟ - سوء خلاف كالعادة. - ...؟ - ربما لن أحضر الليلة أيضًا,, فأين سأضع هذه الصغيرة؟ - ... - لا, لا أريد أن يعرف أهلي بهذا الخلاف. - ...؟ -لا عليك, ابحثوا هذه الليلة عن رابع لكم غيري, مع السلامة. لا يزال اليوم في بدايته, ولم أجد سوى أن أنبطح إلى جوار صغيرتي أشاركها هذا الاندماج لعلّي أفهمها. - ماذا ترسمين؟ - ماهذا؟ منزل؟ - ... كانت ترسم بصمت منزلًا لا يوجد به سوى نافذة واحدة تطل منها امرأة, عرفت أنها امرأة من الخطوط الكثيرة حول الدائرة الوجه , وهذه النافذة كانت تطل على حديقة مليئة بخطوط عمودية في رؤوسها دوائر, إنها أشجار كما يبدو, وفي وسط الحديقة خطوط أعتقد أنها أرجوحة فقد كانت في وسطها طفلة تبدو أكبر حجمًا مما عليه بقية الأشياء في الرسم, حتى إنها أكبر من الرجل الذي يدفع الأرجوحة. - من هذا الرجل؟ - ... - هل هو الأب؟ - ... فقط اكتفت بنظرة إليّ, وهزت رأسها بالإيجاب, شعرت بالغبطة لأني بدأت أدخل إلى عالم هذه الصغيرة إلى درجة أني بدأت أشعر بوجودي داخل لوحتها بوجه دائري, وأطراف عبارة عن خطوط, كل ما حولي من أشياء خطوط رمادية, وفراغات بيضاء. سألتها وهي على الأرجوحة. - من تلك المرأة في النافذة؟ أمك؟ - ... سألتها وهي ممسكة بالقلم وقد أضافت إلى إحدى عينيها دمعة حدودها رمادية. - إلى متى سأظل أدفع هذه الأرجوحة؟ - ... قلبت القلم رأسًا على عقب وداست على وجهي بالممحاة وأخذت تتلاشى خطوطي الرمادية.
التعليقات
ثويني محمد آل عليوي
ثويني محمد آل عليوي
12/29/2011 9:47:54 AM
شكرًا لك أستاذة منى الحمودي.